الحبوب المهلوسة في الجزائر.. خطر على الصحّة النفسية للمدمنين

الحبوب المهلوسة في الجزائر.. خطر على الصحّة النفسية للمدمنين

مروجو مخدرات في قبضة الأمن (فيسبوك/الترا جزائر)

مراد (25 سنة) شاب متحصّل على شهادة جامعية، مُثقل بهموم الوطن، من البطالة والفراغ وسوء الأوضاع المعيشية، يَعترف في حديث لـ"التر جزائر" أنه مدمن على تعاطي الحبوب الهلوسة. بدأت تجربته مع استهلاك مختلف أصناف المخدّرات بالجامعة، ورفقة أبناء الحي، مضيفًا أن البداية كانت بدافع الفضول والاكتشاف، والنشوة والاحتكاك مع "أولاد الحومة".

الشاب مراد أصبح مفرطًا في استهلاك المخدّرات بعد تخرّجه من الجامعة ليتحوّل بحثه عن النشوة إلى هروب من الأوضاع الاجتماعية الصعبة

قصة مراد بدأت من تعاطيه للحبوب المهلوسة "ليريكا" المعروفة باسم الصاروخ، والشوشنة (نوع من الهيرويين) التي تعتبر من أكثر المواد استهلاكًا في أوساط الشباب، ويعترف أنّه حتى الطالبات في الوسط الجامعي يتعاطينها، فهي أدوية تبعث على الإحساس بالانتشاء والاسترخاء وتثير الرغبة الجنسية، على حدّ قوله.

اقرأ/ي أيضًا: حجز كمية كبيرة من المخدرات على الحدود مع المغرب

يستطرد محدّث "الترا جزائر"، أن استهلاكه للمخدرات تضاعف بعد تخرّجه من الجامعة ليتحوّل من نشوة إلى هروب من الأوضاع الاجتماعية الصعبة حيث انعكست البطالة على حالته النفسية وأصبح يبحث عن التعويض لشعوره بالدونية.

 بعد التخرّج من الجامعة، شَكل الواقع المعيشي المحيط بحياة الشاب الجامعي صدمة نفسية، استسلم لها عبر الارتماء في أحضان المخدرات، إذ بات مهمشًا وغير مرغوب في الوسط العائلي، ومتعلقًا بمن وصفهم بـ "رفقاء السوء".

يواصل مراد حديثه أن الظروف الاجتماعية والمادية دفعته إلى الاعتقاد أن تعاطي الحبوب المهلوسة ما هي إلا حلّ ظرفي من أجل الفرار من الوقع المأساوي، إلى غاية تحسن أوضاعه المهنية والمادية، وبعدها يَكفّ نهائيًا عن تعاطي المؤثرات العقلية، غير أن هذا لم يحدث، إذ أن تعاطي الحبوب المهلوسة، يُضيف المتحدّث، "جحيم من يلج عالمه المظلم لن يتمكن من الإفلات منه، كحلقة دائرية لا يمكن إيجاد مخرجًا منها".

سلعة متوفّرة

الحبوب المهلوسة مثل "الصاروخ"، "الحمرا"، "الزرقا"، "الشوشنة"، لها مسميات مألوفة لدى الشباب الجزائري، تتداول بقوة وسط الأحياء الشعبية ووسط المدينة، وحتى المؤسّسات التعلمية والجامعية وتعرف رواجًا رواجًا متزايدًا، إذ تشهد ظاهرة الإدمان على استهلاك المخدرات والحبوب المهلوسة مستويات مرتفعة وسط الشباب.

ورغم عدم وجود إحصائيات رسمية من وزارة الصحة تكشف عن حجم تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، غير أن بيانات مصالح الشرطة والدرك الوطني، تبرزان هيمنة التعاطي للحبوب المهلوسة، عبر عمليات الحجز التي بلغت أرقام قياسية وبشكلٍ يومي وعبر كافة مناطق الوطن، إذ أفاد بيان المديرية العامة للشرطة أن عمليات نفذتها خلال 8 أشهر الأولى من سنة 2020، حجزت مصالح الشرطة القضائية ما يقارب مليوني قرص مهلوس، و302.901 من المؤثرات العقلية خلال شهر الثلاثي الأوّل من سنة 2021.

وفي حصيلة نشاط وحدات الدرك الوطني خلال سنة 2020، تمكنت من حجز 1.800.096 قرص مهلوس وتفكيك 147 شبكة للاتجار بالمخدرات.

تأثير الموضة والوفرة

من جهتها، تقوم سيام سونيا، طبيبة مقيمة في الأمراض العقلية ومعالجة الإدمان، في حديث لـ "التر جزائر"، أنّ حبوب "ليريكا" أو "الصاروخ" ومختلف أصناف المؤثرات العقلية تصنّف على أنها أدوية مضادة للصرع، ولكن لها تأثير على القلق ويمكن أن تحفز على الشعور بالنشوة، موضّحة أن خطورة التعاطي الحبوب المهلوسة، تكمن في تسبب اضطرابات القلب، والأوعية الدموية، واضطرابات الكبد، على حد تعبيرها.

تروي المتحدّثة، عن زيارة المدمنين لقاعلات العلاج بسبب الآثار الجانبية التي تحدث عند تناول هذه الأدوية، مردفة بالقول: "غالبًا ما يُشاهد هؤلاء المدمنون في غرفة الطوارئ للطب النفسي، جراء الاضطرابات السلوكية والآثارة العدوانية ومحاولات الانتحار. هذا الأمر ينطبق بالنسبة لمعظم الأدوية المستخدمة كمخدرات".

تشير المختصّة أن دواء "الترامادول" التي يُطلق عليه الشباب "الحمرا"على سبيل المثال، هي مادة أفيونية من عائلة المورفين، آثارها المرجوة نجدها في باقي الحبوب المهلوسة ولكنها الأكثر خطورة، معلّقة: "متعاطو الحبوب يأخذون أي شيء متوفر من الأدوية".

في هذا السياق، تذهب سونيا إلى الحديث عن دوافع وأسباب ظاهرة الإدمان، منها إمكانية الوصول إلى تلبية الحاجة إلى المخدرات بشكلٍ سهل نظرًا لتوفر المادة، إضافة إلى "وجود دافع نفسي يتمثل في أن مدمني المخدّرات يعتقدون أن الحبوب المهلوسة هي أدوية في قاعدة المخدرات، وأنها أقل خطورة من التدخين أو شرب الكحول".

هنا، تجدر الإشارة إلى أن وزارة الصحة أدرجت 15 دواءً صحيًا كمؤثر عقلي يخضع إلى الرقابة الأمنية القبلية والبعدية، وإضافة إلى وضع شروط تسليم الوصفة مشددة.

الصحة النفسية للمدمنين

من جانبه، يرى المختص في الأمراض العقلية ومعالجة الإدمان، ياسين ماحي باهي، في اتصال مع "التر جزائر"، أن الإدمان بات تخصص علمي وطبي قائم في حدّ ذاته، أخذ مكانه في الوسط الطبيّ عالميًا، معتبرًا أن مشكلة تعاطي المخدرات والمؤثّرات العقلية أمست منتشرة بشكلٍ واسع، وأصبحت تهدّد السلامة والصحة العامة.

ويُعرّف المختصّ المؤثرات العقلية على أنها جميع أنواع الأدوية التي تعمل جزئياتها بشكلٍ رئيسيٍّ على الجهاز العصبي المركزي من أجل تعديل نفسية متغيرة، مستطردًا "من الممكن أن يكون المؤثر العقلي مضادًا للاكتئاب ويزيل القلق أو يستعمل كمضاد للذهان، ولكن تعاطي المؤثرات العقلية يتسبّب في ظاهرة الإدمان.

وعن أعراض الإدمان الناتج استهلاك المؤثرات العقلية، يقول ياسين ماحي باهي، أنّ هناك أعراضًا تسمى" الرغبة الشديدة"، وهي رغبة لا يمكن كبتها باستخدام هذه المواد، وقد تدفع المدمن إلى القيام بسلوك عدواني أو إجرامي بحثًا عن هذه المادة.

يشرح محدّث "الترا جزائر"، أن بعض الأدوية تحتوي على مواد أفيونية مثلsubutex" "، أو الميثادون التي تستخدمها شبكات المتاجرة في المخدرات والحبوب المهلوسة، ويسبب استخدام هذه الأدوية (مؤثرات عقلية) نفخات الهذيان الحادة، الاضطرابات السلوكية، إضافة إلى ما يسمى متلازمات التجريد من الشخصية وفقدان التركيز والانتباه.

ويشدّد ياسين على ضرورة التوازن بين السياسة العقابية، وتفكيك شبكات المتاجرة بالمخدرات والعمل الوقائي والتوعوي، والتعامل مع الشباب كضحايا إدمان، بوضع سياسة مدروسة بشأن توسيع مراكز إزالة السموم ومراكز معالجة الإدمان. وختم أن الوقاية هي الحلّ الأفضل لمساعدة شبابنا، لأن الإدمان حالة مرضية يجب معالجتها، وأن الأخصائيين السريريين لا يصدرون الأحكام، على حدّ قوله.

يحذّر أخصائيون نفسيون من مخاطر الانتشار الواسع والاستهلاك الكبير للمخدرات والمؤثرات العقلية على السلامة النفسية والعقلية للفرد والمجتمعا

يحذّر أخصائيون نفسيون من مخاطر الانتشار الواسع والاستهلاك الكبير للمخدرات والمؤثرات العقلية على السلامة النفسية والعقلية للفرد والمجتمعات، حيث أنّ الصحة النفسية جزءٌ أساسي من المنظومة الصحية، وعلى ضوء ذلك لا بدّ من تعزيز مكانة الصحة النفسية كحقّ من حقوق الإنسان، وتوفير خدمات الرعاية الصحية الشاملة والمتكاملة، ووضع استراتيجية توعوية ووقائية عبر تعزيز منظومة معلوماتية عن الصحّة النفسية، وتكمن الخطورة في تحول نشاط بيع المؤثرات العقلية إلى عصابات وشبكات إجرامية منظمة تنشط محليًا ودوليًا، من أجل تبيض الأموال والربح السريع على حساب صحة الفرد النفسية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المخدرات.. سم قاتل يهدد المدارس الجزائرية

حجز ثاني أكبر شحنة كوكايين في تاريخ الجزائر