13-مارس-2023
العملات الأجنبية (فيسبوك/الترا جزائر)

مبلغ مالي بالدينار الجزائري والدولار الأمريكي (فيسبوك/الترا جزائر)

انخفضت العملة الوطنية الجزائرية مجدّدًا مقابل العملات الأجنبية، وبالخصوص أمام اليورو بعد ارتفاع لم يدم سوى أشهر معدودة، رغم وعود قدمتها الحكومة في وقت سابق تتعلق برفع قيمة الدينار للحفاظ على القدرة الشرائية للجزائريين، فما أسباب هذا الارتفاع رغم تحسن قيمة الصادرات الجزائرية سواء النفطية أو غيرها؟

فتح المجال أمام استيراد السيارات وعودة رحلات العمرة والحج، والتنقل الخارجي بعد جائحة كورونا، وغيرها من العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت في ارتفاع قيمة اليورو

في هذا السياق، تشير التقارير الرسمية للسنة الماضية وجود فائض في الميزان التجاري، إلا أن ذلك لم ينعكس على قيمة العملة الوطنية التي تظل في مستويات متدنية مقارنة بقيمتها التي كانت تسجل في بداية الألفية الحالية أو نهاية الألفية السابقة، حيث انعكس انخفاض قيمة الدينار على الأسعار بشكل كبير، خاصة أن الاستيراد يمس كل القطاعات الحيوية في البلاد.

ارتفاع رسمي

تظهر أسعار صرف العملات الأجنبية التي ينشرها البنك الوطني الجزائري المركزي على موقعه الإلكتروني الارتفاع المسجل في قيمة العملة الأجنبية مقابل الدينار الجزائري، فقد وصل سعر شراء اليورو الواحد إلى  144,18 دينار، والبيع بـ153.04 دينار لليورو الواحد.

ويتوافق هذا الارتفاع مع الانتعاش الذي يحققه اليورو في السوق الدولية مقابل الدولار، بعد التهاوي الذي سجل مع بداية الخريف الماضي، ووصل سعر اليورو مقابل الدولار الى مستوى 1.0714 قبل أسبوع، فيما كان قد حقق مكاسب وصلت حتى 1.0804 ، وذلك رغم الارتفاع الذي حققته العملة الأميركية في الأيام الأخيرة، بعدما انخفض مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة بأقل مما كان متوقعًا في يناير عندما جاءت وتيرة نمو الأسعار الإجمالية عند 6.4٪ ، بانخفاض من 6.5٪ سابقًا، وأعلى من 6.2٪ المتوقعة بالإجماع ، في حين أن معدل التضخم الأساسي انخفض بمقدار 10 نقطة أسس فقط. عند نقطة 5.6٪.

وهبط سعر الدولار في التعاملات الرسمية الجزائرية إلى أقل من 140 دينار، حيث بلغ سعر الشراء إلى 134.3 دينارا للدولار الواحد، والشراء توقف عند 142.5 دينار.

وفي أيلول/سبتمبر الماضي، أظهرت أسعار الصرف للأوراق النقدية وشيكات السفر بالدينار الجزائري التي ينشرها البنك الجزائري المركزي أسبوعيا تراجع قيمة اليورو في التعاملات الرسمية، فقد بلغ سعر شراء اليورو الواحد 138.42 دينار، والبيع وصل إلى 146.92 دينار.

وكان الدينار الجزائري قد شهد انخفاضًا قياسيًا مقابل اليور في 2020، عندما وصلت قيمة صرف اليورو الواحد في التعاملات الرسمية إلى 160.32 دينار للشراء، و160.39 دينار للبيع، مستفيدًا بذلك من انتعاشه العالمي، ومن التخفيضات المستمرة لقيمة العملة الجزائرية في قوانين المالية بسبب انكماش الاقتصاد جراء تهاوي أسعار النفط والإغلاق العالمي بسبب جائحة كورونا.

وارتفعت قيمة العملة الأوروبية مقابل الدينار بشكل قياسي بداية من 2014 حينما كان سعر اليورو الواحد  عند البيع عند 105 دنانير فقط، وذلك بعد أن فضلت حكومة الوزير الأول الأسبق أحمد أويحيى، القابع اليوم في السجن، التوجه إلى طبع النقود لمواجهة الأزمة المالية التي مرت بها البلاد جراء الفساد الذي عم مختلف مؤسسات الدولة وقتها.

التهاب

إذا كان الارتفاع المسجل في سعر العملة الأوروبية في السوق الرسمية لم يصل إلى الأرقام المسجلة في 2020، فإن الأمر مختلف في السوق الموازية، إذ بلغت أسعار اليورو مستوى لم تسجله من قبل، بعد أن وصل سعر شراء اليورو  الواحد حتى عتبة 230 دينار، والشراء تجاوز 225 دينار، وهي أرقام لم تسجل حتى لما كان سعر اليورو في التعاملات الرسمية يفوق 160 دينارا، وفق تصريحات بائعي العملة في السوق الموازية.

ويبقى  الارتفاع المسجل في قيمة اليورو في السوق الموازية هذا الأسبوع أقل مما كان عليه الأسبوع الماضي، بحسب شهادات بائعي العملة، إذ تم تجاوز 230 دينارًا لليورو الواحد، وذلك بسبب الارتفاع المسجل في قيمة الدولار هذا الأسبوع الذي جعل الورقة الخضراء تتداول في السوق الموازية الجزائرية بـ209 دينار للدولار الواحد بعدما نزلت في الأيام الماضية حتى عتبة 200 دينار.

ويساهم عدم وجود سوق صرف رسمية منظمة في الجزائر، عدا تلك الموجودة بالبنوك التي لا تبيع العملات إلا بمبالغ محدودة وفي حالات معينة مبررة، السبب الرئيس في عدم تناغم قيمة العملة الأوروبية في التعاملات الرسمية مع السوق السوداء، وهو ما يجعل هذه الأخيرة المفضلة للجزائريين لبيع مبلغهم من العملة الصعبة بالنظر للفارق بين السوقين الذي يقارب حاليًا 80 دينارًا.

احتكار العملة الأجنبية

يظهر التقلب الذي يطبع سعر اليورو مقابل الدينار أن كل الوعود التي أطلقتها الحكومات المتعاقبة للقضاء على السوق الموازية للعملات الأجنبية، تظل مجرد خطابات لم تلق يومًا طريقها للتنفيذ، ليبقى المواطن هو من يدفع فاتورة هذه الفوضى التي تعكس جانبا من ضعف الجهاز البنكي والمالي الجزائري.

ورغم تعدد الأسباب لارتفاع اليورو من جديد مقابل الدينار، إلا أن أهمها هو عدم تنفيذ الحكومة وعودها المتعلقة برفع قيمة الدينار، إضافة إلى ذلك احتكار اليورو في البنوك الجزائرية وعدم طرحه للمواطنين الراغبين في السفر إلى الخارج، حيث لا تتجاوز قيمة المبلغ الممنوح للشخص المسافر إلى الخارج 80 دولارًا في السنة، وهي قيمة مالية صغيرة جدًا مقارنة بدول الجوار مثل تونس والمغرب، حيث تتراوح ما بين 3000 و4000 آلاف يورو في السنة.

إلى هنا، قال الرئيس تبون شهر أيلول/سبتمبر الماضي على هامش افتتاح أشغال لقاء الحكومة بالولاة إن البنك العالمي اعترف بوجود مؤشرات إيجابية لرفع قيمة الدينار الجزائري، مضيفًا أن الجزائر بدأت في مرحلة رفع قيمة الدينار .

وأضاف أن رفع قيمة الدينار كانت من الوعود التي وعدت بها الدولة في مرحلة من المراحل، لكن يبقى المشوار طويلًا لكي يتم إصلاح "الكارثة الاقتصادية والمالية التي كانت من قبل، خصوصًا أن العملة كانت تسحب بدون مقابل، وهو الأمر الذي خلق تضخمًا كبيرًا".

وكانت الحكومة تسعى لرفع قيمة العملة الوطنية للتقليل من آثار ارتفاع أسعار مختلف السلع والخدمات المتأثرة بالتطورات العالمية، وبالخصوص بعد جائحة كورونا، بهدف المحافظة على القدرة الشرائية للمواطن، بالنظر إلى أن ارتفاع قيمة اليورو سينعكس سلبًا على الجزائريين، كونه سيرفع قيمة المواد المستوردة من أوروبا، والتي تعد ولا تحصى بالنظر إلى أن 50 % من المبادلات التجارية الجزائرية تتم مع القارة العجوز.

رغم أن التقارير الرسمية تشير إلى وجود فائض في الميزان التجاري، إلا أن ذلك لم ينعكس على قيمة العملة الوطنية

من المؤكّد،  أنه لا يمكن إغفال عمال فتح المجال أمام استيراد السيارات وعودة رحلات العمرة والحج، والتنقل الخارجي بعد جائحة كورونا، وغيرها من العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت في ارتفاع قيمة اليورو أمام الدينار من جديد، وبالخصوص في السوق الموازية، إلا أنها في الوقت ذاته تبقى  مجرد عوامل ثانوية لو تخلصت البلاد من اقتصاد الريع البترولي ونظمت سوق العملات والصرف، ووضعت حدًا للأموال المتداولة خارج الأطر القانونية.