01-سبتمبر-2021

(الصورة: في بلادي)

على الضفّة الأخرى من البحر، هناك ما يمكِن الاتّكاء عليه، يقول هشام لـ"الترا جزائر"، بعدما ضاقت به السّبل في تحصيل عمل في الجزائر يتوافق مع شهادته العليا وغيرها من المهن التي تقدّم له، الهجرة بقارب مطاطي مغامرة وحلّ بعد طرق الأبواب الموصدة.

قال هشام إن قال إنّ الوسيط الذي أخذ المال بعد حجز القارب المطاطي اختفى عن الأنظار ولم يظهر الزورق المفترض أن يقلهم إلى سواحل أوروبا

جرّب هذا الشّاب، أصيل منطقة العوّانة التّابعة إداريًا لولاية جيجل شرق الجزائر، أن يشتغِل في المطاعم والمقاهي، وفي ورشات البناء، وغيرها من المهن التي فتحت أعينه على أشياء أخرى، بالكاد استفاق من محالة بائسة وها هو يحاول دون استسلام.

اقرأ/ي أيضًا: الهجرة السرية عند الجزائريين.. تِكرار تجارب فاشلة؟

بداية الرّحلة نحو المجهول، كانت برواية قصّة عن تجربة أحد الجيران الذي هاجر في قارب مطّاطي رفقة 25 شابًّا آخرين من ولايات جزائرية مختلفة، نجحوا في تخطّي العقبات، ووصل إلى إيطاليا ومنها نحو فرنسا، وها هو اليوم، تدبّر أمور حياته؛ من عمل يضمن له قوت يومه وإيجاره، ويتوافق في مسيرته.

نجاح تجربة

هذه القصّة ألهمت هشام، وأمثاله كثيرون ممَّن تشبَّثُوا بقصص "الحراق"، وسمِعوا عن أضواء الهِجرة الحالمة ومغريات يومياتها في بلدان ظلّت في نظر الملايين من الشباب البطّال، الحلّ والمهرب لمشاكلهم اليومية، لكنّهم في المقابل استبعدوا العواقب، وظروف الإبحار عبر شبكة سرّية، توفّر لهم الزوارق وتقبِض المال، ثم تختفِي، والحظّ هو من يلعب الدّور في عرض البحر، إمَّا الوُصول إلى الضفة الأخرى، أو الغرق في عرض البحر، أو العودة مكسور الخاطر.

هي الفرضيات والأسئلة التي طرحتها "الترا جزائر" على هذا الجامعي البطّال، وطبعًا هي الفكرة التي وصل إليها آلاف المهاجرين السريّين، بناء على تقارير محلية ودولية، لكنّه لم يبال بها، إذ استغرق وقتًا طويلًا في التحدُّث برغبة جامِحة، ويتخيّل فقط في النتيجة التي يصبو إليها، مركّزا عليها طوال سنوات محاولة الهجرة السرّية التي استمرَّت ثلاثة أعوام وشهرين، كما شدّد على الهدف الرئيس الذي يعتريه، وظلّ يراوده أينما حلّ وارتحل، وأينما اشتغل في أعمال مؤقتة يومية كانت أو موسمية.

فرصة عمل؟

"هنا بولاية جيجل لا أمل في الأفق"، رغم جمال المدينة بمختلف سواحلها، وجبالها وأراضيها الفلاحية، إلا أن الأفق مغلق أمام الآلاف من الشباب، على حدّ تعبيره: "أنا ابن فقير من عائلة زاوالية، لكني لم أُخلق للفلاحة"، هكذا كان المسار الذي عاشه طوال فترة وجوده بالجامعة المركزية بقسنطينة، بعدما غادر منطقته الجبلية، أو مدن أخرى ارتحل إليها بحثا عن عمل.

لم يُفلح في إيجاد وظيفة، تغنيه عن فكرة الهجرة جملة وتفصيلًا، غير أن أمله تكسّر أمام أوّل اختبار له في الحصول على وظيفة رفقة عشرات البطالين، وظلّ يراسل المؤسسات العمومية والخاصة، غير أن النتيجة هي إما عدم الرد على طلبه أو رفض ملفه بحجّة عدم الاختصاص، في النهاية "لا زملك معرفة كبيرة للحصول على شغل في الجزائر".

المحاولة الأولى والثانية

في العام 2015، جمع هذا الشاب أكثر من 350 ألف دينار أي ما يعادل 1500 يورو، لكنّه عاد أدراجه بعد أن انقلب بهم الزورق المطاطي في عرض البحر وتمّ إنقاذهم من طرف حراس السّواحل الشرقية بالطارف، يقول: "لحظتها رأيت الموت ولكن قصّتي مع الحياة بعدها كان أشدّ قسوة من تلك اللحظة".

بعد هذه المحاولة الفاشلة، حاول مجدّدًا ولكنها كانت تجربة أشدّ مرارة، قال إنّ الوسيط الذي أخذ المال بعد حجز القارب المطاطي له لمجموعة من المشرفين على الهجرة، اختفى ولم يظهر الزورق المفترض أن يقلهم إلى سواحل أوروبا، وبقي أربعة أيام في مكان الذّهاب، ولم ترجع الأموال التي سلمها لذلك الوسيط، أردف: "من المبكيات المضحكات أن كثيرين وقعت لهم نفس القصة، ولكنهم يفكّرون في تكرارها".

لازالت فكرة الهجرة تراود الشاب هشام "ألا يقال الثّالثة ثابتة بحول المولى القدير"، فإمكانية نجاح المهمة هي 50 بالمائة، أما الخمسين الباقية هي فكرة ممكنة لكنه يحاول تجاوزها بثبات و"إنها المرة الأخيرة... نعم ممكن الأخيرة، لكن ....".

 غمغم بكلام آخر، وغير مفهوم، كأنه غير متأكّد من أنّها ستكون الأخيرة، لكنه استجمع قوته ليقول: "لن أتوقف عن المحاولة، هناك من شواطئ عنابة والطارف شرق الجزائر أو من مستغانم غرب البلاد، المهم لن أتوقّف عن معانقة هذا الحلم إلى الموت".

شعور الاغتراب

ما البواعث أو الأسباب التي تجعل مثل هذا الشاب الذي يشارف على سنّ الثلاثين أن يتشبّث بالهجرة السرّية؟ ماهي عواقبها خصوصًا أن تجار التهريب على بعد أمتار من السواحل الجزائرية، يقبضون الثمن قبل الرحلة، وبيع زورق مطاطي وانتهت مهمتهم؟

يتّصل فهم هذه الظاهرة، بمشكلات أخرى متعددة الأسباب؛ أهمها الاندفاع الذي يعتري الشبّاب في ركوب المخاطر وتجريب المجهول، دون حساب العواقب، غير أن "بواعثها العميقة تتعلق أساسا بـ "الاغتراب المجتمعي للشباب بعد فقدان أمل المعيشة الطيبة والكرامة".

من هذا المنطلق تحدّث الأستاذ في علم الاجتماع عبد الله بلحي من جامعة وهران غرب الجزائر لـ "الترا جزائر"، يوضّح عن بعض خلفيات تكرار محاولة الهجرة السرية لدى فئة معتبرة من الشباب، بأنها ناجمة عن مشكلات في الصحة النفسية لبعض الشباب، أهمها: "الاغتراب والقلق والاندفاع والمخاطرة، إذ يقع الشباب فريسة للمخاطرة، والتشبث بتكرارها، دون الالتفات لعواقبها".

الحاجة للاستقرار والأمن المادي والتحرّر من قيود الأسرة، هي أيضا من دوافع الهجرة غير الشرعية، كما قال الأستاذ بلحي، لافتًا إلى أن "البحث عن هذه الحاجيات هي دوافع إنسانية حتى وإن كلّفتهم حياتهم".

ليس غريبًا أن يسلُك البعض منهم طريق هجرة سرية محفوفة بالخطر، كما كشف المتحدث مؤكدًا أن استخدام القوارب المطاطية هي الحل الوحيد أمام أيّ شاب أيقن أن تحقيق مختلف رغباته في العيش يكون فقط عبر الانتقال إلى الضفة الأخرى، وفي وقت تصبح بيئته الحالية عبءًا عليه، و"يشعر بأنه مهمّش ومظلوم اجتماعيًا، في المقابل يعيش فكرة الانبهار بالآخر، فتصبح المخاطرة ضرورة ملحّة، وهاجسًا لا يقاوم" على حد قوله.

ما الذي يجعل مثل هذا الشاب الذي يشارف على سنّ الثلاثين يتشبّث بالهجرة السرّية؟

بين ضفتين، يعيش آآلاف الشباب الجزائريين الحالمين بوضع أفضل وبظروف معيشية أحسن من هنا، ولو على ظهر قارب الموت، هكذا يعبّر البعض ومن هذه القناعة بفكّر الكثيرون ممن لم يستطيعوا تحقيق أحلامهم في أرض الواقع الجزائري، إلا أن هناك من اختار المخاطرة مرة ومرتين وثلاث مرّات ربما، أليس الثّالثة ثابتة؟ يغمغم هشام، رغم أن الجنة الموعودة هناك، بدورها محفوفة بمخاطر لم يخبرها هذا الشاب وغيره كثيرون، يرويها البعض رغم استقرارهم اليوم بعد سنوات الخفاء ودون أوراق ومطاردات الشرطة في أوروبا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عودة الهجرة السرّية.. أزمة اجتماعية أم سياسية؟

الجزائر وإسبانيا تبحثان ملف الهجرة السريّة والإرهاب