قرية إغيل إيمولا.. من هنا خرج بيان أوّل نوفمبر وبدأ كل شيء

قرية إغيل إيمولا.. من هنا خرج بيان أوّل نوفمبر وبدأ كل شيء

نّا لويزة، زوجة المجاهد علي زعموم في بيتها العائلي (فيسبوك/ الترا جزائر)

كلّما حلّ موعد الفاتح من تشرين الثاني/ نوفمبر المخلّد لاندلاع ثورة التحرير الجزائرية، تتحوّل قرية إغيل إيمولا إلى مزارٍ تاريخي. كثيرون يحجّون إلى هذه القرية الهادئة ببلدية تيزي نتلاثة بولاية تيزي وزو شرقي العاصمة، يجوبون الأزقة الضيقة للقرية، ويتيهون بين منازلها الحجرية القديمة التي تقاوم الانهيار. كلّ من يحطّ قدميه هنا يسأل عن الطريق المؤدّية إلى المنزل الذي كان شاهدًا على ليلة كتابة "بيان أوّل نوفمبر". في ذلك المنزل البسيط، كُتب دستور الثورة الجزائرية. ولا زالت نّا لويزة، أرملة المجاهد الراحل علي زعموم، تستقبل ضيوف التاريخ في منزلها وتحتفظ بآلة رقن "بيان نوفمبر" في منزلها.

 كريم بلقاسم هو من اقترح على قادة الثورة الخمسة أن يتمّ نسخ بيان أوّل نوفمبر في أحد منازل إغيل إيمولا

محرّر دستور الثورة

كان كريم بلقاسم، هو من اقترح على قادة الثورة الخمسة (مصطفى بن بوالعيد، والعربي بن مهيدي، ومحمد بوضياف، وديدوش مراد، ورابح بيطاط)، أن يتمّ نسخ البيان في أحد منازل إغيل إيمولا، قرية بعيدة تائهة في جبال جرجرة، لا تلفت الأنظار ولا تصل أخبارها بسرعة إلى السلطات الفرنسية، هناك طلب من أطفال القرية وسكانها أن يثيرو بعض الفوضى داخل مقهى القرية، في الوقت الذي كان يُكتب فيه "بيان أوّل نوفمبر" في الطابق العلوي لبقّالة ومقهى القرية، نظّم صاحب المقهى في طابقه السفلي لعبة يانصيب كبيرة، كان الغرض منها إثارة الأصوات والهتاف حتى لا يُسمع صوت آلة الرقن. قصّة  نقلها العديد من مجاهدي إغيل إيمولا.

اقرأ/ي أيضًا: متى ستُوثق السينما الجزائرية لجزائر الحاضر؟

في ليلة 27 تشرين الأوّل/ أكتوبر 1954، حلّ صحافي بقرية إغيل إيمولا، هذا المناضل القادم من العاصمة كان مكلّفا من طرف قادة الثورة برقن وسحب بيان إعلان الثورة على المستعمر الفرنسي، كان متحكّمًا في العمل الصحافي وكذلك آلة الرقن والطباعة. ربّما لم تُنصف كتب التاريخ هذا الرجل، ومازال مجهولًا عند كثير من الجزائريين، إنّه من بين الأسماء التي أضاعتها تفاصيل التاريخ، هذا الصحافي هو الشهيد محمد العيشاوي.

ولد الشهيد محمد العيشاوي في 23 يناير/جانفي 1929 بقرية سي مصطفى بولاية بومرداس، حيث كان والده عاملًا بسيطًا عند أحد المستوطنين، وقد عاجل الموت والده، فاضطرت أمّه إلى دخول العاصمة مع أبنائها، هناك عمل محمد العيشاوي لدى محامٍ فرنسي، حيث تعلّم أعمال الأمانة المكتبية وفي مقدّمتها الرقن.

سافر العيشاوي سنة 1950 إلى فرنسا، أين قضى قرابة السنتين في الدراسة، وقد سمحت له هذه الإقامة بالتكوين والعمل في الصحافة، فضلًا عن التعرّف على شخصيات لعبت دورًا بارزًا في الإعداد لثورة التحرير وتفجيرها، ومن هؤلاء محمد بوضياف ومراد ديدوش.

وفي سنة 1953 عاد العيشاوي إلى الجزائر، ولما اقترب موعد الثورة طلب منه محمد بوضياف وضع الصياغة النهائية لبيان إعلان الثورة، بعد وضع خطوطه العريضة في اجتماع 10 أكتوبر/ تشرين الأوّل 1954 الذي انعقد بالمرداية بين القادة الستّة لثورة التحرير. اجتمع بوضياف وديدوش  بالصحافي في محلّ المناضل الخيّاط عيسى كشيدة بشارع مالكوف في القصبة، وبعد الانتهاء من صياغة البيان ومراجعته، عاد محمد العيشاوي لمواصلة المهمّة، برقنه وسحب نسخ منه في قرية إيغيل إيمولا.

رحلة محفوفة بالمخاطر

عند الانتهاء من طبع البيان، كان من الواجب أن تصل نسخ منه إلى العاصمة ومنها إلى المدن الأخرى، وكذا العواصم العربية والعالمية، لم يكن ذلك أمرًا خاليًا من المجازفة، كيف لبيان إعلان الثورة أن يخرج من هذه القرية الصغيرة ويقطع مئات الكيلومترات دون أن تتفطّن إليه عيون الجنود الفرنسيين، في تلك الغرفة التي طُبع فيها "بيان أول نوفمبر" كان بين الحضور مناضلٌ شابٌ يدعى محند أكلي بن شعبان، لقد تمّ تكليفه بهذه المهمّة، أن يخرج البيان من إغيل إمولا لينقله إلى العاصمة. الشاب نفسه كان قد نقل مسودّة البيان من العاصمة إلى القرية قبل أيّام.

يروي المجاهد محند أكلي بن شعبان ما حدث تلك الليلة في إحدى شهاداته، "كلفني علي زعموم بنقل مئات النسخ من بيان أوّل نوفمبر إلى العاصمة، لكي يتمّ توزيعها من طرف مناضلي القضية الوطنية، حملت حقيبة جلدية ومضيت نحو العاصمة في حافلة نقل، أخذت معي ظرفًا فيه وثائق أيضًا، وضعت الحقيبة أمام السائق وركبت في المقاعد الخلفية، مزّقت مقعدي وخبأت فيه الظرف الذي يحوي وثائق لا أعرف محتواها، كانت رحلة طويلة، ينتابني فيها في كل لحظة شعور الخوف من أن ينكشف الأمر في أوّل حاجز عسكري للتفتيش".

يستطرد بن شعبان "حين وصلت للعاصمة كان مطلوبًا منّي أن أتوجّه إلى أحد المقاهي الشعبية في حيّ بلكور، هناك كان بعض المناضلين في انتظاري، تأخّرت في القدوم فظنّوا أنه قد تمّ إلقاء القبض علّي، حين وصلت سلّمتهم الحقيبة، أفرغوها وأرجعوها لي، قضيت تلك الليلة في فندق بوسط العاصمة، اقتنيت من هناك أوراقًا بيضاء ليتم طبع نسخ جديدة عليها، وعدت إلى إغيل إيمولا من جديد".

أكلي بن شعبان: كنت  أعلم ماهية الوثيقة التي حملت معي للعاصمة، وفكرت أن غدًا سيكون يومًا عظيمًا

يروي حامل محفظة البيان الثوري، قصّة له مع أحد رفاقه "حين عُدت إلى القرية، أخبرني أحد الرفاق أنه علّي تجهيز نفسي للذهاب للجبل القريب من قرية إغيل إيمولا، من أجل تدريبات عسكرية هناك، أخبرني أن أحمل معه بعض الأكل والملابس فقد يستغرق الأمر يومًا أو يومين، نظرت إليه وقلت له إنّني أعلم ماهية الوثيقة التي حملت معي للعاصمة، غدًا سيكون يومًا عظيمًا، غدًا ستبدأ الثورة المباركة".