إفلاس الشركات العمومية.. عبءٌ آخر على الاقتصاد الجزائري

إفلاس الشركات العمومية.. عبءٌ آخر على الاقتصاد الجزائري

الطابع الاجتماعي في المؤسّسات العمومية أدى إلى إفلاسها (فيسبوك/الترا جزائر)

في إطار البرنامج التنموي والاقتصادي الجديد، تدرس حكومة عبد العزيز جراد إمكانية دعم المؤسّسات والشركات العمومية، التي تُعاني منذ عقود من إفلاس ماليٍّ بسبب التسيير الكارثي، ويندرج دعم المؤسّسات العمومية ضمن توجه "العقيدة الوطنية الاقتصادية"، لاستعادة مكانة الشركات العمومية لتكون قاعدة صناعية واقتصادية لبعث البرنامج الحكومي، وتقليص فاتورة الاستيراد.

عرف مركّب الحجار صعوبات مالية وارتفعت ديونه إلى مليارات الدينارات

وفي هذا الإطار، أسدى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون تعليمات لإعادة الاعتبار ومرافقة شركة "صيدال" العمومية بشكلٍ خاصٍّ، لاسترجاع مكانتها في السوق الوطنية للأدوية، وأُعطيت تعليمات لمنح الصفقات العمومية للشركات المقاولاتية العمومية على غرار شركة "كوسيدار".

في السياق نفسه، وخلال زيارة عمل قام بها وزير الصناعة فرحات آيت علي، وقف على تداعيات كورونا لمركّب الحجار للحديد والصلب بمدينة عنابة، وشدّد على ضرورة بعث هذا المجمّع وأن إدارته بصدد دراسة إمكانية جدولة ديون هذه المؤسّسة، للخروج من الوضعية الصعبة التي يوجد بها.

تجدر الإشارة إلى أن مركّب الحجّار، من أكبر المجمعات الاقتصادية في الجزائر، وعرف المركّب صعوبات مالية طيلة السنوات الماضية، وارتفعت ديونه إلى مليارات الدينارات، ما دفع بالحكومة سنة 2001 إلى توقيع شراكة  مع المتعامل الهندي "أرسيلور ميتال"، لكن الشراكة آلت إلى الفشل وانسحب الشريك الهندي، وتوقفت بعض الوحدات الإنتاجية وسُرّح مئات العمال. علمًا أن المركب استفاد من دعم مالي قُدر بـ 14 مليار دينار في بداية سنة 2020.

تداعيات أزمة كورونا

وفي ظلّ تداعيات أزمة كورونا، تكبدت الشركات العمومية خسائر مالية معتبرة، لترهق وضعها المالي والتسييري، فالشركة الوطنية للنقل بالسكك الحديدية سجلت خسائر مالية بـ 466 مليون دينار، وسجلت الخطوط الجوية الجزائرية خسائر بقيمة 16 مليار دينار، ويقدر تراجع في رأس مال شركة سونلغاز 6.5 مليار دينار، أما نفطال اجمالي الخسائر يقدر بـ 20 مليار دينار.

إعادة استنساخ الفشل

في سياق الموضوع، يقول الخبير في الشؤون الاقتصادية،  مصطفى راجي أن مخطّط دعم الشركات العمومية سبق وأن تم تجربته مرارًا وتكرارًا، ودائمًا يؤدي إلى النتيجة المعروفة نفسها، مضيفًا أن "دعم الدولة يمثل حقنة إنعاش مؤقّتة تعطي بعض الحيوية في البداية ليتوقف مفعولها فيما بعد، وتعود المؤسّسة العمومية لأمراضها القديمة".

ويوضح المتحدث، أن أسباب الفشل تعود إلى الطابع الاجتماعي في المؤسّسات العمومية حيث التكاليف تفوق المداخيل، والتسيير البيروقراطي المركزي الجامد، وبحسب راجي فالمؤسّسات العمومية بحاجة إلى استقلالية في التسيير، وأن اطارات المؤسسات العمومية هم بحاجة إلى حماية قانونية، ترفع عنهم تجريم نتائج تسيرهم وتجعل مخاطر التسيير مخاطر اقتصادية تتحمّلها المؤسّسة، على حدّ قوله.

وفي ظلّ عجز الموازنة العامة وتراجع احتياط الصرف، كشف راجي أن المؤسّسات العمومية عليها فتح الرأسمال لكلّ من يرغب أن يكون مالكًا لأسهم المؤسسة، وإيجاد سوق مالية قويّة، تُعطي دفعًا ديناميكيًا في إدارة الشركة، وليس ضخّ المزيد من أموال الخزينة العمومية ومن دافعي الضرائب.

عبء الصناعات الثقيلة 

في السياق ذاته، تُعتبر الصناعات الثقيلة في بلد يفتقد إلى التطوّر والتحكم التكنولوجي عبئًا ثقيلًا على ميزانية الشركات العمومية، التي تحتاج بصورة دائمة إلى تمويلات حكومية قصد معالجة مشاكلها المالية وخاصّة من الجوانب التقنية كصيانة العتاد وتجديده.

في المقابل، تشكّل الصناعات الكيميائية والصناعات الاستخراجية حالةً استثنائية، حيث يتم إنتاج مركبات صناعية عبر الشراكة مع مؤسّسات دولية، أو رأس مال مشترك بين شركة  "سوناطراك" ومتعامل أجنبي، وهي التجارب التي أثبت نجاعتها الاقتصادية ميدانيًا.

من جانبهم، يؤكّد خبراء أن سياسة ضخّ الأموال أو إعادة جدولة الديون الذي تتحمّله البنوك العمومية، أكّدت التجارب السابقة عدم فعالية الإجراء، ما ينجرّ عنه في الغالب استهلاك ميزانية إضافية من الخزينة العمومية دون جدوى.

يحتاج القطاع الاقتصادي العمومي إلى إصلاحات عميقة، يُبعد التدخّل السياسي-البيروقراطي في الشأن الاقتصادي، وأن الإجراءات الحمائية أوالعقيدة "الوطنية الاقتصادية" جعلت الشركات العمومية معزولة عن محيطها العالمي. شركات تنمو في بيئة تنافسية تتطلب السرعة القرارات، والتسيير وفق استراتيجية توسيع الفضاء التجاري بدل الاكتفاء بتمويل السوق المحلّي.

غياب التنافس جعل المؤسّسات العمومية خلال فترة الستينيات والسبعينيات مؤسّسات معزولة

إن غياب التنافس والسوق الحرّة، جعل المؤسّسات العمومية خلال فترة الستينيات والسبعينيات مؤسّسات معزولة، وتفتقد إلى روح المبادرة والإبداع والتنافس الذي يميز الشركات الرائدة العالمية، يُضاف إليه الإرادة السياسية التي تعمّدت إغلاق المؤسسة العمومية وإفلاسها في فترة العشرية السوداء، لإفساح المجال أمام رجال الأعمال المحيطين بالسلطة.