أهازيج الألتراس.. هنا صُنعت الأناشيد الرسمية للحراك الشعبي

أهازيج الألتراس.. هنا صُنعت الأناشيد الرسمية للحراك الشعبي

خرجت من مدرجات الملاعب أبرز أناشيد الحراك الشعبي (أ.ف.ب)

إن كانت أفكار الفلاسفة والكتّاب التنويريين أمثال فولتير ومونتسكيو وجون جاك روسو، قد سبقت ظهور الثورة الفرنسية (1789-1799) التي استلهمت مبادئها فيما بعد من أفكارهم الداعية إلى المساواة والعدالة ومحو الفكر التقليدي للطبقة الأرستقراطية والدينية؛ فالحراك الشعبي في الجزائر، سبقته الأغاني الرياضية/ السياسية التي أطلقتها مجموعات الألتراس أمثال "أولاد البهجة" وتورينو" و"ميلانو" في المدرّجات، وتحوّلت فيما بعد إلى "نشيد رسمي" للمسيرات في الشارع.

الأغاني الرياضية السياسية التي أطلقتها مجموعات الألتراس في المدرجات سبقت الحراك الشعبي وتحولت لنشيد رسمي للمسيرات لاحقًا

حين تتحوّل الأغاني الرياضية التي كان يصدح بها أنصار الفرق الرياضية في المدرّجات، إلى شعارات للمسيرات الحاشدة التي تشهدها الجزائر منذ شهر كامل، فقد يوحي هذا بأن صوت النخب والمثقفين لم يعد مسموعًا في الأوساط الشعبية، أو أنه على الأقل لا يلبّي طموحاتها ولا يُسهم في صناعة الرأي العام.

اقرأ/ي أيضًا: الشارع يجدد "يتناحو قاع".. عبارة هزت عرش السلطة

السياسة في مدرّجات الملاعب

قبل عدّة أشهر أطلقت مجموعات "ميلانو" و"تورينو" و"أولاد البهجة" المرتبطين بفريقي "اتحاد العاصمة" و"مولودية الجزائر"، وهما أكثر الفرق شعبية؛ عددًا من الأهازيج الرافضة للعهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة، والمطالبة برحيل النظام، وحقّقت هذه الأغاني انتشارًا واسعًا في الشارع الجزائري، غير أنها بقيت حبيسة المدّرجات.

في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، توالى إطلاق الأغاني السياسية في المدرجات الجزائرية. وتمّيزت هذه الأغاني بكلماتها القوّية  بالدارجة الجزائرية الممزوجة بكلمات فرنسية، معبرة عن الواقع بتفاصيله وبصيغ مباشرة. كما أنها كانت مواكبة لتطوّر الأحداث السياسية وقضايا الفساد التي تفشّت في البلاد.

خطاب شعبي جرئ

أغنية "يونمار ..يونمار" التي أطلقتها فرقة "ولاد البهجة" المرافقة لفريق اتحاد العاصمة، وعرفت صدّى واسعًا في الأوساط الشبابية؛ تقول كلماتها في إحدى مقاطعها: "y 'en a marre... y 'en a marre. عيينا من هذا الـ puvoir "، وتعني: "ضقنا ذرعًا.. ضقنا ذرعًا.. تعبنا من هذا النظام".

وتواصل الأغنية التي تمزج بين اللغة الفرنسية والدارجة الجزائرية، سرد الكثير من الأحداث المرتبطة بالواقع الجزائري السياسي والاجتماعي، مثل قضية تورّط مسؤولين في قضية الكوكايين، ووباء الكوليرا الذي ضرب البلاد. كما أنها تصف العهدة الخامسة التي كان بوتفليقة ينتوي الترشح لها، بـ"العهدة الخامجة" أي "القذرة".

ربما من أقوى المقاطع التي عبّرت فيها الأغنية عن غياب الرئيس بوتفليقة عن المشهد السياسي، ومحاولة النظام ملء هذا الفراغ بتكريمه غيابيًا بإحضار صورته في المناسبات؛ المقطع الذي يقول "ماكانش الرايس كاين تصويرة، مهموم وغايص سبابي تأشيرة".

ومن أكثر الأغاني التي ردّدها الشباب الجزائري في أكبر حراك شعبي تعرفه البلاد، هو أغنية "ساعات لفجر"، إذ جاءت كلماتها جرئية في رافضها لبوتفليقة بلغة مباشرة. وحين رُدّدت هذه الأغنية في المدّرجات قبل عدّة أشهر، لم تكن فكرة الحراك في الشارع مطروحة، ولكن الأغنية انسجمت مع مطالب المحتجّين اليوم. ومما جاء في كلمات هذه الأغنية: "ساعات لفجر وما جاني نوم.. راني نكوسومي غير بشوية..شكون السبّة وشكون نلوم..ملينا لمعيشة هادية".

مباشرة بعد هذا المقطع، تلخّص كلمات الأغنية في سياق الحديث، عهدات بوتفليقة الأربع، التي عرفتها البلاد على مدار 20 سنة، إذ تقول: "في الأولى نقولوا جازت، حشاوهالنا بالعشرية، وفي الثانية القضية بانت la casa del mouradia، وفي الثالث البلاد شيانت.. بالمصالح الشخصية.. وفي الرابعة البوبية ماتت.. ومازلت القضية".

"برلمان" غير رسمي

لفرقة "أولاد البهجة" أيضًا رصيد حافل بالأغاني المنتقدة للوضع الاجتماعي الراهن، إذ ناقشت قضايا شبابية راهنة مثل "الهجرة غير الشرعية" في أغنية "بابور اللوح"، التي عبّرت بعمق عن الظاهرة، وردّدها الشباب الجزائري في الشوارع والحفلات العائلية.

من جهتها أطلقت فرقة "ميلانو" الخاصّة بفريق "اتحاد العاصمة"، عدّة أغاني تضمّنت انتقادات سياسية للسلطة الجزائرية، نطلاقًا من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وبرز ذلك في كثير من الأغاني التي ردّدها المشجّعون، مثل أغنيتي "بحر الطوفان" و"الفيزا ما حبوش يعطوهالي".

أما فرقة "تورينو" الخاصّة بفريق "مولودية الجزائر"، فقد كان لها حضور واضح في الآونة الأخيرة بأغاني سياسية قوية حقّقت بدورها صدى واسع في الشارع الجزائري.

فأغنية "عام سعيد" التي أطلقتها فرقة "تورينو" نهاية العام الماضي، جاء في مطلعها: "وين راهو لي عندو الحق في الهدرة..لي يهدر كلمة يدوه بعشرة".

اعتادت مجموعات الألتراس أن تطرح من حين لآخر أغانٍ اجتماعية وسياسية بعيدًا عن أجواء التشجيع الرياضي، إذ مثلت هذه المدرجّات في كثير من الأحيان "برلمان" غير رسمي لكثير من الشباب، تعبّر عن آرائهم وتوجّهاتهم وتطرح قضاياهم.

 غياب المنابر الإعلامية، وتراجع دور النخب والمثقّفين هو من فرض انتقال الخطاب السياسي والنضالي إلى مدرّجات الملاعب

ولم يكن طرح القضايا السياسية من صميم إنشاء هذه الفرق، ولكن غياب المنابر الإعلامية، وتراجع دور النخب والمثقّفين هو من فرض انتقال الخطاب السياسي والنضالي إلى مدرّجات الملاعب، وأصبحت هذه الأهازيج الصوت الحقيقي للشارع الجزائري.

 

اقرأ/ي أيضًا:

من خراطة إلى تنحي بوتفليقة.. تأريخ ضروري للحراك الشعبي

ماذا تعرف عن السترات الصفراء والبرتقالية في الجزائر؟