البرامج الدينية على القنوات الفضائية.. فتاوى على مقاس السلطة؟

البرامج الدينية على القنوات الفضائية.. فتاوى على مقاس السلطة؟

الشيخ شمس الدين بوروبي (الصورة: النهار أونلاين)

 تداولت وسائل إعلام وطنية، أن إدارة قناة النهار قد أقدمت على  توقيف برنامج "انصحوني" لمقدّمه الشيخ شمس الدين بوروبي، وذلك بعد احتجاج  سلطة الضبط السمعي البصري بناءً على  شكوى من طرف وزارة الشؤون الدينية، ومعروف عن صاحب البرنامج إثارته للجدل، بسبب اعتماده أسلوب الطرافة وهو يجيب على الأسئلة الدينية أو يقترح فتاوى متعلّقة بالنسائل الفقهية.

يرى خبراء في الإعلام المرئي، أن بعض البرامج الدينية لها طابع استهلاكي وتجاري أكثر منها دعوي أو ديني

جاء قرار إدارة قناة النهار بتوقيف البرنامج ومقدّمه، بعد بث ما وصفته بـ "خروقات خطيرة"، تطعن في فتوى جواز تقديم زكاة الفطر، نتيجة الظرف الصحّي الاستثنائي الذي تمرّ به البلاد، بعد أن طلبت من المعني تقديم اعتذاره والتراجع عن كلامه الذي اعتبر "خطرًا وطعنًا في مؤسّسات الدولة"، إلا أن صاحب التصريح رفض ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: إيقاف برنامج أشهر مفتي تلفزيوني في الجزائر

فوضى في الإعلام الديني

في هذا السياق، أعاد توقيف هذه  الحصّة الدينية الجدل والنقاش، حول طبيعة الخطاب الديني في المشهد السمعي البصري، وشكل البرامج الدينية التي تبّثها القنوات الفضائية، وقد أفاد  المستشار السباق بوزارة الشؤون الدينية عدّة فلاحي في حديثه مع "الترا جزائر"، أن قطاع الإعلام الديني في الجزائر يشهد حالة من الفوضى، إذ تتقاسم المسؤولية  كلّ من المؤسّسات الدينية الحكومية والرسمية، وبعض مدراء القنوات الفضائية، حسب المتحدّث.

شدّد فلاحي على ضرورة وضع مؤسسات الخطاب الديني إعلاميًا، عبر تكفل وزارة الشؤون الدينية والأوقاف بإنشاء محطات إذاعية ومرئية، تستضيف علماء وخبراء، وفق الشروط العلمية والأكاديمية، تراعي فيها الموازين المجتمعية وتحافظ على المرجعية الدينية الوطنية".

وكشف النائب السابق، عن أن فتح  المجال السمعي البصري دون شروط مقيّدة، فتَح الباب أمام برامج دينية هزيلة وضعيفة، تربّعت عليها برامج الرقية الشرعية وتفسير الأحلام وفتاوى على الهواء، عكس البرامج الدينية التثقيفية التي تعلم الدين الإسلامي الحنيف.

الطابع التجاري والاستهلاكي .

من جهة أخرى، يرى خبراء في الإعلام المرئي، أن بعض البرامج الدينية لها طابع استهلاكي وتجاري أكثر منها دعوي أو ديني، لذلك فالإخراج من حيث مضمون الحصّة أو تقنيًا غالبًا ما يكون ضعيفًا، أين تعتمد على التنشيط الارتجالي، والسبب يرجع إلى مستوى الأشخاص المعنيين بهذه البرامج إعدادا وإلقاء.

وباعتبار أن الإعلام مشروع استثماري وتجاري يسعى إلى استقطاب أكبر قدر من المشاهدين، فإنّ البحث عن المداخيل الاشهارية التجارية أو تمويل الحصص هو الهدف، هنا يطرح هذا التساؤل، هل وظيفة الإعلام هي نشر التدين أو الوعظ، أو تحقيق الربح بما يحفظ للمؤسّسة توازنها المالي؟

التضييق على الحريات

في مقابل ذلك، أثار تصريح للوزير الشؤون الدينية لإذاعة محليّة، يوسف بلمهدي، يوجّه فيه نقدًا لمخالفي رأي المؤسسات الدينية الرسميةـ قائلًا: " عندك رأي مخالف خبيه عندك"، داعيًا في السياق  إلى طاعة الحاكم.

من جهته، استنكر روّاد منصّات التواصل الاجتماعي خرجة الوزير، معتبرين التصريحات تضييقًا على الحرّيات، ومحاولة لإخضاع الأصوات المعارضة تحت غطاء ديني، هنا كتب رئيس حركة مجتمع السلم "حمس" عبد الرزاق مقري، على صفحة بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: "من التضييق على الرأي السياسي إلى التضييق في قضايا الفتوى والآراء الفقهية".

 يستطرد المتحدّث، أن من يعبّر عن رأي من الآراء المعتبرة في الدين الآن يتعرض للقمع، ويقال له اترك رأيك في بيتك، ومن يخالف الدين ويصادمه في القنوات يُتحفظ حقه في التعبير، قائلًا أنه من حيث الشريعة، إذا أمضى الحاكم رأيًا فقهيًا، فهو لا يمنع التعبير عن آراء أخرى.

وتعقيبًا على تصريحات الوزير قال الصحافي مصطفى بن جامع على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: أنت موظف لدى الدولة، وعليك احترام  قوانينها". مذكّرًا أن المادة 42 من الدستور تنصّ بعدم مساس بحرية المعتقد وحرمة حرية الرأي.

من جهة أخرى، يرى كثيرون أن توقيف الشيخ شمس الدين عن تنشيط برنامجه، لا يعود إلى اهتمام وزارة الشؤون الدينية بمحتوى البرامج الدينية، بقدر ما يرجع إلى مخالفة الرأي الرسمي، ومحاولة فرض أحادية الرأي لا غير.

 في هذا السياق تساءل البعض إذا ما كانت الوزارة ستتخذ  نفس الموقف من التيّار السلفي المدخلي، وهو تيار ديني موازي، يعارض أغلب فتوى المؤسّسات الدينية الرسمية، بل يعتبرها غير شرعية وغير مؤهّلة للفتوى، بحسب أدبيات التيار.

الشيخ شمس الدين بوروبي من جهته، ردّ على قرار سلطة السمعي البصري، وتمسّك برأيه القائل بعدم جواز تقديم زكاة الفطر بسبب  فيروس كورونا، معتبرًا أنّه احتكم إلى المرجعية الدينية الوطنية التي تستند على المذهب المالكي، متسائلًا بالقول "لماذا يجب أن اتّفق مع لجنة الفتوى، هي اجهتدت وتتحمّل مسؤوليتها، أنا أوافق فقط كتاب الله، معتبرًا أنّه تعرّض للظلم".

يرى كثيرون أن توقيف الشيخ شمس الدين عن تنشيط برنامجه، راجع إلى مخالفته الرأي الرسمي

يبدو جليًا من خلال الاستماع إلى البرامج الدينية التي تبثها القنوات الفضائية الخاصّة، أنها تعتمد على خطاب بسيط، يجمع ويتداخل فيه الوعظ والعواطف الدينية، يميزه الاستسهال والتسرّع في الفتاوى، ما يدعو إلى تطعيم تلك البرامج بالباحثين المختصّين، وتحديد معايير واضحة في اختيار المتدخّلين.      

  

اقرأ/ي أيضًا:

رئاسة الجمهورية "تتوعّد" الصحافيين وتحذّر من الدعاية خارج بياناتها

 الإعلام الجزائري بعد الحراك.. خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الخلف