مانويل تيكسيرا غوميز.. قصّة حبّ لرئيس برتغالي لاجئ إلى بجاية

مانويل تيكسيرا غوميز.. قصّة حبّ لرئيس برتغالي لاجئ إلى بجاية

صورة من فيلم "زوس" عن الرئيس البرتغالي مانويل تيكسيرا غوميز

كثيرٌ من الزائرين لمدينة بجاية الساحلية شرقي البلاد، يقودهم تصميم شوارعها وأحياؤها السكنية التي تعود للحقبة الكولونيالية الفرنسية، مباشرة إلى قلب ساحة أوّل نوفمبر، المعروفة محليًّا باسم "بلاص غيدون"، والمطلّة على ميناء المدينة من مرتفع يُتيح لك مشاهدة البحر من زاوية بانورامية.

استقرّ مانويل تيكسيرا غوميز عشر سنوات في الغرفة رقم 13 بفندق النجمة

هناك، وأنت تتفحّص مباني ومقاهي الساحة الصغيرة وفضاءاتها، لن تُخطيء عيناك مبنى فندق "النجمة"، ذلك الفندق المتواضع من نجمتين، قد لا يكون كذلك إن أردت المبيت فيه، فليست كلّ الغرف متاحة للزبائن. فإن حدث وطلبت المبيت في الغرفة رقم 13، سيعتذر منك عون الإستقبال، لأنّ الغرفة محجوزة على مدار السنة للرئيس البرتغالي مانوير تيكسيرا غوميز، قد يبدو لك الأمر غريبًا، لكنها الحقيقة؛ هناك غرفة رئاسية في فندق من نجمتين.

اقرأ/ي أيضًا: قصر الرومية بالجزائر.. قصة حب ملك أمازيغي

جحيم البرتغال

ترأس مانويل تيكسيرا غوميز البرتغال في فترة امتدت لعامين، من 1923 إلى غاية 1925، لكنّه سرعان ما استقال من منصبه بعد اكتشافه لمحاولات انقلاب وخيانة من طرف رئيس وزرائه، فقرّر تسليم السلطة والابتعاد عن السياسة، اعتزل الرجل الحياة السياسية في بلاده، لكن أنصاره ظلوا مرتبطين به يطالبونه في كلّ مرة بالعودة، ذلك الارتباط الشعبي به، جعله يتلقى تهديدات بالتصفية الجسدية.


مانويل تيكسيرا غوميز

ذات ليلة، اختار الرئيس مانويل تيكسيرا أن يركب البحر ويتّجه نحو الضفة الأخرى من المتوسّط، ساعده بعض مقرّبيه ووفّروا له يختًا، فاختار مدينة بجاية وجهة له، حيث رست سفينته "زوس" على أحد شواطئها، واختار لنفسه غرفة في فندق صغير قريب من منطقة الميناء، لم يكن عمّال الفندق أو سكان بجاية يعلمون أنّ النازل الجديد بالفندق هو رئيس برتغالي هارب من الموت الذي يحاصره في مدينة "بورتيماو".

رواية المنفى..

تقول الروايات التي يتداولها سكّان بجاية، والتي دوّنها مانويل تيكسيرا بنفسه، أنّه لم يكن ينوي أن تكون إقامته في بجاية طويلة، فحين وصل إلى الفندق حجز ليلتين، ثم أسبوعًا، ثم شهرين، لكن القدر كان يخفي قصّة أخرى؛ فقد وقع زعيم الحزب الديمقراطي البرتغالي في حبّ المدينة، وربط علاقات طيّبة بسكّانها الذين كانوا يظنّونه كاتبًا فرنسيًا، فهو كان يقضي جلّ وقته في الكتابة والقراءة داخل غرفته، حتى زاره صحافي برتغالي في منفاه الاختياري، وأخبر عمّال الفندق أن الرجل صاحب اللحية البيضاء رئيس برتغالي سابق.


فندق "النجمة" بمدينة بجاية - الغرفة 13 

استقرّ مانويل تيكسيرا غوميز عشر سنوات في الغرفة رقم 13 بفندق "النجمة"، كان يخرج صباحًا للقيام بجولة يومية في أزقة المدينة، ليعود لغرفته من أجل مواصلة كتابة أعماله، فهو معروف في البرتغال بلقب الرئيس الأديب، حيث كانت جدران تلك الغرفة شاهدة على كتابة ثلاثة روايات، ولم يكن الرئيس يغادر بجاية إلا نادرًا من أجل رحلات داخل الجزائر، من بينها رحلته الشهيرة نحو الصحراء.

 توفي مانويل تيكسيرا غوميز في تلك الغرفة عام 1941 بعد عشر سنوات في بجاية، لم يعد يومًا إلى بلاده، ودُفن في بجاية، ثم نقلت الدولة البرتغالية رفاته إلى مسقط رأسه بمدينة بورتيماو.

القليل من الاعتراف..

يقصد كثيرون فندق "النجمة"، من أجل زيارة الغرفة التي أقام فيها مانويل تيكسيرا غوميز، حيث حوّلها مالك الفندق لمتحف صغير يحوي أغراضه ومقتنياته، غرفة بسيطة متكوّنة من سرير حديدي قديم ، ومرآة منصّبة على الجدار، أمامها مغسلة لليدين، الشيء الجميل في تلك الغرفة أنها تمنح منظرًا جميلًا على الساحة والميناء، لقد صار يأتيها الكتّاب والأدباء والباحثون من الجزائر والبرتغال من أجل تقفي أثار هذا الرئيس الهارب، باحثًا عن سلام أبدي.

في عام 2006، قامت السلطات البرتغالية بالتعاون مع الجزائر، بنصب تمثال نصفي له في ساحة قريبة من الفندق، بحضور وفدٍ رسمي وكذا بعض أفراد عائلته، كما نقلوا رفاته أيضًا كنوع من الاعتراف لرجل ظلمته الدكتاتورية والفاشية في زمن ما في بلاده، وجعلت منه غريبًا منفيًا، كما أن مدينته بورتيماو، جعلت من منزله هناك متحفًا ومركزًا ثقافيًا، وأطلقت جائزة وطنية في الأدب والتاريخ تحمل اسمه.


نصب تذكاري للرئيس البرتغالي تيكسيرا غوماز بمدينة بجاية

يدور فيلم "زوس" من إنتاج جزائري برتغالي مشترك حول حياة الرئيس البرتغالي مانويل تكسيرا

لعلّ الاعتراف الأكبر، كان إنتاج فيلم عن حياة مانويل تيكسيرا في بجاية، حمل الفيلم اسم "زوس"، وهو اسم السفينة التي أتت به إلى هذه المدينة الجزائرية دون رجعة، كان الفيلم ثمرة تعاون مشترك جزائري- برتغالي، أوكلت مهمّة الإخراج  للمخرج البرتغالي باولو فيليب مونتيرو، وعرض الفيلم لأول مرّة في أوبرا الجزائر، بحضور السفير البرتغالي وأسماء أخرى من السلك الدبوماسي، يُحاكي الفيلم وقائع حقيقة، لقصة حبّ لازالت تجمع روح مانويل غوميز بزوايا ساحة أوّل نوفمبر، فطيفه مازال هناك، يحلّق تمامًا بين التي كتبه التي لازالت على طاولة الغرفة رقم 13.

 

اقرأ/ي أيضًا:

على درب الحلم الأوروبي.. قصة جزائري عائد من الموت

غابرييل غارسيا ماركيز.. يوم كان جزائريًا