أفريقيا.. من الهامش والاستغلال إلى استقطاب القوى الإقليمية

أفريقيا.. من الهامش والاستغلال إلى استقطاب القوى الإقليمية

(الصورة: Getty Image)

في ظلّ التحوّلات الإقليمية والتهديدات الأمنية التي تعيشها القارة الأفريقية، تأتي أشغال الملتقى الثامن رفيع المستوى حول السلم والأمن في أفريقيا المنعقدة بمدينة وهران الجزائرية غرب الجزائر، استجابة إلى الرهانات التي رافعتها دول أفريقيا من أجل خلق البيئة الملائمة للتنمية ومعالجة عديد القضايا الأفريقية ذات الاهتمام المشتركة، خصوصًا المتعلقة بالأمن والاستقرار، ومناسبة للفتح حوار ونقاش حلول إيجاد الحلول السلمية للنزاعات المسلحة التي تستزف قدرات المنطقة الافريقية، والتي فتحت أبواب أمام التدخّلات الخارجية.

تتطلع روسيا إلى توسيع نفوذها في أفريقيا عبر التكوين والتبادل الثقافي والعسكري وصناعة نخب سياسية وأمنية واقتصادية تتوافق مع رؤيتها الاستراتيجية والمستقبلية

المؤتمر كان مناسبة للبحث عن سبل تعزيز آليات عمل الاتحاد الأفريقي في مواجهة مخاطر الجماعات الإرهابية، ومختلف الجرائم عابرة الحدود على غرار المتاجرة بالبشر والهجرة غير النظامية وتجارة المخدرات وتبيض الأموال، حيث أن الاجتماع كان فرصة لتقييم البناء المؤسّساتي للحوكمة في أفريقيا وعرض تجارب دول أفريقيا شهدت نزاعات إثنية وعرقية واستطاعت إرساء واستكمال مسار بناء الدولة.

اقرأ/ي أيضًا: الجزائر تدافع عن سيادة أفريقيا في استغلال مواردها

أفريقيا من منظور دولي

لم تٌعد أفريقيا منطقة ثانوية وهامشية في السياسة الدولية، بل أصبحت تشكّل موقعًا استراتيجيًا تستقطب تجاذبات القوى الإقليمية والدولية، المتمثلة في الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي وتركيا، وباتت تُشكل امتدادًا للديناميكية الدبلوماسية الشرق الأوسطية، ومسرحًا للصراعات الإقليمية والعربية، والمصالح المتضاربة بين العواصم العالمية.

أفريقيا هي منطقة التي تشهد أكثر النزاعات الدموية بسبب انتشار الأسلحة الصغيرة والمتوسّطة، وهو ما دفع بالسكان في أحايين كثيرة  خاصّة النساء والأطفال إلى الهجرة واللجوء إلى المناطق الأكثر استقرارً، حيث تعرف دول الأفريقية انقسامات اثنية وعرقية بسبب المُخلفات الاستعمارية، وتَحديات بناء مؤسّسات الدولة، على غرار ليبيا ومالي، وأزمة السودان والصراعات حول سد النهضة الأثيوبي الكبير، والمنافسة الجيوسياسية في القرن الأفريقي والانقلابات العسكرية التي تعرفها المنطقة، وكلّها عوامل ساهمت في انشار الجماعات المسلحة في الساحل الأفريقي وغربها وعُمقها.

بين أفريقيا وأوروبا

في سياق متصل، يؤكد خبراء أنه خلال أربعة عقود فقط من التعاون الصيني-الأفريقي في المنطقة الأفريقية، شَهدت دول عديدة تحوّلات كبيرة على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والبنية التحتية وحتى المعمارية، على غرار أنغولا وغينيا استوائية وأثيوبيا وزامبيا، وبلغة الأرقام بلغ حجم الاستثمارات الصينية في السنوات العشرة الأخيرة 140 مليار دولار في كافة القطاعات مثل شبكة الكهرباء والطرقات والمناجم والطاقة والهياكل القاعدية.

في المقابل ساهمت الدول الأوروبية في كثير من النزاعات الإثنية كالدور الفرنسي في أزمة روندا والمجازر العرقية، والمساهمة في دعم الأنظمة الشمولية والعسكرية (حالة تشاد)، والإخلال بالنظام العام للدول والتدخّل في شؤونها الداخلية، وهو ما يُفضي في كثير من الأحيان إلى عدم استقرارها، ونذكر هنا،  تدخل القوات الفرنسية في ساحل العاج سنة 2002، والمساعدة في إسقاط معمر القذافي عام 2011.

يضاف إلى كلّ هذا، محاولة عدّة دول أوروبية التوغّل في القارة السمراء لأسباب توسعية واستغلال الثروات الطبيعية، وإعاقة أي تَحول سياسي يُفضي إلى قطع التبعية الاقتصادية والمركزية الغربية.

وفقاً لما سبق، يرى كثير من الخبراء في الشأن الأفريقي أن خمسة قرون من التبعية الأفريقية إلى أوروبا لم تُثمر أيّة نهضة اقتصادية، ولم تنعكس عنه أيّة تنمية وقيمة مضافة لشعوب القارة السوداء، ماعدا الاستغلال والتفقير والتجهيل والتسبب في النزاعات الداخلية والخارجية ونقص التغذية، حيث تسجّل القارة أعلى مستويات الفقر في العالم.

تركيا مصدر قلق أوروبي

من جانبه، يخشى الجانب الأوروبي من سياسة التوسع التركي في المنطقة الأفريقية، وسعيه نحو ملء الفراغ الذي قد تتركه القوات الفرنسية في مالي، مع تصاعد صوت الشعوب الأفريقية المطالبة بإنهاء النفوذ الفرنسي السياسي والعسكري والاقتصادي، خاصّة بعد النفوذ التركي في منطقة الساحل الأفريقي ووعود بتقديم الدعم للمؤسسات الأمنية، والدعم الاقتصادي والاقتراض المالي، والتوغل إلى القرن القرن الأفريقي ودول وسط وجنوب القارة.

وتُقوم تركيا بعدة استثمارات في دول الساحل وجنوب الصحراء معتمدة على رصيدها التاريخي والثقافي والديني، وبَلغت عدد السفارات التركية بإفريقيا 43 تمثيلية، وزاد حجم التبادل التجاري بين القارة الأفريقية وتركيا من خمس مليارات دولار سنة 2003 إلى 25 مليار دولار نهاية 2020.

وتنوّع القارة الأفريقية علاقاتها الاستراتيجية والإقليمية، وتتجه إلى إقامة علاقات وفق مقاربة تُحقق مصالحها الاقتصادية والتنموية.

على أبواب أفريقيا

الطبيعة لا ترغب في وجود الفراغ، نتيجة انقطاع التواصل والاهتمام الأمريكي والأوروبي بإفريقيا اقتصاديا وتنمويا والتركيز على التواجد العسكري، فتح المجال أمام توسع التعاون الروسي-الافريقي، إذ اسفرت قمة روسية-افريقية سنة 2019 بالاتفاق على التعاون على جميع الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية والطاقوية والمجال الإنساني.

واستغلت روسيا انحسار الدور الفرنسي في الساحل الافريقي للتمكن من عقد اتفاقيات عسكرية وأمنية مع دول المنقطة، كان أخرها مع نيجر ومالي وموريتانيا.

يُذكر أن الشركة الأمنية الروسية الخاصة "فاغنر" تنشط في كل من مالي وتشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى، وتوجد كبرى الشركات الروسية النفطية مثل "غازبروم" و"روستك" بشكل كبير في كل من الجزائر وانغولا ومصر ونيجيريا وأوغندا.

كما تعد روسيا أكبر مورد رئيسي للأسلحة العسكرية للقارة الأفريقية، نظرًا لعدم تقييد شروط الالتزام بالإصلاحات السياسية والحقوقية، وتتطلع روسيا إلى توسيع نفوذها في أفريقيا عبر التكوين والتبادل الثقافي والعسكري وصناعة نخب سياسية وأمنية واقتصادية تتوافق مع رؤيتها الاستراتيجية والمستقبلية.

أفريقيا للأفارقة

 تُحاول أفريقيا الاعتماد على قدرتها في تنظيم كيانها الداخلي لتحقيق مكاسب إيجابية، وتمكين من خلال تعزيز مؤسسات الاتحاد الأفريقي وإيجاد سٌبل حل النزاعات والخلافات الداخلية والجوارية، والالتزام بشكل جماعي على احترام مواثيق ومعاهدات الاتحاد الأفريقي، والعمل سويًا من أجل استعادة مكانة الصوت الأفريقي في الأمم المتحدة وتعزيز التواجد الافريقي على الساحة الدولية بدل التدخلات الخارجية والتبعية الاقتصادية التي أنهكت موارد الطاقة والثروات الطبيعية لصالح القوى الاستعمارية سابقًا والدول "النيو ليبرالية"، وتعتمد المقاربة الأفريقية في الاستفادة من التجاذبات الإقليمية لصالح شعوبها وتنمية اقتصاديات بلدانها وتحقيق السلم والاستقرار القاري وتنويع علاقاتها السياسية والاقتصادية.

أفريقيا تشهد أكثر النزاعات الدموية بسبب انتشار الأسلحة الصغيرة والمتوسّطة، وهو ما دفع بالسكان في أحايين كثيرة  خاصة النساء والأطفال إلى الهجرة واللجوء 

يذكر أن أفريقيا تضمّ ثلاثة أقطاب اقتصادية وفرعية هي: السوق المشتركة للشرق والجنوب الأفريقي (الكوميسا) وتجمع شرق أفريقيا (أياك) والجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي (سادك).

 

اقرأ/ي أيضًا:

لعمامرة يكرّس التوجّه الأفريقي في علاقات الجزائر الخارجية

تحرّكات دبلوماسية لوزير الشؤون الخارجية رمطان لعمامرة