16-أغسطس-2021

الطابع الاجتماعي في المؤسّسات العمومية أدى إلى إفلاس كثير منها (فيسبوك/الترا جزائر)

فريق التحرير - الترا جزائر 

أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في اجتماع مجلس الوزراء المنعقد في 8 آب/أوت الجاري، فتح رأسمال الشركات العمومية بما فيها البنوك، وهو القرار الذي حاولت تنفيذه حكومات سابقة لكن معظمهما فشلت في المهمّة، فهل ستكون النتيجة نفسها هذه المرة أم أن الأمر مختلف؟ وما هي الفائدة الاقتصادية التي ستعود للبلاد من وراء هذه الخطوة؟. 

 

 الدكتور إسحاق خرشي: هذه  العملية ليست خوصّصة وإنما هي عملية بيع لأسهم الشركات

وتحاول الحكومة تنويع مصادر التمويل والاستثمار بعيدًا عن اللجوء إلى الخزينة العمومية، خاصّة مع انتظار صدور قانون الاستثمار الذي طال، انتظاره رغم تعديل بعض مواده، منها قاعدة 51/49 الخاصّة بالاستثمار الأجنبي. 

اقرأ/ي أيضًا: تبون يعتزم بيع حصص في الشركات والبنوك العمومية

ضرورة اقتصادية 

لم يقدم بيان مجلس الوزراء تفاصيل عن قرار الرئيس تبون بفتح رأسمال المؤسسات العمومية، إلا أن الخبير الاقتصادي إسحاق خرشي لم يخف استحسانه اتخاذ قرار مثل هذا في هذه الظروف من قبل رئيس الجمهورية. 

وقال الدكتور خرشي لـ"الترا جزائر"، إن هذا القرار يندرج ضمن عمليات المزاوجة بين القطاع العام والخاص التي أصبحت أكثر من ضرورة لمواجهة الأزمة الاقتصادية الحالية الناتجة عن انخفاض أسعار البترول، وزيادة الإنفاق على  العتاد والمستلزمات الصحيّة لمواجهة الجائحة، بالإضافة إلى تكاليف شراء اللقاحات". 

ولاحظ خرشي أنّ الرئيس تبون يعمل في خطة الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي على "تشجيع القطاع الخاص للمساهمة أكثر في الاقتصاد، كما أن الجزائر الجديدة تتطلب مقاربة اقتصادية تشاركية بين القطاعين العام والخاص، لاسيما في بعض المجالات التي تتطلب شراكة في الاستثمارات مثل مجال النقل البحري، وحتى الجوي والبري". 

وقال الاستاذ الجامعي أنور سكيو لـ "الترا جزائر"، إنه "لا يخفى على أحد مدى معاناة الشركات العمومية بسبب سياساتها البيروقراطية الداخلية ذات البعد الإداري اللاديناميكي، ومع تغير سلوك ومتطلبات المستهلك الجزائري مع هاته الشركات. يقودنا هذا مباشرة إلى مباركة قرار فتح رؤوس هاته الشركات ما من شأنه خلق ثقافة تسييرية مختلفة في المؤسّسات العمومية بوضع خطط عمل جديدة لحضور هاته الشركات في مجالاتها الصناعية والخدماتية".

وحسب خرشي، فإن فتح رأسمال الشركات العمومية والبنوك سيقود إلى "الاستفادة من نمط جديد في التسيير العملي والاستراتيجي وفق قواعد وأصول التسيير الجيد ، كما أن دخول مساهمين خواص جدد سيسمح بالتوجه أكثر نحو الرقمنة، والأهم هو المحاسبة بالنتائج بدلًا من عقلية "المال السايب"، فالخواص سيحرصون على الربح وعدم تعريض هذه البنوك والمؤسسات للإفلاس لأن ذلك سيؤدي إلى ضياع أموالهم".

وأوضح خرشي أن "تحقيق الأداء الجيد سيسمح بخلق قيمة مشتركة، قيمة اقتصادية للخواص المساهمين وقيمة اقتصادية أخرى للدولة باعتبارها مالكة لجزء من الأسهم".

شروط القرار

بالنظر إلى عديد التجارب الفاشلة للقطاع الخاص بالجزائر، والذي أثبتت محاكمات الفساد التي عرفتها البلاد في السنوات الأخيرة بعد إرغام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة على مغادرة السلطة، يمكن أن يشكّل فتح رأسمال الشركات العمومية بابًا جديدًا لنهب المال العام تحت غطاء هذا القرار.

 غير أن الدكتور إسحاق خرشي يؤكّد لـ "الترا جزائر"، أنه "لا تخوف من تغوّل المال الفاسد من جديد، لأنه لا يوجد مجال لذلك في الجزائر الجديدة التي تتجه أكثر نحو الرقمنة في المعاملات، والإفصاح في التقارير و الأعمال، وتوسيع صلاحيات هيئات الرقابة المالية،  بالإضافة إلى وجود الإرادة السياسية القوية التي تعول على بناء اقتصاد وطني قوي مبني على الشفافية و الحوكمة الفعالة".

ويوضح خرشي أن هذه  العملية "ليست خوصّصة، و إنما هي عملية بيع لأسهم الشركات، بحيث يمكن للخواص أن يشتروا جزءًا من ملكية المؤسسة العمومية أو البنوك، بمعنى أخر أنه من المستبعد أن يقوم الخواص بشراء كلي لأسهم المؤسسات العمومية أو البنوك، كما يجب على الحكومة أن تحرص على إعداد دفتر شروط جديد صارم ومضبوط بإتقان -لمنع تكرار أخطاء الماضي- ينظم عملية فتح رأسمال المؤسسات العمومية والبنوك، كما يتم البيع عن طريق البورصة حتى يكون هناك تنافس في استقطاب رأس المال."

لكن أنور سكيو يبيّن أنه بالرغم "قرار فتح رؤوس أموال الشركات العمومية توجه مطلوب ومحمود بلغة الاقتصاد والأرقام، لكن قد يكون سلاحًا ذو حدين في السيناريو الاقتصادي الجزائري حتى لا ننسى، فنحن هنا نتحدث عن مدى استعداد الحكومة والجهات الوصية في ضمان انتقال شفاف، وبناء لسيرورة هاته الشركات المهمة في حياة المواطن الجزائري".

وأضاف سكيو أن "المستثمرين والمقبلين مستقبلًا على مجالس الإدارة في هاته الشركات الحيوية في الاقتصاد الوطني، وجب عليهم أن يتوافقوا مع تطلعات الخطة الموضوعة للحدّ من تراجع نوعية وفعالية خدمات هاته الشركات (أزمة المياه مثلًا)، وذلك في إطار انتقال إداري وتسييري شفاف يستوفي جميع متطلبات تكافؤ الترقية وتدارك النقائص مع الاستثمار الرابح للجميع، إضافة إلى ضرورة استيفاء شروط العملية التي قد تفتقر إليها بعض الأمثلة العمومية (عامل الرقمنة، مؤشر المصداقية، الامتثال لمعايير البورصة) وغيرها من مؤشّرات قد تشجع المستثمرين وقد تنفرهم في الوقت نفسه".

ولم يشر بيان مجلس الوزراء إن كان فتح رأسمال المؤسسات العمومية سيشمل أيضًا المتعاملين الأجانب، وهو ما لا يستبعده أنور سكيو الذي يعتقد "استقدام حضور أجنبي متوسط في فرص فتح رؤوس الأموال، شرط توفر جميع الشروط السيادية والضمانات الاستثمارية للاستفادة بشكل مباشر من هذا السيناريو، خاصّة وأنه لدينا الكثير من التجارب الدولية الناجحة في الإستثمار المشترك حتى في قطاعات حيوية وأساسية على غرار قطاع الصحة وقطاع النقل في بعض الدول".

ضعف البورصة

يقر الدكتور إسحاق خرشي بـ"غياب سوق بورصة حقيقي" بالجزائر، إلا أنه يعتقد أن ذلك لا يرتبط بنجاح عملية فتح رأسمال الشركات العمومية، و لكنه "سيؤثر كثيرًا على التنافس في استقطاب رأس المال".

ورغم مرور عدة سنوات على إطلاقها، يبقى التنافس في بورصة الجزائر مقتصرًا على فئات معينة، ولا يجذب اهتمام المكتتبين المواطنين كما يتم في الدول الأخرى.

وأضاف "لذلك نتخوف من تقييم هذه المؤسسات العمومية بأقل من قيمتها الحقيقية، إضافة إلى أن المؤسّسات العمومية تمتلك قيمة مخفية يصعب تقييمها بالطرق المحاسبية و نتكلم هنا عن سمعة المؤسّسة، تاريخها وعلامتها التجارية". 

ويشير أنور سكيو إلى أن "معطيات المشهد الاقتصادي الجزائري في تغير متسارع مؤخرًا، ما يقود إلى توجه حتمي نحو ضمان وجود بورصة جزائرية متكاملة الجوانب والمستوفية لجميع شروط الحوكمة".

ويؤكّد سكيون أن "نجاح هاته العملية الانتقالية في هوية الشركات المعنية مرتبط ارتباطًا وثيقًا باحترام شروط تفاعل البورصة والمهام المنوطة بها من تقديم لنشاط الشركات، ووضعياتها، ومدى حضور أسهمها وغيره. ما يعني قطيعة نهائية مع ثقافة الإدارة التقليدية والبيروقراطية السابقة والتي لا تستطيع التكيف مع الوضع".

أنور سكيو: الفصل في نجاح هذا القرار الحكومي هو أمر سابق لأوانه

وحسب أنور سكيو، فإن الفصل في نجاح هذا القرار الحكومي هو أمر سابق لأوانه، لكن يبقى عامل الجدية من الجهات الوصية في متابعة عملية الانتقال التسييري والإداري، وتشجيع تطوير البورصة، والامتثال لمعايير حوكمة الشركات وشفافيتها، مؤشرات مهمة وأساسية من شأنها أن تجيب عن تساؤلاتنا طوال عملية فتح رؤوس الأموال.

 

اقرأ/ي أيضًا:

علي حدّاد.. نهاية إمبراطورية الزفت !

فوضى إدارة المشاريع الحديثة.. الجزائريون يسخرون من مشروع "المدينة الذكية"