ultracheck
سياسة

الجيل الثالث من أبناء المُهاجرين في فرنسا.. بين ذاكرة "البور" وواقع التهميش

30 أغسطس 2025
نضال المهاجرين.. 40 عاماً بعد مسيرة "البور" بفرنسا
نضال المهاجرين.. 40 عاماً بعد مسيرة "البور" بفرنسا (الترا جزائر)
عمار لشموت
عمار لشموت كاتب من الجزائر

يُواجه الجيل الثالث من أبناء المهاجرين التهميش والإقصاء،، مشهد لايختلف عن ذلك الذي دفع آباءهم قبل أكثر من أربعة عقود، إلى النزول إلى الشوارع والاحتجاج ضدّ العنصرية.

انطلقت المسيرة في 15 أكتوبر 1983 بمدينة مرسيليا وانتهت في العاصمة باريس شهر ديسمبر من العام نفسه، شارك فيها أكثر من  100 ألف شخص و 70 جمعية

بين أحياء الضواحي الفرنسية التي لا زالت تعاني من التهميش، حيث تظهر آثار التمييز بشكل مستمرّ، وتتزايد الجرائم التي تحصد العشرات من الأرواح، كما تستهدف بعض وسائل الإعلام ترسيخ صورة نمطية عن القادمين من الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، وغيرهم من أبناء المهاجرين على حدّ سواء.

تمرّ  أربعة عقود من الزمن على مسيرة "البور" التاريخية سنة 1983، التي خرج فيها أبناء المهاجرين في فرنسا مطالبين بالمساواة والعدالة ورافضين للعنصرية المُمنهجة، يعود السؤال: هل أُثمرت التضحيات في تغيير الواقع؟

فرنسا التي رفعت يومًا شعار "الحرية والمساواة والأخوة" تبدو اليوم غارقة في موجة جديدة من الكراهية، حيث تُسجَّل سنويًا آلاف الحوادث ذات الطابع العنصري، ويصعد الخطاب المتطرف من الهامش إلى قلب المشهد السياسي.

نضال المهاجرين.. 40 عاماً بعد مسيرة "البور" بفرنسا
نضال المهاجرين.. 40 عاماً بعد مسيرة "البور" بفرنسا  (أرشيف)

 

40 عاماً من النّضال

شَهدت فرنسا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية، وكان صعود الجيل الثاني من المهاجرين محور تلك التغييرات، هذا الجيل هو أبناء المهاجرين الجزائريين الذين قدموا إلى فرنسا منذ الفترة الاستعمارية وما بعد الاستقلال لإعادة إعمار المدن الفرنسية والعمل في مصانعها. 

وقد ألقى هذا البروز الديمغرافي بظلاله على الساحة السياسية، خاصة مع الركود الاقتصادي لسنة 1980 وارتفاع معدلات البطالة وسط أبناء المهاجرين، مما أدى إلى اندلاع أعمال شغب في مختلف الضواحي التي يسكنها المهاجرون وأبنائهم احتجاجا على التهميش والاقصاء والعنف المؤسساتي والعنصرية وأزمة الإسكان.

وأمام الاحتكاك المتكرر بين شباب الضواحي والشرطة الفرنسية، سجلت العديد من التجاوزات الأمنية، حيث أفادت تقارير إعلامية أنداك بمقتل أكثر من 50 شاباً من أبناء المهاجرين على يد الشرطة الفرنسية خلال الفترة الممتدة ما بين 1980 و1983.

نضال المهاجرين.. 40 عاماً بعد مسيرة "البور" بفرنسا
نضال المهاجرين.. 40 عاماً بعد مسيرة "البور" بفرنسا 

المسيرة السلمية الكبرى 

في ربيع 1983 شهدت ضاحية جنوب مدينة "لوين" الفرنسية "المنغيت"، موجة عنف واحتجاجات ضد معاملة الشرطة الفرنسية، تعرض الناشط الجمعوي "تومي جعيدية" إلى إطلاق عيار ناري من طرف الشرطة الفرنسية على إثر تدخله لإنقاذ فتى من هجوم كلب بولسي. 

ألقى  البروز الديمغرافي بظلاله على الساحة السياسيةبفرنسا، خاصة مع الركود الاقتصادي لسنة 1980 وارتفاع معدلات البطالة وسط أبناء المهاجرين، مما أدى إلى اندلاع أعمال شغب في مختلف الضواحي 

بعد فترة من التعافي وخلال استراحته في المستشفى، صاغ رفقة بعض النشطاء من الضواحي فكرة المسيرة من أجل المساواة ومناهضة العنصرية، فكرة مستوحاة من المسيرة العظيمة التي قادها مارثن لوثر كينغ في الولايات المتحدة الأمريكية، المسيرة عرفت "مسيرة البور" ( La Marche des Beurs)، وتطلق كلمة "البور" (les Beurs) على الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين من المنطقة المغاربية. 

وكانت مسيرة البور" عام 1983 احتجاجًا سلميًا ضد العنصرية والعنف الشرطي، قادها أبناء المهاجرين من شمال إفريقيا عبر فرنسا.

وانطلقت المسيرة في 15 أكتوبر /تشرين الأول من عام 1983 بمدينة مرسيليا وانتهت في العاصمة باريس شهر ديسمبر/ كانون الأول من السنة نفسها، والتحثت بالمسيرة أكثر من 70 جمعية، كما حظيت بمشاركة جماهيرية في شوارع باريس تجاوزت 100 ألف شخص، والتقى وفد المسيرة الرئيس الفرنسي آنذاك فرنسوا ميتران. 

 

أسباب مسيرة "البور"

كانت إصابة "تومي جعيدية" برصاصة الشرطة الفرنسية الشرارة التي دفعت إلى تصعيد حركة احتجاج أبناء المهاجرين، هذا الاحتجاج لم يأتي من فراغ، بل نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية عاشها أبناء المهاجرين.

 ظلت أحياء الضواحي التي يقطنها الجزائريون والمهاجرون تعاني من التهميش وارتفاع معدلات البطالة والفقر وسوء ظروف الإسكان، كما تفاقم الشعور بالتمييز والعنصرية والصورة النمطية في الإعلام الرسمي.

و إلى جانب ذلك ارتفاع  حالات الاعتداءات والتجاوزات الأمنية واطلاق النار على أبناء المهاجرين دون محاسبة ومسألة، فقد قتل ما بين 1980 و 1983 أكثر من خمسين شابا من أبناء الضواحي في ظروف مرتبطة بتدخلات الشرطة، وفي غياب أي تأطير وتمثيل سياسي كان الشارع الفضاء الأوحد لتعبير عن الغضب والمطالبة بالعدالة والمساواة والحقوق.

نضال المهاجرين.. 40 عاماً بعد مسيرة "البور" بفرنسا
جدارية  تخلد أحد ضحايا العنصرية في فرنسا 

 

دور الإذاعات المحلية

سنة 1981 ومع انتخاب فرنسوا ميتران رئيسا للجمهورية الفرنسية، تم السماح بتحرير البث الإذاعي على الموجة " أف أم" وتحرير القطاع السمعي والبصري، وبذلك ساهمت الإذاعات المحلية التي ظهرت أنداك في إيصال صوت المهاجرين وأبنائهم إلى الرأي العام.

وكانت الإذاعة منبرا للتعبير عن معاناة المهاجرين وأبنائهم، حيت سمحت للحديث عن قضايا التهميش والبطالة والحرية والتمييز العنصري، فضلاً عن نقل شهادات حية عن العنف البوليسي اليومي الذين يتعرضون لهم في الضواحي الفقيرة.

أصبح الفن والموسيقى صوتًا معبرًا للجيل الثالث من أبناء الجالية الجزائرية في المهجر، حيث تحولت الأغاني والأنماط الفنية إلى منبر للتنديد بالعنصرية والتهميش والاغتراب

إلى جانب الدور التوعي الذي شكلته الإذاعات في تعبئة الشباب وتشجيعهم في التعبئة الجمعوية، إذ تمكن أبناء المهاجرين من نقل صورة عن أوضاعهم الاجتماعية التي غيبت في الاعلام الرسمي التقليدي، الذي رسم عنهم صورة نمطية تمثلت على أنهم مجرمون مشاغبون منحرفون.

ومن أبرز تلك الإذاعات نذكر: راديو بور تأسست سنة 1981 على يد ناصر كتان، وهو من أصولية جزائرية، وقد شكلت وسيلة لنشر الوعي الحقوقي بالنسبة إلى المهاجرين خاصة الجزائريين، كما ظهرت "راديو سوليي" Radio Soleil» سنة 1981، والتي استهدفت الجالية المغاربية في فرنسا، حيث قدمت محتوى يساهم في تعزيز الهوية المغاربية والجزائرية، والدفاع عن حقوق الجالية المهاجرة، إضافة إلى نقل انشغالات شباب الضواحي.

إلى جانب ذلك، تأسس راديو أوريون Radio Orient سنة 1981 على يد رجل الأعمال اللبناني رغيد الشماخ، الذي كان شعاره الربط بين المشرق والغرب، كما برزت إذاعات أخرى في الفترة نفسها مثل: راديو "العالم الثالث " وراديو «كزال "وكانت تبث برامجهما باللغتين العربية والفرنسة.

أصوات من الضواحي

مع مطلع التسعينيات القرن الماضي، برز الفن والموسيقى كصوت معبر عن الجيل الثالث من أبناء الجالية الجزائرية والمهاجرة، حيث تحولت الأغنية والأنماط الفنية المختلفة إلى منبر للتنديد بالعنصرية وكشف مظاهر التهميش والاغتراب وعنف البوليس الفرنسي.

لقد شكل الفن كأداة مقاومة أمام تصاعد ومواصلة الاعتداءات العنصرية

ما ميز هذا التعبير الفني هو المزج بين السخرية اللاذعة أحيانا والطرح الجاد أحيانا أخرى، نذكر فناني فن الراي رشيد طَهَ الذي أصبح رمزا من رموز الجالية المغاربية في فرنسا، فؤاد بلمين الملقب الشاب فوضيل، كما لمع الراب مع مجموعات من أصول الجزائرية والمغاربية مثل IAM   من مرسيليا و   Mc Solaar  و 113 من ضواحي باريس و Rim’K وSuprême NTM وعرفت أغانيهم بالمحتوى السياسي والاجتماعي والهوياتي، تحكي عن غربة الإباء ومعاناتهم وعن الهوية والتهميش.

لقد شكل الفن كأداة مقاومة أمام تصاعد ومواصلة الاعتداءات العنصرية، حيث سجلت سنة 1985 على سبيل الذكر عدة جرائم بدافع الكراهية.

أبطال ضد العنصرية

لقد شكلت الرياضة دورا محوريا في حياة المهاجرين الجزائريين، كانت كرة القدم على وجه الخصوص فضاء مهما للفرنسيين من أصول جزائرية، مكنتهم من كسر الصورة النمطية ومواجهة مظاهر العنصرية، فقد تمكن الكثير من اللاعبين من النجاح رياضيا مثل مصطفى دحلب (1970-1980) وعلي بن عربية، زين الدين زيدان، كريم بن زيمة، ورياض محرز، نبيل فقير، وغيرهم.

لقد شكل هؤلاء اللاعبون الفرنسيون من أصول جزائرية جسرا ثقافيا ورياضيا بين الجالية الجزائرية في فرنسا والوطن الأم، لقد استطاعوا أن يهدموا الصورة النمطية التي كرسها الإعلام التقليدي عن المهاجرين، والتي صورتهم على أنهم كسالى أو مجرمون ومنحرفون.

أربعة عقود  على مسيرة "البور "

بعد أربعة عقود من الكفاح والنضال، يظل لسؤال قائماً: ما المكاسب التي تحققت بعد أكبر مظاهرة نظمتها للجالية المغاربية سنة 1983؟ هل فعلاً تم تكريس مبدأ المساواة والتقليل من مظاهر العنصرية.

كانت كرة القدم منصة أساسية للمهاجرين الجزائريين في فرنسا لمواجهة العنصرية، حيث برز العديد من اللاعبين  مثل مصطفى دحلب، علي بن عربية، زين الدين زيدان، كريم بن زيمة، رياض محرز، ونبيل فقير وغيرهم

ميدانيا، فإنّ الواقع يُشير إلى عكس ذلك، إذ تشهد فرنسا في السنوات الأخيرة تصاعداً محسوسا في العنف وخطاب الكراهية، إذ تسجل ارتفاعا مستمرا في جرائم والمخالفات ذات الطابع العنصري.

 ففي سنة 2024 سجلت الشرطة الفرنسية أكثر من 16 ألف حادثة مرتبطة بالعنف العنصري وخطابات الكراهية أي بزيادة قدرها 11 بالمائة مقارنة بسنة 2023، ويتوقّع أن يستمر هذا المنحى التصاعدي، خاصة في ظل تنامي اليمين المتطرف داخل الساحة السياسية الفرنسية.

 

الكلمات المفتاحية

الجزائر أمريكا

اجتماعات جزائرية أمريكية متوالية.. بحث توسيع التعاون خارج الأمن والطاقة

توالت في الأسابيع الأخيرة اللقاءات الجزائرية الأمريكية التي بحثت تعزيز العلاقات الثنائية، وبالخصوص ما تعلق بالجانب الاقتصادي الذي ما يزال بعيدا عن مستوى الفرص المتاحة، كون تعاون البلدين لم يستطع مغادرة حيز قطاعي الأمن والطاقة بالشكل المطلوب، وهو ما يجعل هذه اللقاءات فرصة لتكون بداية جديدة للشراكة بين الجانبين.


الانتخابات.jpg

محليات 28 نوفمبر.. من يجتاز غربال سلطة الانتخابات؟

دخلت انتخابات المجالس الشعبية البلدية والولائية المقررة يوم 28 نوفمبر 2026 مرحلة دراسة ملفات الترشح، بعد انتهاء آجال إيداعها في 8 أكتوبر الجاري، لتنتقل الأحزاب السياسية من سباق استكمال القوائم إلى انتظار قرارات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بشأن مدى مطابقتها للشروط القانونية.


 رياض راني

رياض راني.. شاب من أصول جزائرية في واجهة احتجاجات فرنسا

لم يعد الشاب يواجه فقط الحكومة الفرنسية في ملف التعليم، وإنما وجد نفسه أيضًا هدفًا لانتقادات وهجمات مرتبطة بمواقفه وبخلفيته العائلية


عقوبة الإعدام في الجزائر

العودة إلى تنفيذ الإعدام في الجزائر.. مقرّران أمميان يوجّهان 6 أسئلة

دخلت آليات الإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة على خط النقاش حول قرار السلطات الجزائرية استئناف تنفيذ أحكام الإعدام، في وقت صوّت البرلمان على قانون يوسع نطاق العقوبة.

محمد غرينية
منوعات

محمد غراينية.. كيف صار أسير حرب جزائري بطلًا قوميًا في رومانيا؟

في مقبرة الأبطال بمدينة سلوبوزيا، عاصمة مقاطعة يالوميتسا جنوب رومانيا، يرقد 214 جزائريًا ممن قضوا خلال الحرب العالمية الأولى، إلى جانب أسرى ومقاتلين من جنسيات مختلفة، وجدوا أنفسهم في هذه البقعة من أوروبا بعدما اقتلعتهم الحرب من بلدانهم البعيدة.

أنيس حاج موسى
رياضة

أنيس حاج موسى يتوج بجائزة لاعب شهر سبتمبر في الدوري الهولندي

تُوّج الدولي الجزائري أنيس حاج موسى بجائزة أفضل لاعب لشهر سبتمبر في الدوري الهولندي، وفق ما أعلنته رابطة الدوري، الجمعة، بعد عروض قوية قدمها مع ناديه فينورد روتردام.


10492389_713036675410115_8243610965138301161_n.jpg
أخبار

بعد 14 سنة.. نعيمة صالحي تلوّح بالرحيل وتبحث عن خليفة لها على رأس حزبها

لوّحت نعيمة صالحي، مؤسسة ورئيسة حزب العدل والبيان، بإمكانية تسليم مسؤولية قيادة الحزب إلى قيادة جديدة، بعد مسيرة سياسية انطلقت سنة 2012، مؤكدة أنها تبحث عن كفاءات قادرة على تجديد الهياكل وإعادة بناء الثقة ومواصلة المشروع السياسي.

أمطار اليوم الخميس 24 سبتمبر
أخبار

طقس الجزائر.. أمطار رعدية غزيرة تصل إلى 60 ملم عبر 4 ولايات

حذّر الديوان الوطني للأرصاد الجوية من تساقط أمطار رعدية غزيرة عبر عدة ولايات من الوطن، بكميات قد تصل إلى 60 ملم أو تتجاوزها، وذلك ابتداءً من مساء السبت إلى غاية مساء الأحد.

الأكثر قراءة

1
أخبار

في قضية مشروع سكني.. التماس عقوبة ثقيلة في حق عبد الحكيم بطاش


2
قول

الولي الشرعي في المدارس الجزائرية.. معضلةٌ إداريةٌ تُهمّش دور الأمهات


3
سياسة

اجتماعات جزائرية أمريكية متوالية.. بحث توسيع التعاون خارج الأمن والطاقة


4
سياسة

محليات 28 نوفمبر.. من يجتاز غربال سلطة الانتخابات؟


5
أخبار

هل مُنعت الأمهات من متابعة أبنائهن في المدارس؟ وزارة التربية توضّح