حوار| العربي رمضاني: الفراغ الذي أفرزته العودة من

حوار| العربي رمضاني: الفراغ الذي أفرزته العودة من "الحرڨة" كان دافعًا للكتابة

العربي رمضاني، كاتب جزائري (فيسبوك/الترا جزائر)

تُعتبر ظاهرة "الحرڨة" أو الهجرة السرّية، التي تُلصِق بها الأنظمة والمنظمات العالمية عنوةً صفة "الهجرة غير الشرعية"، من أكثر المآسي التي تؤثث واقع الجزائريين منذ سنوات طويلة، كما تُعد الفترة الأخيرةُ ذروةَ هذا العبور السرّي الذي يختاره الشباب والعائلات والنساء على حدٍّ سواء، هربًا من واقع طغت مآسيه على أحوالهم المادية والاجتماعية المتعبة، إضافة إلى ضيق أفق الحريات.

رمضاني: لم أفكّر في الكتابة عن تجربة "الحرڨة" إلا بعد عودتي إلى الجزائر، مع ما تركت هذه العودة غير المتوقّعة من مشاعر الفشل والخيبة

ذلم يجدوا مفرًا سوى ركوب قوارب الموت نحو المجهول متحدّين موج البحر الغادر وما ينتظرهم في الأفق المُعتّم، مفضلين خطر الموت مبحرين على موتٍ آخر بطيء في كنف الفقر والبطالة وتحت سماء مغلقة على الحلم والحرّية والحقّ في العيش الكريم.

اقرأ/ي أيضًا: الهجرة السرية عند الجزائريين.. تِكرار تجارب فاشلة؟

 

في هذا الحوار، نستضيف الكاتب الشاب العربي رمضاني (1986)، ليقص علينا حيثيات تجربة "حرڨة" واقعية عاشها بشكلٍ شخصي انطلاقًا من الجزائر، إلى غاية وصوله نحو اليونان، حيث وثق رحلته العسيرة تلك في أولى روايته "أناشيد الملح"(سيرة حراڨ) الصادرة عن دار المتوسط.

يمكن القول إن هذه الرواية تجربة جديدة ومتفردة في هذا النوع من السير الذاتية الخاصة بـ "أدب الهجرة السرية" أو بالأحرى أدب "الحرڨة" في الجزائر؛ هذا البلد الذي يشهد رحلات خلاصٍ للعشرات من القوارب سنويًا بين ضفتي المتوسط، في سفرٍ مُضنٍ نحو أوروبا بحثًا عن حياة جديدة وعن واقع أفضل، رحلاتٌ راحت ضحيتها أعداد مهولة من شباب البلد من الجنسين فداءً للحلم المستحيل. 

  • خُضتَ تجربة "الحرڨة" في السّنوات الماضية وعدتَ بعدها إلى أرض الوطن مثقلا بذكريات وثقتها على شكل سيرة تكتب لأول مرة في الأدب الجزائري. كيف كانت تجربة "الحرڨة" هذه وما كان وقعها على ذاتك؟

لقد كانت تجربة "الحرڨة " في الواقع فرصة نادرة لاكتشاف هذه الظاهرة عن قرب، ولمعايشة ظروفها بكل زخمها النفسي وأبعادها الإنسانية وتفاصيلها الحقيقية بعيدًا عن التصورات الجاهزة والأحكام المُسبقة.

"الحرڨة" هي أن تتعامل مع جشع المهربين وتتحايل على رجال الأمن وتكتشف شراسة البحر ليلًا وصراخ الأطفال، وتقف عند عقليات لاجئين من مختلف الجنسيات وتتعرف على بلدان ومدن عديدة صاخبة بألوان أخرى للحياة، فتشعرك بالرغبة في فك غموضها وغرابتها وهدوئها المخادع، كونَ رؤية "الحراڨ" لمدينة أو دولة العبور تختلف عن رُؤَى السائح المولع برصد المتميز والتقاط الجمال بأريحية تامة، لأن "الحراڨ" يتعامل مع مدينة ما برؤية أمنية تقريبًا.

 يبحث هذا الهارب عن ملاذات آمنة بعيدة عن العسس، فيحفظ متاهات الهروب وأزقة توفر سكينة عابرة بتكاليف يسيرة.

كل هذا الكمّ من الأحداث والتفاصيل يترك أثرًا واضحًا على الذات ويُلامس عُمقها، لتكون دوما على محك المُساءلة المستمرة والتفاعل الكثيف مع أدق مشاهد "الحرڨة".

تقعُ الذات وهي تخوض تجربة غير محسوبة النتائج عمليًا، تحت سطوة جملة من المشاعر التي يسيطر عليها الارتباك والهلع، التوجّس، الأمل، التضامن، المراقبة، النفور، اليقظة الدائمة والأهم، ملامسة رغبة الحياة والحرية لدى رفاق الرحلة والاندماج مع فكرة الانعتاق ودفع شبح الموت والهلاك بالإصرار على تعقب خيط أمل هارب.

  • ما الذي جعلك تقرر كتابة سيرة "حرقتك" هذه وكيف كانت دورة حياة هذه المذكرات إلى غاية تحولها إلى كتاب؟

في الحقيقة، لم تتبادر فكرة تدوين تجربة "الحرڨة" إلى الذهن إلا بعد عودتي إلى الجزائر، مع ما تركت هذه العودة غير المتوقّعة من مشاعر الفشل والخيبة، وتشجيعٍ من بعض الأصدقاء الذين كانوا على علم بتفاصيل هذه التجربة التي اعتبروها فريدةً بنظرهم وتستحق التدوين، فضلًا عن مشاعر الحنين لمدن وأماكن لامستُ فيها الحلم عن قرب واكتشفت من خلالها ذاتي، حيث تجلى شكل الحياة التي أريد.

هذا الفراغ الوجداني الذي أفرزته العودة كان دافعًا هائلًا لكتابة ما عشته، كنوعٍ من التصالح مع الذاكرة المزدحمة بمشاهد يمتزج فيها الفرح بالحزن، وسطوة الموت والهروب وهشاشة النفس البشرية. لقد كانت الكتابة محاولةً لإعادة نسج علاقةٍ مع فضاء التجربة وشخوصها والإبقاء عليها حيّة وقريبة من أعماقي.

في البداية، وبطلبٍ من الصديق العزيز سعيد خطيبي اتفقنا على نشر مشاهداتي عن الحرڨة عبر حلقاتٍ في موقع مجلة "نفحة" الإلكترونية، وقد بدّد الإستقبال الإيجابي والمُشجع من القراء مشاعر التوجس من الكتابة أول مرّة، وهالني احتفائهم المفاجئ بأول حلقة عن التجربة.

كان التحدّي يكمن في كيفية تحويل هذه الحلقات إلى نص أدبي يعكس سيرة مهاجر وفي ظروف غير مريحة نفسيًا ودائمة الإضطراب، نتيجة لسياقات أجدها موضوعية.

بدأتُ ألتقط وأجمع أدق تفاصيل التجربة كما هي، كتبت عبر الهاتف ودون العودة إلى الورق والأقلام وكُتب النصّ في أماكن العمل ونوادي الإنترنت وفترات الراحة وفي رحلاتي عبر القطار إلى العاصمة إلى غاية إتمامه بعد حوالي عامين، ثم إرساله لدار "المتوسط" التي احتفت به ورحبت بنشره.

  • تشهد الجزائر منذ فترة زيادة مهولة في نسبة الحرڨة، لكن الملاحظ أكثر هو ارتفاع نسبة النساء "الحراڨات" على قوارب الموت. هل واكبتَ تجارب نسوية مماثلة على متن رحلتك، وما مدى صعوبة هذه التجارب على العنصر النسوي؟

نعم، كان هنالِك وجودٌ لافتٌ للعنصر النسوي، سيدات مع أزواجهن وفتيات أغلبهن من مناطق الصراع في الشرق الأوسط وبعض الدول الأفريقية جنوب الصحراء، إضافة إلى دول المغرب الكبير.

كانت الصعوبة بالنسبة للعنصر النسوي مضاعفة جدا مقارنة بالرجل، فالمرأة المتزوّجة مثلًا تعيش هلعًا غير طبيعي بسبب الإحساس بالمسؤولية وكون الأسرة التي ترافقها معرضة للهلاك والسجن أو الترحيل ورفض اللجوء، أما بخصوص الشابات العازبات فالوضع كان أكثر خطورة بسبب التحرّش والابتزاز وغياب الحماية، لكن هذا لم يمنعني من رؤية نماذج نسوية كانت على مستوى التحدي وتجاوزت خطر الرحلة بشجاعة وألفت التجاسر على الموت.

أظن أن ارتفاع نسبة "حرڨة" العنصر النسوي في الجزائر منطقي جدا بالنظر إلى ما تعانيه المرأة وتطمح إليه، إضافة إلى هاجس الهروب الذي هو نفسه لدى الرجل، فكلاهما ينتميان إلى فضاء اجتماعي واحد يتأثران به بنفس المستوى.

نظريًا، تُهاجر المرأة هربا من الحروب والنزاعات الدامية رفقة زوجها أو عائلتها، وأحيانًا لوحدها، فتقفز خارج سياج حدود وطنها نحو المجهول، حيث أباطرة التهريب وحرس الحدود ودول عبورٍ ضمن جغرافيا تتنوع بين الصحراء والبحر والسلاسل الجبلية والهلع المُصاحب لرحلة بلوّح فيها الموت بسيفه في كل لحظة، لنسف حلم الوصول إلى فضاء أقل صخبا وأكثر أمنًا، بعيدًا عن أسئلة الحرب واشتباك الكبار في ميادين خارج حدودهم على حساب أرواح الملايين من العزل.

 مع استحالة التغيير في دول منتهكة خاضعة لأبوية سياسية عاجزة عن استيعاب تطلعات الناس، بل تجعلهم طوابير طويلة في قنصليات تتعامل بمسطرة استشراقية مع زوارها الذين يفضل معظم من فشل منهم في خروجٍ آدمي محترم، محاولةَ تفكيك لعبة الحدود والتهريب والمسافات وتحدي الموت.

  عندما تهاجر المرأة هربًا من فوضى الأوطان تواجه جملة من الخلفيات والظروف التي يمكن فهم أسبابها، لكن أن تهاجر شابة من الجزائر أو المغرب وتونس على متن قارب أو عبر خط تركيا واليونان من بلدان هادئة نسبيًا وفق أحدث معايير اللجوء الأوروبية، نجد صعوبة في الحصول على إجابة لا يريد أحد أن يبحث عنها، وفي الذهن ذلك السؤال الأزلي الذي يكبر منذ عقود عن هجرة قانونية وأخرى غير شرعية لعشرات الآلاف سنويًا، من بلاد لا يريد أحد من مسؤوليها ونُخَبِها وإعلامها الحديث عن ظاهرةٍ بالقدر الذي تتسع فيه، تتفرع أكثر على نحوٍ يصعبُ الإمساك به.

  • يُعَدُّ كتابك تجربةَ سيرةٍ ذاتية توثيقية لأحداث حقيقية، ما منحه الكثير من الاهتمام والمناقشة لقضية "الحرڨة" التي تتملص من صفة "الهجرة غير الشرعية" كونها ظاهرة أعمق. هل من الممكن أن نقرأ لك توثيقًا آخر لتجارب أخرى تمهيدا للتوغل أكثر في ما يسمى بـ "أدب الحرڨة" ؟

شخصيًا، أطمح إلى تشجيع كل من خاض هذه التجربة على كتابتها ليكون لدينا أدبٌ أو كتابةٌ تُعنى بالهجرة، وهذا موجود في أمريكًا اللاتينية مثلًا (الهجرة إلى الولايات المتحدة)، ولا ننسى طبعا الهجرة من شمال أفريقيا نحو الضفة المتوسطية بكل قِدمها وتجذرها التاريخي وسياقاتها المعروفة سواء كانت قسريةً زمن الإستعمار أو هربا من المُستعمرات.

  تختلف تجارب الهجرة كثيرًا على تنوعها، بدايةً من اختلاف دول العبور وظروف الهجرة وطبيعة المهاجرين أنفسهم وخلفيات البُلدان التي هربوا منها، لهذا فإن الإصرار على الاشتغال بهكذا تيمة آنية تتجدد منذ عقود رغم مأساويتها، سيُوَفّر مواد ثرية جدًا وواقعية قد تكون منطلقا حقيقيا لتفكيك ظاهرة الهجرة غير الشرعية وأنسنتها وتجريدها من طابعها الأمني والقانوني الجائر وتفكيك ما يحوطها من تنميطٍ أغلبه مؤدلج ويضاعف سوء الفهم.

  • ما تقييمك لتجربة الحرقة كإنسان قبل أن تكون كاتبًا؟

تجربة الحرڨة بالنسبة لي كانت أهم محطة في حياتي، وقد شكلت منعطفًا حاسمًا لم أتوقعه يومًا رغم نتائجها غير المُنتظرة، لكن تبقى "الحرڨة" صراعًا دائمًا مع الموت وليست بتلك المثالية، نتائجها غير مضمونة كما أنني وجدتها أصعب مما تخيلت خاصة في اليونان، لكنها إجمالًا تجربةٌ فتحت الذهن على أشياء جميلة وأكسبتني صداقات مهمة، كما اكتشفت من خلالها ذاتي وصرت أكثر تفهما لمن خاض هذه التجربة.

  • هل ساعدتك قدرتك على الكتابة والتوثيق في التخلص من آلام تلك الرحلة؟

نجحت الكتابة على نحو ما في تضميد بعض الجراح وأبقت أعماقي على اتصال وثيق بما عشت. من خلال الكتابة، عُدت إلى ساموس متأملًا زرقة بحرها من أعلى الجبل، وودعت إزمير وهي تستعد للنوم، وجلست كثيرًا كما كنت أحب قبالة أكروبوليس العظيم منصتًا لرنين اللحظة الهاربة، كنت أكتب كأني على ضفاف البحر الإدرياتيكي منتظرًا أفواج السياح القادمين من صقيع أوروبا وهم ينزلون من عبَّاراتٍ ضخمة وكأنهم خرجوا من محلات الأزياء.

رمضاني: سمحت لي الكتابة بالحِفاظ على علاقاتي مع رفاق الرحلة من أكراد وسوريون، العائلة الكونغولية، أجواء السجن المشحونة بجنون الألبان والجورجيين والجزائريين وتلويحات نزيلات السجن في الطابق المقابل

سمحت لي الكتابة أيضًا بالحِفاظ على علاقاتي مع رفاق الرحلة، أكراد سوريون، العائلة الكونغولية، أجواء السجن المشحونة بجنون الألبان والجورجيين والجزائريين وتلويحات نزيلات السجن في الطابق المقابل، وداعة اليونانيين، والأهم من هذا كله، استمرار الوفاء لأرواح من غادورا قبل أن تتحقق أحلامهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عودة الهجرة السرّية.. أزمة اجتماعية أم سياسية؟

الجزائر وإسبانيا تبحثان ملف الهجرة السريّة والإرهاب