قصص

قصص "الحرڨة".. طريق الموت من إزمير إلى باريس

كثير من المهاجرين السريّين يفضّلون المرور من تركيا إلى أوروبا (الصورة: orientxxi)

حين حطّ أنيس قدميه بمطار مدينة اسطنبول، لم يكن ضمن مجموعة سياحية كأغلبية من كانوا معه في الرحلة، لم يكن يملك برنامجًا، ولا دليلًا سياحيًا ينتظره أمام البوابة يحمل لافتة عليها اسمه، كل ما كان يحمله معه حقيبة ظهر، وورقة بيضاء مكتوب عليها اسم فندق في منطقة أكسراي، سيلتقي فيه لاحقًا مع شخص جزائري.

يرغب كثير من المهاجرين السرّيين في  دخول اليونان والانتقال عبرها نحو باقي بلدان أوروبا لأنّه طريق آمن نسبيًا

 لم يكن أنيس، الشاب العشريني يعير اهتمامًا لمعالم مدينة اسطنبول، لم يكن يشبه السيّاح في شيء. هؤلاء القادمون من بقاع الدنيا لينسوا هموم حياتهم اليومية وينعموا بقليل من نسيم البوسفور ورائحة التوابل في السوق المصري، أو بصلاة في باحة المسجد الأزرق، لقد كان همّ أنيس الأوحد أن يهرب بسرعة من هذه المدينة التي وصل إليها للتو. راحته سيجدها في بلاد أخرى غادر الجزائر من أجلها. إنّها عاصمة الجنّ والملائكة، باريس.

اقرأ/ي أيضًا: المهاجرون الأفارقة في الجزائر.. شقاء الأحلام

إسطنبول/تسالونيكي

أخبار الموت التي تصل عبر أمواج البحر الأبيض المتوسّط، والتي تجعل من جثث المهاجرين السرّيين"الحرّاڨة"، مجرّد أرقام في شريط أخبار القنوات، أرقام تتزايد كلّ سنة، ما جعل الكثير من الشباب يعزفون عن هذا النمط في الهجرة، المحفوف بالمخاطر وغير محمود العواقب، ويرغبون في دخول اليونان والانتقال عبرها نحو باقي بلدان أوروبا لأنّه طريق آمن نسبيًا، يستوجب الكثير من الصبر والقليل من الذكاء، إنه طريق واضح المعالم، ينتقل عبره الآلاف، إن لم يكن الملايين من شباب شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

"لقد كان من الصعب أن تُقاوم رغبة مُتّقدة داخلك تحثّك على الهجرة في كلّ يوم، خاصة حينما يكون من السهل أن تعثر على خط البداية، حين تنشأ في مدينة يُغادرها الشباب كل يوم نحو أوروبا دون أن يعود أحد منهم"، هكذا تحدّث أنيس، 21 عامًا، من ولاية البويرة، في اتصال بـ  "الترا جزائر"، مستطردًا: "خططت للرحلة رفقة أربعة من أصدقائي، كان دليلنا أحد الخبراء في تسفير الشباب نحو أوروبا عبر تركيا، ما دفعنا لذلك هو أنّه كان محلّ ثقة؛ فهو ينحدر من مدينتنا، وأخبرنا أننا لن ندفع المال حتى نصل لأحد المدن اليونانية، سيتكفّل هو بإيصالنا إلى هناك، ثم نواصل الرحلة بأنفسنا"، يضيف أنيس أن هناك قاعدة ذهبية سمعها من أفواه المهاجرين الذين كان معهم، وهي "الحر ڨة ماشي ساهلة وماشي واعرة، نتا وشطارتك".

إلى باريس.. مشيًا على الأقدام

لم تدم إقامة أنيس باسطنبول إلا ليلة واحدة. في نفس يوم وصولهم التقوا شابًا جزائريًا من برج بوعريريج شرقي البلاد، وهو شقيق صاحب إحدى وكالات السفر التي تمدّ الشباب بما ينقصهم من وثائق لأجل التأشيرة مقابل قرابة 200 يورو، منحوه جوازات سفرهم، التي وعدهم بأن يرسلها إليهم في البلد الذين يختارون البقاء فيه لاحقًا، فحملك لجواز سفرك يعتبر أول خطأ في عرف "الحرڨة"، فالنصيحة الأولى التي يتلقّاها هؤلاء، هي أن يصرّحوا إذا ألقي عليهم القبض بأنّهم لاجئون سوريين فارّون من جحيم الحرب في بلاد الشام.

قبل الانطلاق في الرحلة، كان عليهم منح الشاب الذي التقوه في تركيا تسبيقًا عن الألف يورو المتفق عليها ثمنًا للرحلة إلى اليونان، هنا اكتشف أنيس أنّ الحلم سيتحوّل إلى رعب حين أخبرهم ذلك الجزائري أن العبور سيكون بحرًا من إزمير نحو أولى الجزر اليونانية، يقول أنيس "لقد رفضت أن أخوض تجربة الهجرة من مستغانم نحو إسبانيا خوفًا من الغرق، لأجد نفسي مضطرًا لخوض التجربة نفسها من تركيا إلى اليونان، سألت نفسي هل يختلف الموت في البحر المتوسّط عن الغرق في بحر إيجة؟"، رفض أنيس خوض التجربة بحرًا، وبدأ رحلته من مدينة أدرنة التركية نحو باريس مشيًا على الأقدام.

وصل أنيس لمدينة أدرنة على الحدود التركية اليونانية، قضى ليلتين في العراء داخل غابة قريبة من الحدود، تمكن من إجتياز الحدود رفقة شباب مغاربة التقاهم هناك. كانت وجهتهم مدينة كافالا الساحلية في اليونان، ساروا قرابة 400 كلم مشيا على الأقدام في 10 أيّام، حين وصلوا للمدينة اختبئوا داخل منازل مهجورة، فهدفهم هو بلوغ مدينة تسالونيكي، كان من الضروري المشي على الأقدام ليلًا كي لا ينكشف أمرهم، لكن أنيس لم يقو على ذلك، اختار أن يغامر في قطار من كافالا إلى تسالونيكي، فاقتطع تذكرة بـ 26 يورو، لم يكن الشاب اليافع يعلم أن الصبر أكبر ما يجب أن تحمله في زاد الهجرة، لقد تمّ توقيفه من طرف الشرطة في محطة القطار.

 كانت علامات الإعياء تظهر عليه وهو يسير متثاقلًا ليجد مكان يرتاح فيه داخل محطة القطارات بالمدينة، يقول أنيس "ربّما أراد أفراد الشرطة بي خيرًا حين رأوني على تلك الحال، لكنهم اكتشفوا أنني بلا وثائق، وبعد استنطاقي بحت بجنسيتي الحقيقية، تم تهجيري إلى الجزائر بعد قرابة شهر، استعملت فيه وساطات ودفعت عمولات لقاء ذلك. أنا الآن أتصوّر كيف وصل أصدقائي إلى إيطاليا وفرنسا، لقد قطعوا أراضي ألبانيا، الجبل الأسود، البوسنة، كرواتيا وسلوفينيا في رحلة قاسية في شعاب وجبال لا نعلم ما تخفيه".

يُنهي أنيس كلامه "ربّما لم أقدر على تحمل تلك الصعاب، لكن ما عانيته من خوف وجوع وذلّ واستغلال خلال تلك الفترة، يجعلني لا أفكّر في إعادة الأمر، سأهاجر طبعًا لكن ربّما بطرق أخرى، درب الهجرة عبر الغابات والأحراش ليس أسهل من طريق البحر، إنه طريق الموت من أجل النجاة". 

أناشيد الملح.. رواية ناجية من الموت

لقد باتت هجرة الشباب بطرق سريّة حديثًا يوميًا، وصار جزءًا من حياة الكثير من الجزائريين، وصارت القنوات والمواقع والجرائد تنقل صور وفيديوهات الناجين والهالكين في رحلات الموت المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل روتيني، كما أن موضوع الهجرة السرّية صار مجالًا خصبًا للإبداع أيضًا، فقد صار من بين اللحظات الإنسانية الأليمة التي وجب توثيقها، وفي ذلك ظهرت النصوص والأفلام والأغاني التي تحتفي بشباب قابلوا الموت بصدور عارية، أو ترثي شبابًا لفظهم البحر جثثًا بصدور عارية أيضًا.

قبل أسابيع، صدرت رواية جزائرية ترصد بعين المجرّب، رحلة الموت من الجزائر إلى اليونان، للروائي الجزائري العربي رمضاني، الذي اختار خوض تجربة الهجرة السرّية عبر تركيا مرورًا باليونان التي كللت بالفشل من جهة، وبرواية أليمة من جهة أخرى، رواية أسماها "أناشيد الملح"، فالملح هنا يشبه الحلم، والملح هو الخبز الذي يتقاسمه "الحراڨة" في طريقهم، والملح آخر ما يتذوقه المهاجرون الغارقون في بحر المتوسّط أو إيجة.

يصف العربي رمضاني روايته بأنّها "سيرة ذاتية واقعية حدثت معي وسردت تفاصيلها كاملة في هذا العمل الأوّل لي في عالم الكتابة، حيث تنقّلت بين تركيا واليونان بطريقة سريّة للوصول إلى أوروبا، باريس تحديدًا، ومرّرت فيها بمختلف المصاعب، وفي مرات كثيرة كنت قريبًا جدًا من الموت.. هذه السيرة هي تقرير مفصل عن دروب الموت وجحافل الفارّين من الحروب والطغيان، وما يتخلّلها من فظائع تصادف المهاجر سواءً ما تعلق باستغلال المهرّبين وهمجية البحر أو انتهاكات الحكومات لحقوق الانسان".

رواية "أناشيد الملح" صاحبها مهاجر سرّي ناج من الموت في رحلته من تركيا إلى اليونان

جاء في غلاف كتاب "أناشيد الملح" الذي قدّمه الروائي الجزائري سعيد خطيبي "كانت المسالك ضيِّقةً جدًا والمنحدرات تتضاعف ويزداد طولها، لا مَعْلَم واضح يلوحُ في الأفق، ارتفاع ثمّ انخفاض، البحر يظهر لنا على اليمين، كنّا نمشي وعلى الأرض صادفتْنا بقايا ملابس، سراويل، أقمصة، لعبة أطفال من القماش، حذاء امرأة، قارورات مياه... بعدها وجدْنا مسلكًا به شارات من القماش الأبيض مُثَبّتةٌ على الأغصان، وضعها مَنْ مرّوا قبلنا، لتسهيل عبور مَنْ يأتي بعدهم، جحافلٌ بشريةٌ رهيبةٌ مرّتْ من هنا أزعجتْ سباتَ هذا الجبل الذي تحدّى أعماق بحر إيجة، واختار البقاء شامخًا ومعانِقًا دفء الشمس وتدوين أنين الإنسانية المعذّبة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

التعليم.. حل أطفال اللاجئين الأفارقة بالجزائر

الجزائر.. جرائم متعددة تهدد تماسك المجتم