الطيِّب زهّار.. أن تكون عارض أزياء في الجزائر

الطيِّب زهّار.. أن تكون عارض أزياء في الجزائر

الطيب زهار (فيسبوك/ الترا جزائر)

استطاعت النّظرة الشّعبيّة في الجزائر أن تتصالح مع الرّجل الرّاقص والرّجل المغنّي والرّجل الطبّاخ، ذلك أنّ لهذه المهن/الهوايات أصولًا في الثّقافة الشّعبيّة، لكنّها لا تزال تتحفّظ على الرّجل عارض الأزياء، بل إنّها تتحفّظ على عروض الأزياء أصلًا. فكيف يتعامل الشّابّ الجزائريّ عارض الأزياء مع هذا الواقع؟

لا يعتقد الطيِّب زهّار أنّ فنّ عرض الأزياء مرفوض تمامًا في الجزائر

يقول الطّالب الجامعيّ وعارض الأزياء الطيِّب زهّار، إنّه على الفنّان أن يحتكّم إلى شغفه الخاصّ وإلى إيمانه بخياره الفنّي، قبل مراعاة نظرة الشّارع إليه، "ذلك أنّ الشّارع يعيش على التّناقض في أحكامه، بين ما يُظهره وما يُخفيه. فالكثيرون يُعارضونك ويتهجّمون عليك في الظّاهر، لكنّهم يتمنّون لو كانوا مثلك في قرارات أنفسهم". يسأل: "إنّ عارض الأزياء يدعو النّاس إلى أن يلبسوا بشكلٍ جميل وأنيق، لا أن يتعرّوا. فما الدّاعي إلى اعتباره شخصًا متفسّخًا؟".

اقرأ/ي أيضًا: "الرأس كيني".. موضة جديدة للسباحة في الجزائر؟

ويقول عن خلفية تعلّقه بعرض الأزياء: "كنت صغيرًا. وكنت أرى أطفالًا يُضربون من طرف أسرهم. فكنت أقول إنهم يعتدون على أجسادهم حتى يُتلفوها. وكان ذلك يُخيفني عميقًا، فكنت أبحث عن طريقةٍ تجعلني أظهر جسدي للنّاس حتّى يشهدوا على أنّه موجود. فكنت أتعمّد أن أظهر كثيرًا خارج البيت حتّى يروني، وكنت لا أتردّد في قضاء حاجات أمّي وأبي من المحالّ المختلفة، فقط ليراني النّاس".

"بعد أن بلغت سنّ المراهقة ارتحت قليلًا من هاجس أن أخسر جسدي، بسبب المحيط الذّي يضرب الأجساد، من خلال ما كنت أسمعه من أفواه الفتيات، من قبيل أنّه جسد رائع وقويّ ولافت للانتباه، فكانت تلك العبارات تعيد لي الثقة في جسدي، وأنّه ليس مشكلةً أو مصيبةً، فصرت أجتهد من أجل أن أجعله أفضلَ وأقوى، من خلال الرّياضة والأكل والنّوم الصّحّيين. وانتبهت مبكّرًا إلى أنّ كمال الجسد لا يتحقّق إلا بكمال العقل، فرحت أثقّف نفسي وأتعاطى مختلف الفنون".

لا يعتقد الطيِّب زهّار أنّ فنّ عرض الأزياء مرفوض تمامًا في الجزائر، فتلك نظرة، بحسبه، كرّستها أطراف معيّنة، في مسعى محاربتها لكلّ ما تعتقد أنّه دخيل على الثقافة العربيّة والإسلاميّة، "فهي تُبادر إلى الحديث باسم مجتمعٍ كامل، بينما هو مجتمع متعدّد ومتنوّع ويتوفّر على قطاع واسع من الشّباب المتعلّم والمتفتّح على مختلف الثقافات".

غير أنّه لا ينكر أنّ ثمّة شبابًا يرون في عرض الأزياء انسلاخًا عن ثقافة الحياء، ويربطونه بالوقاحة وقلّة التّربية والأصل. "يحدث ذلك أحيانًا من طرف شابٍّ يُنفق معظم ما يتحصّل عليه من مالٍ لشراء الألبسة. ويقضي وقتًا طويلًا في الإنترنت متتبّعًا ما توصّلت إليه الموضة من إنجازات في مجال اللّباس".

ويدعو الطيِّب زهّار إلى الانتباه إلى أنّ من أسباب النّظرة الدونيّة إلى عرض الأزياء، لدى الجزائريّين، في شقّه المتعلّق بالرّجال، بسبب بعض عارضي ومصمّمي ومتعهّدي الأزياء، وحضورهم غير اللائق في مواقع التّواصل الاجتماعيّ والمنابر الإعلاميّة، "ممّا أعطى انطباعًا بأن هذا الفنّ مرتبط بالتفسّخ والميوعة. بينما من شروط التحاق عارض الأزياء بهذا الفنّ، بالإضافة إلى كونه وسيمًا ورشيقًا، أن يكون خلوقًا ومهذّبًا ومثقّفًا ونبيلًا وإنسانيًّا في تعاملاته".

يقول محدّث "الترا جزائر" إنّه يقدّس الأخلاق أصلًا. ويحترم العلاقات الإنسانيّة. "غير أنّ حرصي عليها زاد، بعد انخراطي في فنّ عرض الأزياء، حتّى أعطي صورة حسنة عنه، وأفنّد ما يُقال عن كونه فنًّا مبتذلًا. وقد لاحظت أنّ البعض غيّر نظرته الدّونيّة إليه، بعد أن لاحظ طريقة تعاملي، منذ التحاقي بهذا الفنّ عام 2017، وتعامل بعض الزّملاء، سواءً في الواقع أو في مواقع التّواصل الاجتماعيّ".

لا يشترط الطيِّب زهّار أن ينخرط الجزائريّون في فنّ عرض الأزياء بالخلفيّة والتّقنيات والطّقوس والتّفاصيل نفسها، التّي هو عليها في الدّول الغربيّة. "ذلك أنّ هناك اختلافًا في النّظرة إلى الجسد، ومنه في النّظرة إلى اللّباس نفسِه. إذ يُمكننا أن نكيِّفه وفق تقاليدنا، سواء من زاوية التّصميم أو من زاوية طريقة العرض، ذلك أنّ الهدف منه أصلًا في كلّ مكان هو تسويق المنتجات الملبوسة، وتحبيب النّاس فيها، ليقبلوا على شرائها".

من هنا، يقول الطيِّب زهّار، الذّي اختير كأفضل عارض أزياء من طرف "ليالي إكوزيوم للأصالة والتّراث": أميل إلى عروض الأزياء التّي تشتغل على الألبسة التّقليدية، لأنّها تعاني تراجعًا في الإقبال عليها، من طرف الجيل الطّالع، ومن واجبنا أن نساهم في تكريسها من جديد، ولأنّها تتوفّر على جمالياتٍ حقيقيّةٍ تنسجم مع طبيعة الجسد الرّجاليّ الجزائريّ. ولأنّها تملك قابليّة لأن تغري الغربيّين، في اتّجاه تفتّحهم على أزياء الشّرق، فنعمل على نشر ثقافتنا في شقّها المتعلّق باللّباس.

يؤمن محدّث "الترا جزائر"، الذّي اشتغل مع مصمّمين من الجزائر والمغرب والخليج ومصر ولبنان، في عروض أزياء وازنة، مثل "ليالي الموضة في وهران" و"يوم الموضة الجزائريّ بالجزائر العاصمة"، و"أسبوع الموضة في قسنطينة"، بأنّ عارض الأزياء سفير للجمال ولقيمه في السلوك والتّفكير. وبأنّه حامل لمشروع ثقافيٍّ وإنسانيٍّ، "وهو بهذا مطالب بأن يكون قريبًا من روح مجتمعه لا خارجًا عليها، ذلك أنّ الجرأة في الفنّ، لا تعني الوقاحة والميوعة والابتذال".

لا يشترط الطيِّب زهّار أن ينخرط الجزائريّون في فنّ عرض الأزياء بالتّفاصيل الغربيّة

يختم زهّار: "سيأتي يوم يشيخ فيه جسدي. ويصبح غير قابل لممارسة هذا الفنّ، لكنّ قيم الجمال والخير والنّبل والعطاء الإنسانيّ، التّي يمثّلها فنّي ستبقى على قيد الاستمرار".

 

اقرأ/ي أيضًا:

ملكة جمال للمراهقات المحجبات في الجزائر..ما القصة؟

أشياء تسكن الجزائريين.. "القديم لا نفرط فيه"