09-أبريل-2023
مقبرة الحركى

(الصورة: GETTY)

كانت صدمة مليكة تابتي كبيرة وهي تسير فوق قطعة أرض في منطقة سان موريس لاردواز الفرنسية، والتي دفنت بها أختها الرضيعة التي توفيّت عام 1963، مقبرة كانت في سجلّات النسيان لمدة 60 عامًا واكتشفت مؤخرًا عن طريق حفريات في المنطقة.

مقبرة جماعية

"لقد دفنت هنا، في مكان ما"، تُشير مليكة في حديث لوكالة "فرنس برس" ، وهي "تُواجهُ" لأول مرّة ما كان مقبرة مؤقتة لأطفال الحركى حيث دُفنت أختها الرضيعة في ذلك الوقت. تضع باقة من الزهور بلطف على زقاق من القبور يبلغ طوله عشرات الأمتار، مغطاة بالتراب، ومحددة بأعمدة حيث تم تعليق العديد من لعب الأطفال من طرف أهالي الضحايا.

طفت هذه المقبرة السرّية إلى سطح المشهد الفرنسي، مُثيرة جدلًا جديدًا عمّا تصفه الأوساط الرسمية الفرنسي بـ"مأساة الحركى الجزائريين" بعد الاستقلال، ففي 20 آذار/مارس، تم اكتشاف هذه المقبرة المؤقتة لعشرات الأطفال الذين لقوا حتفهم في معسكرات الحركي المجاورة في أوائل الستينيات.

وتقع المقبرة على أرض عسكرية في جارد جنوب شرق فرنسا، وتم اكتشافها بفضل أعمال التنقيب التي قام بها المعهد الوطني للبحوث الأثرية الوقائية.

وقامت السلطات الفرنسية بإجراء هذه الحفريات غير المسبوقة بعد الكشف عن وجود هذه المقبرة في تحقيق لوكالة فرانس برس عام 2020 والعمل الدؤوب للجمعيات المحلية التي كانت تُناضل من أجل أن تظهر الحقيقة حول هذه المأساة الإنسانية.

وتعود الأبحاث عن هذه المقبرة الجماعية إلى عام  1979 حيث اكتشفت نادية غوافرية، وهي ابنة أحد الحركى الجزائريين اللذين التحقوا بفرنسا بعد الاستقلال في الأرشيف تقرير للدرك الفرنسي والذي يشهد على علم السلطات بوجود هذه المقبرة ، لكنها لم تبلغ أهالي الضحايا عمداً، حيث كشف ذات التقرير عن وجود 71 اسمًا، 10 بالغين و 61 طفلاً.

مقبرة الحركى

جراح التاريخ

في 2015 تم تكليف المؤرخ عبد الرحمن مومن من طرف المكتب الوطني للمقاتلين وضحايا الحرب بالعثور على قبور حركى بمخيم ريفسالت في فرنسا، حيث يعتبر العثور على مقابر الأطفال اللذين دفنوا في الستينيات مهمًّا قبل كل شيء للعائلات، "إنها بحاجة إلى إجابات، أحد عوامل عنف حرب الجزائر حتى اليوم هو عدم وجود إجابات وعدم اليقين الدائم وعدم معرفة العائلة للمكان الذي دفن فيه ابنها".

وأبرز المتحدث في إفادة لـ"فرنس برس" إن "مخيم سان موريس لاردواز شهد ارتفاع لنسبة لوفيات الرضع، وقد فتح في 1962 لاستيعاب 400 شخصًا لكنه استقبل خمسة آلاف شخص بينهم عدد من العائلات الكبيرة وهو ما يفوق قدرته الاستيعابية، لقد تم حشدهم في خيام في البداية".

وأضاف: "شكل الأطفال دون سن الثانية ثمانون بالمئة من الوفيات بين نهاية 1962 ونهاية شتاء 1963، هؤلاء توفوا بسبب المرض والموت المفاجئ وفقر الدم والضعف وكثير منهم عند الولادة".

وحسبه، فإن هذا الاكتشاف يُثبتُ "مأساة هذا الوصول المؤلم والقاسي والعنيف لهذه العائلات من الجزائر إلى مخيمات الحركى، أين كانت تعيش في ظروف فوضوية، عدد كبير من وفيات الأطفال مرتبط بالظروف المعيشية في المخيمات والتوتر وعواقب العنف النفسي الذي واجهته النساء".

مقبرة الجركى 1

"مأساة الحركى"

أكد تقرير سابق للباحث الفرنسي المتخصص في حرب الجزائر بيار دوم، أنه "من بين 90 ألف حركي وصلوا إلى فرنسا في عام 1962، توزّع النصف دون أن تعرف هوياتهم في مناطق عدة، والنصف الآخر احتُجز في معسكرات في ظروف معيشية مهينة، حرمان من الحرية وعزل عن المجتمع الفرنسي وتعليم سيء الأطفال، ورعاية طبية مزرية وعنصرية من الحراس".

ويتناغم تصريح دوم، مع كلام مماثل للوزيرة المنتدبة المكلفة بشؤون الذاكرة وقدامى المحاربين، جينيفيف داريوسيك، التي قالت إن "ظروف حياة الحركى في فرنسا بعد نهاية ثورة التحرير الجزائرية صفحة قاتمة لفرنسا"، كاشفةً أن "نحو نصف الحركى الجزائريين تم ترحيلهم إلى مخيمات وضِياع أنشأت خصيصًا لهم".

مقبرة الحركى 2

وفي عام 2021، صادق نواب البرلمان الفرنسي على مشروع قانون للاعتراف بالحركى الجزائريين وطلب "الصفح" منهم وتخصيص تعويض مالي لهم.

ويعترف القانون الذي سنّه الرئيس ماكرون بظروف الاستقبال غير اللائقة لـ 90 ألف من الحركى وعائلاتهم الذين فروا من الجزائر بعد استقلالها، كما يشمل التعويض الحركى السابقين وزوجاتهم الذين استقبلوا بعد عام 1962 في ظروف غير لائقة، وكذلك أطفالهم الذين جاؤوا معهم أو ولدوا في فرنسا.