إدوارد سعيد قارئًا تاريخ الرواية العربية

إدوارد سعيد قارئًا تاريخ الرواية العربية

يرى إدوارد سعيد أن قراءة رواية ما لا تكون في معزل عن التراث الروائي ككل (Getty)

في دراسته "النثر والنثر القصصي العربيان بعد 1948"، اشتغل الناقد الفلسطيني إدوارد سعيد على الرواية العربية الحديثة. في البداية، كتب مدخلًا تمهيديًا حول مفهوم الأصالة في الرواية، فهو يرى في البداية أنّ قراءة الرواية عملية معقدة، وفي نفس الوقت ذات طبيعة مُقارنة. ويُرجع هذه الطبيعة المُقارنة إلى أنّ الروايات جميعًا تنتمي إلى عائلة، ويشترط على قارئ الرواية أن يقرأ أيضًا هذه العائلة المعقدة.

يذهب إدوارد سعيد إلى أن الأدب في كليّته هو نسخة من شيء ما، ويعرف الأصالة بأنها "فن إعادة تركيب المألوف"

قراءة رواية ما، لا تكون في معزل عن التراث الروائي ككل، ومن هنا، يكون مدخل الإشكال، حين يتعلق الأمر بالروايات غير الأوروبية، وتحديدًا الرواية العربية؛ فهل تمثّل هي الأخرى شكلًا من المُحاكاة؟ أم هي أعمال ذات أصالة؟ هل تنتمي الرواية العربية إلى التقليد الروائي الأوروبي؟ إلى أيّ تاريخية تنتمي الرواية العربية؟

اقرأ/ي أيضًا: "جدل الثقافة".. النقد في مواجهة أسئلة الكولونيالية وما بعدها

يذهب إدوارد سعيد إلى أنّ الأدب في كليته هو نسخة من شيء ما، ويعرّف الأصالة بهذا التعريف المُربك: "الأصالة في واقع الأمر هي فنّ إعادة تركيب المألوف". بتعبير آخر، الأصالة هي تنويع على تراث سابق، فالروايات لا تحاكي الواقع التاريخي فحسب، بل تحاكي غيرها من الروايات، لاسيما تلك التي تمثل روايات تأسيسية، تحوّلت إلى مؤسسات.

إدوارد سعيد
يعرف إدوارد سعيد الأصالة بأنها "فن إعادة تركيب المألوف"

هذا، إذا تعلّق الأمر بالنسبة للرواية الأوروبية التي تمتلك تراثًا روائيًا، أما الرواية العربية، حيث الرواية كفن يمثل شكلًا فنيًا جديدًا ودخيلًا، فهي بلا أسلاف تنتمي إليهم.

الرواية وتطور التاريخ

كانت الرواية الأوروبية نتاج تطور وانتصار الطبقة الوسطى، وهي الشكل الفني الأشد ارتباطًا بالزمن، وبالظروف، والأكثر كونية.

غير أن الناقد والمفكر إدوارد سعيد، ميّز بين التاريخ في الرواية، وبين تاريخ الرواية، معتبرًا إياهما شيئان مختلفان.

التاريخ في الرواية

ينطلق من المبدأ التالي: كل روائي هو ابن زمنه، يكشف عن وعي بزمنيته التي يتقاسمها مع الجماعة ضمن ظروف تاريخية. والرواية، رغم طابعها المتفرد، فهي في ذاتها تمثل واقعًا تاريخيًا. في حين أنّ السرد هو الطريقة التاريخية.

فالفرق بين ماركس في كتابه "الصراع الطبقي في فرنسا"، وبين فلوبير في روايته "التربية العاطفية"، هو فرق في نمط السرد المُدمج في داخل السرد. فعلى الرغم من أنّ موضعيهما هو ثورة 1848، إلا أنّ عمل ماركس ينتمي إلى النمط التحليلي، وإلى المناظرة الجدالية، أما عمل فلوبير فينتمي إلى تقليد الرواية.

يقول إدوارد سعيد إنه "من المستحيل أن يتجاهل الروائي تاريخ الشكل وتقليده"، أي الكتابة لأجل تعزيز مؤسسة الرواية. لتتأسس من خلال هذا التعزيز العائلة الروائية الضخمة.

أما بالنسبة للرواية العربية، فوضعها مختلف، لأن أسلافها من أشكال القص التقليدي، لم تتمكن من أن تتحول إلى مؤسسة أدبية، إضافة إلى الاختلاف في طبيعة الرؤية بين السرد الأوروبي وبين السرد العربي الإسلامي. 

ينظر السرد الأوروبي إلى الواقع على أنه غير مكتمل وإشكالي، في حين أن السرد العربي الإسلامي انبنى على أن الواقع كامل وموجه إلهيًا.

ومن هذا التحليل الذي يضيئه سعيد، نفهم أن الرواية الأوروبية في حالة تشكل مستمر، ويعاني أبطالها من قلق وتوتر ومن إحساس بأنهم غرباء في العالم. وهذا في ذاته يفتح الرواية على المستقبل، عكس السرد صاحب الرؤية الكاملة والمنتهية والموجه من قبل قوة فوقية.

إدوارد سعيد
ميز إدوارد سعيد بين تاريخ الرواية والتاريخ في الرواية باعتبارهما شيئان مختلفان

ستحتاج الرواية العربية إلى ما يزلزل واقعها، ويفككه حتى تجد شرعية بناء أسلوب وشكل روائيين. وهذا هو واقع الرواية العربية، إذ يلاحظ إدوارد سعيد بأنّ الرواية العربية خضعت لتحولات متعددة ولافتة، أنتجت روائيين ونقاد، وأفرزت أساليب في الكتابة الروائية.

ومع كل هذا، ظلت هذه الروايات مجهولة وغائبة في المشهد الروائي والنقدي العالميين، وهو تغييب مقصود، أرجعه سعيد إلى أنّ "الهاجس الغربي الحاكم إزاء العرب ينحصر أو يكاد، بكونهم مشكلة سياسية".

الرواية العربية ما بعد 1948 وما بعد 1967

شكّلت هذه الفترة، أي ما بعد 1948 ثم ما بعد 1967، مرحلة تاريخية مميزة بالنسبة للخيال الروائي، وكانت أيضًا بمثابة مرحلة تكوينية أساسية للرواية العربية.

ينظر السرد الأوروبي إلى الواقع على أنه غير مكتمل وإشكالي، بينما السرد العربي الإسلامي انبنى على أن الواقع كامل وموجه إلهيًا

يقول إدوارد سعيد: "إلا أنني أعتقد أنّ العرب الذين كتبوا روايات ومسرحيات وشعر وتاريخ وفلسفة، وجدال سياسي، وغيره، قد اضطلعوا بمشروع بطولي في جوهره، مشروع تحديد هوية الذات والصراع من أجل تعليمها، لا يوجد ما يضاهيه على هذا الصعيد منذ الحرب العالمية الثانية".

 

اقرأ/ي أيضًا:

رسائل إدوارد سعيد إلى صادق جلال العظم

بين إدوارد سعيد والمسيري.. تأملات في فقد الحرية