01-مارس-2018

أكثر من 7200 جزائري لا يزالون طي الفقدان منذ العشرية السوداء (CFDA)

في إحدى الجنائز بمقبرة مدينة برج بوعريريج، الواقعة على بعد 200 كيلومتر إلى الشّرق من الجزائر العاصمة، لفت انتباهنا شابّ انتبذ مكانًا قصيًّا من المقبرة، وراح يصدر نشيجًا خاصًّا. كان الشّاب عبد المنعم، (مواليد 1993)، وسبب بكائه أنه لا يعرف قبر أبيه، لأنه اختفى في ظروف غامضة، في خضمّ الأزمة الأمنية، التي اجتاحت الجزائر طيلة تسعينات القرن العشرين.

بعد مرور نحو عقدين من الزمان على العشرية السوداء الجزائرية، لا يزال الغموض يلف مصير ما لا يقل عن 7200 من المختفين قسريًا 

"كان عمري سبعة أشهر في بطن أمّي"، يقول محدّثًا "ألترا صوت"، عبد المنعم الذي تخصّص في دراسة القانون ليتابع قضية أبيه بنفسه، مُضيفًا: "وها أنا أدخل عامي الخامس والعشرين، من غير أن أعرف شيئًا عن مصير والدي. فالمعلومة الوحيدة المتوفرة هي أنه اختفى"، لتظلّ الأسئلة المتعلّقة بذلك معلّقة: من اختطفه؟ وإلى أين أخذه؟ إن كان قد مات فأين قبره؟ وإن بقي حيًّا فأين هو؟

 

ويشير عبد المنعم إلى طقس مؤلم ظلّ يمارسه منذ عشر سنوات: "كلّما صادفتني مقبرة دخلتها، ورحت أقرأ شواهد القبور، علّني أصادف قبر أبي. فأنا الآن لا أطمع في أن أجده حيًّا، بل بات طمعي مقتصرًا على أن أجد قبره لأحدّثه، وأتطهر من أوجاع وعقد أثمرها غيابه في حياتي؟".

توجه "ألترا صوت" بالسؤال للكاتب والباحث في علم الاجتماع محمّد بن زيان، عن السّبب الذي جعل قطاعًا واسعًا من الجزائريين يقبلون بمشروع المصالحة الوطنية، الذي يفرض عليهم نسيان ما حدث، لصالح خيار الأمن والسّلام، حتى أن هناك قانونًا يعاقب من يؤذي التائبين النازلين من الجبال، في مقابل تشبّث عائلات المفقودين بحقها في معرفة مصير أبنائها، فقال إن الأمر يتعلّق بـ"جرح الذاكرة"، "وهو معطى يصعب معه النسيان أو التجاوز أو المسامحة. فلو عرف هؤلاء مصير ذويهم لسهل عليهم ذلك، فهم يتصرّفون على أساس أنهم ظلموا ويرون أنه من الوفاء لمفقوديهم معرفة الحقيقة، كما قال.

الإخفاء القسري في لبنان

ويعود أصل الحكاية إلى عام 1992، حيث تمّ توقيف المسار الانتخابي، الذي أقرّه دستور شباط/فبراير 1989، وفازت فيه "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" بأغلبية المقاعد في البرلمان، ليكون أول برلمان تعدّدي في الجزائر منذ استقلالها عام 1962، غير أن المؤسّسة العسكرية في البلاد أوقفت المسار الانتخابي، وأعلنت حلة الطوارئ وحلّت الحزب الإسلامي الفائز، بحجّة أنه يشكّل تهديدًا للأمن العام، من خلال أدبياته القائمة على التوعّد والتّهديد ومصادرة الحرّيات الشّخصية.

اعتبر أنصار "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" ما حصل تعسّفًا في حقّ الحزب والشّعب معًا، فانحازت بهم عواطفهم إلى تأسيس "الجيش الإسلامي للإنقاذ"، الذي شرع في الهجوم على المؤسسات العسكرية والأمنية وشبه الأمنية، ووضع كلّ من ينتمي إليها هدفًا مشروعًا له. ممّا وضعه في خانة "الإرهاب" و"الخروج على القانون" في نظر المؤسّسات العسكرية والحكومية، التي أضافت إلى معطى مواجهته عسكريًا، اعتقال المقتنعين بخياراته من المدنيين.

كانت البداية باعتقال رمزَي الحزب، عبّاسي مدني وعلي بلحاج، إذ حكم عليهما بـ12 عامًا سجنًا نافذًا. ثمّ تتالت الاعتقالات، التي كانت تتمّ عادة في جنح الظلام، وفتحت لهذا الغرض معتقلات أشهرها معتقل مدينة رقّان، 1552 كيلومترًا إلى الجنوب من الجزائر العاصمة، حيث وصل عدد المعتقلين فيه 3500 معتقلًا، سرعان ما تمّت تسوية وضعياتهم وإطلاق سراح أغلبيتهم.

تصر السلطات الجزائرية على إهمال وتجاهل ملف مفقودي العشرية السوداء، غير ما قدمته، علمًا بأن الإخفاء القسري جريمة لا تسقط بالتقادم

غير أنّ الغموض بقي يلفّ مصير ما لا يقلّ عن 7200 مفقود، حسب ما أقرّت دوائر حكومية. ولئن كانت نبرة البحث عنهم من طرف عائلاتهم والنّخبة الحقوقية باهتة خلال سنوات العنف والإرهاب، بحكم حساسية المرحلة المحتكمة إلى قانون الطوارئ، فإنها باتت قويّة وواضحة بما جعلها قضية حقوقية عالمية.

لقد بات من الطقوس اليومية، منذ عام 1998 حيث تمّ طرح مشروع قانون الرّحمة من طرف الرئيس المنسحب اليمين زروال، والممهد لقانون السّلم والمصالحة، الذي تبنّاه الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة؛ أن تلتقي عشرات العائلات المعنية بالموضوع، عند مداخل مقرّات الهيئات الحقوقية الحكومية، قبل أن تخلفها "اللّجنة الاستشارية لحقوق الإنسان" التّابعة لرئاسة الجمهورية عام 2009، حاملة صور المفقودين ولائحاتٍ مكتوب عليها شعارات تطالب بكشف الحقيقة، قبل أن تتكتّل في أكثر من هيئة وجمعية ومنظمة تتبنّى الهاجس نفسه، منها "جمعية المفقودين" و"تحالف عائلات المفقودين" وّجمعية صمود". وقد أصرّت اللّجنة على أن الملفّ بات محلّ متاجرة سياسية، ذلك أن ما نسبته 95% من العائلات المتضرّرة، بحسبها، تمّ تعويضها، وما بقي، فهو يتعلّق بحالات اختفاء مستعصٍ لا يمكن البتّ فيها.

وكاد التّنسيق بين جمعيات عائلات المفقودين والحكومة الجزائرية يتوقف، بسبب ميثاق السّلم والمصالحة الوطنية، الذي أطلق عام 2005 وشرع في العمل به عام 2006، "بالنّظر إلى ما ينطوي عليه من محاولة لفرض النّسيان بقوّة القانون، عوض امتلاك شجاعة الاعتراف وكشف الحقيقة لأهالي المفقودين، إلى جانب التّعويض لهم"، كما يقول النّاشط الحقوقي عبد الحميد براهيمي.

ويضيف براهيمي لـ"ألترا صوت"، أن "الفترة التي وقعت فيها هذه الاختفاءات القسرية تميّزت بالفوضى والاحتقان والتشنّج وتراجع سلطة القانون"، مُشيرًا إلى أنه إذا ما كانت علائات المفقودين متفهمة لطبيعة الأوضاع آنذاك، إلا أنها لا تتفهم أن تُطالب بنسيان ذويهم دون أن تعرف مصيرهم". 

ويُؤكد: "إنه ملف غير قابل للنسيان بالتقادم، ولئن رحل جيل أمهات وآباء المفقودين، فسيخلفهم جيل أبنائهم وبناتهم، ولا حلّ أمام السّلطات إلا تحمّل المسؤولية ووضع حدّ نهائي له بالاعتراف". يُذكر أنّ الإخفاء القسري في القوانين والمواثيق الدولية، هو جريمة إنسانية لا تسقط بالتقادم.

من جهتها تصرّ الحكومة على أنها لا تملك غير ما قدّمته للعائلات من معلومات وتعويضات مالية، وهو ما دفعها إلى جعل الملفّ في عهدة هيئة الأمم المتحدة، التي أرسلت مفوضيتُها السامية لحقوق الإنسان وفدًا للتحقيق في القضية منتصف عام 2016. ولقيت الزيارة ترحيبًا من طرف الجمعيات الحقوقية، التي حذّرت الحكومة، يومها، من كلّ تسوية تتمّ خارج منطق العدالة والإنصاف.

الإخفاء القسري ملف غير قابل للنسيان عند الجزائريين الذين لن يقبلوا دخول عشرية ثالثة من القرن 21 دون أن يفتح هذا الملف وبشفافية

ويبدو أنّ ملف المختفين قسريًا في الجزائر، سيتصدّر جملة من الملفات، التي لا يرغب قطاع واسع من الجزائريين في أن يدخلوا عشرية ثالثة من القرن الواحد والعشرين من غير أن تُفتح، على أساس من الوضوح والشفافية، "احترامًا لذاكرة الإنسان الجزائري"، كما يقول الكاتب عبد المنعم عامر، الذي أضاف لـ"ألترا صوت": "الجزائري كان مستعدًّا تاريخيًا لأن يمنح روحه من أجل استمرار الوطن، لكنه ليس مستعدًّا لأن يفقد روحه أو أرواحًا عزيزة عليه من أجل استمرار سمعة النظام".