الشارع يجدد

الشارع يجدد "يتناحو قاع".. عبارة هزّت عرش السلطة

"يتناحو قاع"، شعار متجدد في الشارع الجزائري (أ.ف.ب)

تعيش الجزائر على وقع جدل سياسي واجتماعي حاد من أجل التغيير الجذري للنظام الحاكم الجاثم على صدور الجزائريين منذ استقلال البلاد في تموز/يوليو 1962.

منذ الأسبوع الثالث للحراك الجزائري برز شعار تكاد لا تخلو منه جمعة من جمعات التظاهرات، وهو: "يتنحاو قاع" أي "يرحلوا جميعًا".

ومن أبرز أقطاب الجدل أولئك الداعين إلى "رحيل النظام دفعة واحدة دون قيد أو شرط دستوري"، وبين قطب آخر يدعو إلى "عقلنة المطلب" وترحيل النظام من خلال مخارج دستورية، حتى وإن شارك فيها رموز من نظام الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة. 

وفي خضم حدية الجدل، رد الرئيس المنبوذ شعبيًا بإعلان حكومة تصريف أعمال، مرفقًا إياه بوعد التنحي، مع بقاء عصا القرار بين يديه حتى في الفترة الانتقالية. لكن فور صدور مذكرة توقيف في حق شقيقه من النيابة العامة، حتى نزل بيان الاستقالة، فكيف تسارعت الأحداث على ضوء هذه العبارة التاريخية؟

"آلهة الشر"

خط الكاتب والروائي الكبير سعيد بوطاجين كلامًا قاسيًا في حق بعض المثقفين، وأسماهم بـ"آلهة الشر"، وخلفيته في ذلك حسب تدوينة له على فيسبوك أن "هناك مثقفين يشككون في كل شيء، ينتقدون كل شيء، ولا يقبلون شيئا. هؤلاء يدفعون بالوضع إلى الفوضى: مرحبًا بآلهة الشر".

كلمات سعيد بوطاجين كأحد المثقفين المنخرطين في النقاش السياسي الدائر حاليًا بالجزائر، تعد سهمًا مباشرًا في صدر دعاة استلام مفاتيح السلطة، من دون أدنى اتفاق أو أرضية تفاهم حول ظروف وكيفيات تسليمها من قبل النظام المُطالب بالرحيل فورًا.

وقد برز شعار عام في الآونة الأخيرة وتحديدًا منذ الأسبوع الثالث للحراك السلميي، تكاد لا تخلو منه جمعة من جمعات المظاهرات، ألا وهو: "يتنحاوا قاع"، ويعني: "يرحلوا جميعًا".

 معادلة لم يهضمها كثير من الجزائريين، في غياب أي استطلاع للرأي يزن حجم أنصار هذه الرؤية ميدانيًا لتغيير النظام. أما الناشط الحقوقي والمحامي عبد الغني بادي المعروف بمعارضته لنظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، فكتب: "قمة الدناءة أن تتخذ موقفًا إلى جانب القوي وأنت تعلم أنه الجهة الأخرى من الباطل وتريد أن تقنع الناس أنه المخرج الآمن"، في إشارة مباشرة إلى أنصار أحمد قايد صالح، قائد أركان الجيش الذي أعلن انحيازه العلني لمطالب الجماهير المتظاهرة بضرورة تطبيق المواد سبعة وثمانية و102 من الدستور الجزائري، القائلة بضرورة إعلان شغور منصب رئيس الجمهورية وأن الشعب المصدر الوحيد للسلطة ".

وحظي هذا الموقف بتأييد محسوس وظاهر من قبل كثير الجزائريين الذين خرجوا بالمئات للاحتفال به وسط العاصمة الجزائر، كما تبناه عديد المثقفين الجزائريين "شريطة أن تُحترم سيادة الشعب"، إذ قال الاعلامي الشهير عبد النور بوخمخم في هذا الصدد: "حل الأزمة لا يمكن تصوره إلا بتفعيل المواد سبعة وثمانية و102 من الدستور. كلنا يعلم يقينا أن بقايا زرالدة يراهنون على تعفين الوضع والانتقام منا جميعًا، فلنبدأ من هنا: 102 + حكومة نظيفة + لجنة مستقلة لتنظيم الانتخابات في تاريخ فوري قريب"، موضحًا أن بقايا زرالدة (مركز قيادة الرئيس السابق حاليًا يقع غرب العاصمة بمقر إقامته) يدفعون البلد نحو الفوضى.

"يتناحو قاع".. بين حماسة السلمية وواقعية نقل السلطة

منذ الثامن من آذار/مارس الماضي، فتح الجزائريون فرعًا آخر من النقاش على هامش جدلية رحيل رموز النظام أجمعين، يتجسد في ضرورة أن يكون للحراك الشعبي ممثلين له. لكن هذا المسعى اصطدم مجددًا بإرادات شعبية غير مضبوطة الحجم وغير منظمة تدعو إلى ضرورة ترك الحراك بلا ممثلين حتى لا يتم اختراقه من خلال تجنيد سري محتمل لممثليه من قبل السلطة. بينما ينادي فريق آخر غير محدد العدد أو اللون السياسي بـ"ضرورة التمثيل لاستلام مقاليد الحكم".

وانتشرت عقب هذا، في وسائل التواصل الاجتماعي، قوائم جماعية اختارتها جهات مجهولة ممثلة للحراك، بينما تداول آخرون صورًا فردية لشخصيتين بارزتين: الأولى للرئيس الأسبق اليامين زروال، الذي يبرر أنصاره ضرورة قيادته للمرحلة الانتقالية بـ"وطنيته غير المشكوك فيها وإقباله على الاستقالة طوعًا عام 1998 لتبيان عدم تعطشه للسلطة مثل الرئيس الحالي بوتفليقة".

لم تدم نشوة أنصار الرئيس السابق طويلًا وسط الحراك، إذ رفع آخرون صورة أخرى لناشط حقوق الإنسان والمحامي مصطفى بوشاشي، الذي استقال من البرلمان مؤخرًا بعدما سجل أنه "سلطة من دون وزن دستوري". ولم يفلح الحراك في إقناع أحدهما بتولي زمام الفورة الشعبية ضد النظام، خاصة في أعقاب المواجهة المفتوحة بين قيادة الأركان العسكرية الداعية لتنفيذ القاعدة الدستورية القائلة بالشغور والرئاسة التي ترفض، وبين الجماعة الرئاسية.

كما أن كلا الرئيس الأسبق اليامين زروال والحقوقي مصطفى بوشاشي، قد أخذا ما يكفي من الانتقادات؛ الأول لكونه استقال في توقيت أزمة سياسية، ومباركته لقدوم النظام عام 1999، والثاني لمبرر شعبوي، فيقول مناوئيه إنه كان مدافعًا عن متهمي قضية الخليفة بنك، وهي فضيحة مالية تبخرت على إثرها ثلاثة ملايير دولار من الخزينة العمومية.

ولم تفلح الجماهير التي أعجبتهم كثرتهم إلى حد الآن في الالتفاف حول شخص جامع، ينطق باسمهم مع السلطة التي تستفيد حاليًا من غياب الطرف الآخر، بتمديد وجودها على هرم الدولة، بينما تغرق وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي باختيار أجمل صور الحراك وتسويقها عبر العالم، لإظهار السلوكات السلمية الحضارية للجزائريين في الاحتجاج ضد السلطة، لكن بين الفوران الشعبي والضرورة القصوى لتغيير النظام تتعطل عجلة الانتقال الديمقراطي، لغياب الآلية المشتركة في تنفيذها.

 بوتفليقة  "يتنحى".. والحراك يطلب رؤوس العصابة 

وفي غياب تام لممثلي الحراك، أخذ قائد الأركان ونائب وزير الدفاع، أحمد قايد صالح، زمام المبادرة لتلبية جزء من مطالب الشعب، مصدرًا أوامره بضرورة منع الأذرع المالية للرئيس بوتفليقة من مغادرة التراب الوطني، وهي خطوة تفاعل معها كثير من الجماهير، بينما لعبت الرئاسة ورقة رفض القرار، بداعي أنها خطوات غير قانونية بما أنها لم تكن بإخطار من الرئاسة التي لم تنته عهدتها بعد.

مقابل ذلك، فتعد من أهم "منجزات" بوتفليقة، تعزيزا لمكوثه أطول مدة ممكنة رغم "ثورة الملايين الهادئة"، قضاؤه ستة أسابيع متتالية على رأس السلطة في تحدٍ واضح وصريح لكل القوى الداخلية.

وأرسل بوتفليقة رسوله الدبلوماسي رمطان لعمامرة في جولة عبر أهم عواصم العالم، ليشرح خارطة طريق رئيسه للخروج من الأزمة بأريحية. كما مضى وزيره الأول نور الدين بدوي، في إعلان تشكيلته الحكومية التي ولدت ميتة مقابل السخط الشعبي الواسع عليها، لكونها تتضمن أسماء تقليدية وشعبوية، يرى الناس أنها لا ترقى إلى أن تكون ضمن حكومة انتقال ديمقراطي، وقد أغرق رواد التواصل الاجتماعي، قبل 24 ساعة من الاستقالة، فيسبوك بصور بعض وزرائها في وضعيات حرجة.

لكن الأدهى والأمرّ هو إعلان بوتفليقة في الأول من نيسان/أبريل تنحيه عن الحكم قبل 28 من الشهر الجاري، لكنه سيبقى رئيسًا للفترة الانتقالية حتى لا تدخل الجزائر في فوضى، مستغلًا عدم تقديم الحراك لشخصية إجماع، ومنتهزًا كذلك لبعض القلق الذي بدا ينتاب الجماهير إزاء حل لم يأت ورئيس لم تنجح السلمية في اقتلاع شأفة نظامه، فظهر للجزائريين أن تاريخ الـ28 من نيسان/أبريل سيكون أطول شهر في تاريخ الجزائر.

وفي اليوم التالي، الثاني من نيسان/أبريل 2019، يحدث ما لم يكن يتوقعه أحد: يرفع مجموعة من المواطنين دعوى قضائية ضد سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس، لـ"خيانته الأمانة وإعطاء أوامر باستعمال النفوذ"، لتحرك النيابة العامة مذكرة بتوقيفه.

يمتلئ الشارع الجزائري وتشتعل السوشيال ميديا من جديد، تحذيرًا للسلطات الآمة بتوقيف سعيد بوتفليقة لتطويق العصابة وتجديدًا لشعار "يتناحو قاع"

تلتهب مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلًا مع الخبر عقب تسريب وثيقة الدعوى. وفي حدود السادسة مساءً ينزل بيان رئاسة الجمهورية معلنًا إخطار رئيس الجمهورية للمجلس الدستوري بإنهاء عهدته قبل تاريخها المحدد. فهل كانت الاستقالة مقايضة من بوتفليقة بعدم متابعة شقيقه سعيد قضائيًا؟ الشعب الجزائري يملأ شوارع العاصمة ومواقع التواصل الاجتماعي تشتعل من جديد لتحذر السلطات الآمرة بتوقيفه استمرارًا في تطويق "العصابة"، وتجديدًا لشعار: "يتناحو قاع".

 

اقرأ/ي أيضًا:

خيارات "محيط" بوتفليقة تضيق أمام توسع قاعدة الحراك الجزائري ووحدتها

رسائل مثقفين وإعلاميين جزائريين إلى بوتفليقة وشقيقه: "ضيّعتم كل الفرص"