الانتخابات التشريعية الجزائرية.. تأمّلات من الواقع

الانتخابات التشريعية الجزائرية.. تأمّلات من الواقع

دعوة لمقاطعة الانتخابات على حائط جزائري (بن ساعد محمد نصر الدين)

يبدو أنّ الحكومة الجزائرية تعاملت، مع مواقع التواصل الاجتماعي، على مدار السّنوات السّبع الأخيرة، باعتبارها ألعابَ أطفالٍ مسلّيةً وملهيةً وهادرةً للوقت، لا باعتبارها وسائطَ تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل وعي ومخيال جديدين، تنتج عنهما أفعالٌ وردودُ أفعالٍ جديدة، تمامًا كما واجه مبارك شباب الإنترنت بالأحصنة والجِمال عام 2011، فكان ذلك مؤشرًا على الهوّة التي تفصل بين التفكير الحاكم وتفكير الجيل الجديد.

رغم دعوات السلطات الجزائرية للإقبال على الانتخابات، تتجه نسبة المشاركة لتكون ضعيفة في ظل استهزاء شعبي ودعوات للمقاطعة

اقرأ/ي أيضًا: الجزائر..الانتخابات البرلمانية تبدأ من الفيسبوك

هذا الجهل الحكومي بسلطة مواقع التواصل الاجتماعي، جعل الحكومة الجزائرية تصحو قبل أيام قليلة، على ضربة موجعة وجّهها إليها فيديو مصوّر بذكاء عميق، أطلقه الشاب شمس الدين المعروف بـ"دي. زاد جوكر"، استهزأ فيه بالمشاركة في الانتخابات التشريعية التي تجري اليوم الخميس، ناسفًا بذلك جهودها في إقناع الجزائريين بأن يكتسحوا صناديق الاقتراع، "حتى يقطعوا الطريق على التدخل الأجنبي"، بحسب التبريرات الرسمية، وقد فاق عدد مشاهدات هذا الفيديو/ القنبلة مليوني مشاهدة.

الأكثر من ذلك، أن كلمة "ما نصوطيش" أي لن أصوّت، التي ردّدها الفيديو، باتت على لسان الكبير والصغير، في الشارع الجزائري، متحوّلة إلى شبح يطارد الحكومة وأنصار خيار المشاركة.

قليلة هي المرّات التي يتاح المشي فيها في الجزائر العاصمة، بعيدًا عن زحمة السيارات، كانت هذه الصبيحة واحدة منها، إذ خلت الشوارع من المركبات، ما عدا تلك التابعة لرجال الشرطة الذين نافس عددهم عدد المدنيين، وكانت نظراتهم المدقّقة توحي بتوقع أحداث ما، في ظل تهديدات أمنية قائمة. "لغم صغير ينفجر يوم الانتخاب، يحدث بلبلة إعلامية وسياسية، أكثر من انفجار قنبلة كبيرة في يوم آخر"، يقول عز الدين، رجل الأمن بزي مدني.

في حدود العاشرة صباحًا، كانت مقاهي المدينة ملأى بالكهول والشيوخ، ذلك أن الشابّ العاصمي لا يصحو باكرًا أصلًا، وكانوا لا يُلقون بالًا للتغطية الشاملة التي باشرها التلفزيون الحكومي للانتخابات، في المحافظات الثماني والأربعين، لكن الأعناق جميعها شُدّت حين أطلّ وزير الداخلية لإعلان نسبة المشاركة المؤقتة. قال إنها بلغت 4 في المئة، فاستقال الجميع من الانتباه، وراحوا يدلون بتحليلاتهم المختلفة.

قال إسماعيل بائع الشاي الصحراوي، قبالة "المسرح الوطني الجزائري" إنه لاحظ تلعثم الوزير وهو يعلن عن نسبة المشاركة، فكيف سيتصرّف حين يعود في السّادسة مساء؟ ردّ عليه كهل قال إنه متقاعد من المؤسسة العسكرية: "يبدو أنك لا تعرفهم يا ولدي، فخبرتهم في قلب النتائج والتصرّف في النسب، بلغت ستّين عامًا من الزّمن".

اقرأ/ي أيضًا:  المال السياسي بعبع الانتخابات البرلمانية الجزائرية

يتسم خطاب الشباب الجزائري بالرفض والوعي والخوف على مستقبل البلاد في مقابل خطاب مترهل وهش للسلطة لم يعد يقنع الكثيرين

قلّة الناس في الشوارع، جعلت حافلات النقل شبه خالية من الركّاب، وهو ما جعل قابضيها يرفعون أصواتهم في المناداة على الركّاب. كان أحدهم يقول: "ما تصوطيش بالصح اركب"، أي "لا تنتخب لكن اركب"، وقد كسر ركّاب إحدى الحافلات عادة الصمت السّائد، فراحوا يتبادلون الأحاديث، كما لو كانوا أبناء عمارة واحدة. احتجّ القابض على شابّ سلّم له ورقة نقدية مهروسة، فقال الشابّ إنها كانت في يده، "وقد ظننتها ورقة انتخاب، فلم أرحمها".

وقفنا أمام مراكز الانتخاب في الضاحية الوسطى من الجزائر العاصمة، لنعاين طبيعة الناخبين الداخلين والخارجين، فلم نلحظ إلا بعض النساء والشيوخ. علّق سامي، الذي يحمل شارة مراقب لصالح حزب صغير، وقد خرج ليدخن سيجارة: "أتفهم حماس النساء للانتخاب، فهنّ اكتسبن حقوقًا لم يكنّ يحلمن بها قبل مجيء الرئيس بوتفليقة، كما أتفهم حماس الشيوخ، فهم يتقاضون تقاعدًا مريحًا، ولا يعانون ما يعانيه الشباب من البطالة والحرمان وقلة الفرص".

من الملاحظات التي التقطناها أمام مراكز الاقتراع، أن بعض المنتخبين، بمجرد خروجهم من مكتب الاقتراع، يحكّون الأصبع الحامل للحبر الخاص بالاقتراع على الجدار، أو في ثيابهم، ولأنه من النوع الذي لا يزول بسرعة، فهم يعملون على دسّ تلك اليد في الجيب، وكأنهم يجدون حرجًا في كونهم انتخبوا. سألنا أحدهم عن خلفية ذلك، فقال إنه أخبر أصحابه إنه لن ينتخب، "وأنا أخشى أن يسخروا مني". في المقابل، عاينّا أكثر من مرّة رفع الشباب أيديهم في أوجه بعضهم عند اللقاء، إشارة منهم على أنها لا تتوفّر على حبر الانتخاب، مردّدين عبارة "ما صوطيتش" أي لم أنتخب.

قبل أيام قليلة، قال الوزير الأوّل عبد المالك سلّال في تجمّع نسائي في مدينة سطيف، 300 كيلومتر شرقًا، إنه يتعيّن على النساء أن يفرضن على أزواجهنّ الذهاب إلى مكاتب الاقتراع، مستعملًا كلمة "كركروهم" أي قودوهم بالقوّة، وهي العبارة التي انتشرت في "فيسبوك"، وأثمرت أنماطًا رائعة من السخرية والتنكيت، وقد عاينّا هذه الصبيحة انعكاسها في تعاملات الناس، إذ كان الواحد يقول لصاحبه: "ها أنت تراني أمامك، ولم تكركرني زوجتي".

كما طلب من النساء في التجمّع نفسه، أن يمتنعن عن إعداد القهوة لرجالهنّ حتى ينتخبوا، وهو ما دفع ببعض العاصميين إلى الخروج حاملين فناجين القهوة، دلالة على أن زوجاتهم لم يستجبن لطلب الوزير الأوّل، وكان الواحد منهم يرفع الفنجان في وجه صديقه إذا التقاه، أو يناخبه به مردّدين كلمة "تشيز".

بين العبارات غير المحسوبة للوزير الأوّل عبد المالك سلّال، وعبارات دي. زاد جوكر، عاش الجزائريون أيامًا ساخرة ومسلّية، تدلّ على أن هناك صوتين في الفضاء الجزائري. يمثّل الأول خطاب السلطة الحاكمة، وهو يتسم بالترهل والهشاشة والمتاجرة بالرموز الوطنية المشتركة، فيما يمثّل الثاني صوت الشعب، خاصّة شريحة الشّباب، ويتّسم بالرفض والوعي والخوف على مستقبل البلاد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الانتخابات الجزائرية.. تغذّية الانتماءات القبلية والخضوع لسطوتها!

سؤال الإعلام في الانتخابات التشريعية في الجزائر