أدوية مفقودة في الجزائر.. هل هي أزمة مفتعلة؟

أدوية مفقودة في الجزائر.. هل هي أزمة مفتعلة؟

مهنة الصيدلة مهدّدة بالتراجع بسبب تسقيف هامش الربح (أ.ف.ب)

على رغم كلّ المجهودات التي بذلتها الحكومات السابقة، بهدف تغطية حاجيات السوق الوطنية من الأدوية والمواد الطبيّة، لا زال كثير من الجزائريين يعتمدون على الأقارب والأصدقاء من خارج البلاد، بهدف الحصول على بعض الأدوية غير المتوفّرة في السوق المحليّة.

المضاربة أدت إلى اختفاء بعض الأدوية من رفوف الصيدليات في الجزائر

يُقدّر رقم أعمال السوق الجزائرية للأدوية بـ 3.8 مليار دولار سنويًا، يغلب عليها الإنتاج المحلّي بنسبة 55 في المائة، وقد بلغ حجم الواردات خلال السنوات الأربع الأخيرة حوالي أربعة ملايير دولار، ورغم كلّ هذه الأرقام المسجّلة، يعرف سوق الأدوية ندرة كبيرة في بعض الأدوية، بلغ عددها 224 دواءً، نجد أنّ ثلثيْ هذه الأدوية متعلّق بأمراض مزمنة، بحسب نائب رئيس النقابة الوطنية للصيادلة شفيق رحيم.

اقرأ/ي أيضًا: الصحة.. صداع المواطن الجزائري

المضاربة في السوق

تتضارب التفسيرات حول نفاد بعض الأدوية من السوق الجزائرية، هنا يوضّح الصيدلي سمير لفقوم، في حديث إلى "الترا جزائر"، أنّه من بين أسباب اختفاء بعض الأدوية من رفوف الصيدليات، يعود إلى عامل المضاربة لدى بعض الموزّعين، حيث يعمدون على إحداث انقطاعات في توزيع بعض الأدوية بين الفيْنة والأخرى، قصد المضاربة، بعدها يشترطون على الصيدلي شراء بعض المواد الطبيّة أو المكمّلات الغذائية مقابل تزويده بالأدوية المفقودة في السوق، ويسمّى هذا الأسلوب في التعامل بـ"vente concomitant"؛ الأمر الذي يدفع ببعض الصيادلة إلى الاستغناء عن الأدوية التي يتزايد عليها الطلب. يضيف المتحدّث.

من جهته، يُشير مندوب مبيعات أحد المخابر الأجنبية (رفض الكشف عن هويّته)، في حديث إلى "الترا جزائر"، أنّ اختفاء بعض الأدوية، يخلق مخاوف لدى المريض ويؤثّر عليه نفسيًا، وهو ما يدفعه لاقتناء كميّة كبيرة من الأدوية التي تعرف ندرة في السوق، أو يطلب من الطبيب، توصيف علب دواء إضافية وتمديد فترة العلاج في الوصفة الطبيّة، خاصّة من طرف المصابين بأمراض مزمنة. على حدّ قوله.

 يستطرد المتحدّث، أنّ هذه السلوكات، تخلط أوراق التوقّعات المسطّرة من طرف وزارة الصحّة، مستشهدًا بدواء "فوتلين"، الذي سجّل ندرة خلال السنوات السابقة، لكنّه الآن متوفّر في الصيدليات، وقد لاحظ الصيادلة أن المرضى قاموا باقتناء كميّات زائدة عن حاجتهم احتياطًا، وترتّب عن الأمر، نفاذ المخزون الاحتياطي الوطني. على حدّ تعبيره.

تفعيل الوكالة الوطنية

لتفادي نقصّ الأدوية في السوق، كلّفت وزارة الصحّة في مارس/ آذار سنة 2008، بتأسيس وكالة وطنية للمواد الصيدلانية، تعمل على ضبط ومراقبة سوق الأدوية. ولاقى تفعيل هذه الوكالة مؤخّرًا، بقرار من وزير الصحّة محمد ميراوي، استحسان مختصّين في المجال، إذ اعتبر الإجراء خطوة سليمة لتنظيم السوق الدوائية في الجزائر، عبر إلحاق المخبر الوطني لمراقبة المنتجات الصيدلانية، ابتداءً من سنة 2020، وتمكين الوكالة من الموارد البشرية والنصوص التطبيقية، وإعادة النظر في الوضع القانوني للوكالة، وإسناد مهام التسجيل والموافقة إليها، تنظيم وضبط السوق، التوزيع والتخزين، بدل الاعتماد على مديرية الصيدلة، التي أبانت عن محدوديتها.

في مقابل ذلك، تساءل متابعون، عن أسباب التأخّر في التنصيب الرسمي للوكالة، بعد قرار الحكومة منذ ما يزيد عن عشر سنوات من إنشائها، رغم أنّ الوكالة تمتاز عن مديرية الصيدلة، بأنّها تضمّ كل الفاعلين في القطاع الصيدلي، من بينهم ممثّلين من وزارة الصحّة ونقابة الصيادلة، ومنتجي ومستوردي الأدوية، ويتمّ تعيين رئيس للوكالة بمرسوم رئاسي.

تسقيف الأسعار

سياسية تسقيف الأسعار من طرف وزارة الصحّة، هو من بين فجوات القطاع المثيرة للجدل، حيث دفعت هذه السياسة، ببعض منتجي وصناعة الأدوية إلى التهرّب من إنتاج بعض المواد الصيدلانية، بسبب تكلفة المنتوج المرتفعة، مقارنة بالسعر المحدّد من طرف الوزارة الوصية.

 يستشهد الصيادلة على ذلك بدواء "فيتامين D"، الذي يعرف طلبًا متزايدًا وتذبذبًا في الأسعار، فمصانع الأدوية لا تنتج الدواء، بسبب أنّ المواد الأولية لتصنيعه، أعلى تكلفة من سعر المنتج المحدّد في السوق، وقد سبق لرئيس الاتحاد الوطني للصناعة الصيدلانية عبد الواحد كرار أن تطرّق للموضوع، حيث اعتبر أن سياسية التسقيف، تؤدّي إلى تخلّي منتجي الدواء على توفير منتوجات متنوّعة، وقد ترتّب عن ذلك تشبّع السوق ببعض الأدوية بدل التنويع وتوسيع الإنتاج لمواد أخرى. على حدّ قوله.

من يتحمّل المسؤولية؟

في سياق آخر، يُعاب على بعض المنتجين، الاعتماد على موزّع واحد في تسويق منتجاتهم، ويترتّب على هذا الخيار؛ نوع من الاحتكار وعدم الشفافية في التوزيع، حتى وإن كان القانون لا يفرض على المنتج تنويع الموزّعين، إلا أن هذا التعامل يسبّب ندرة في بعض المواد، وجدير بالذكر، أن الحكومة قدّمت امتيازات للمتعاملين في قطاع صناعة الأدوية، قصد تمويل السوق بشكل قانوني وشفاف، وبالتالي من حقّ السّلطات التدخّل أيضًا لضمان كيفية التوزيع والتخزين إذا ما سُجّل أي خلل في التمويل.

يبدو أن مسؤولية بعض الأطباء، لا يمكن استثناؤها من مشكلة نُدرة الأدوية في الجزائر، حيث توجد قطيعة بين القطاع الطبّي وسوق الأدوية، وكثيرًا ما يتسبب الأطباء في توجيه المريض إلى أدوية قد تكون غير متوفّرة في السوق، أو تشجيعهم على استهلاك منتجات محدّدة، مثل إرشادهم إلى استهلاك المنتج الفرنسي على حساب المنتج المحلّي، بترويج فكرة أنّه أحسن جودة وأكثر فاعلية.

 مهنة الصيدلة مهدّدة بالتراجع بسبب تسقيف هامش الربح إلى حدود 20 في المائة

يُشير بعض الصيادلة الذين تحدّثت إليهم "الترا جزائر"، أنّ مهنة الصيدلة مهدّدة بالتراجع بسبب تسقيف هامش الربح إلى حدود 20 في المائة، وتراجع رقم أعمال الصيادلة، يضاف إلى كلّ هذا، تزايد تكاليف صناعة الأدوية، وارتفاع الرسوم، ما يدفع الصيدلي إلى ممارسة أنشطة أخرى، قصد التخفيف من الأعباء.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

لقاحات الأطفال القاتلة تهز قطاع الصحة في الجزائر

قريبًا.. الإجهاض مباح قانونيًا في الجزائر؟