الإعلام وإبداعات الشباب.. بحث عن جمهور جديد أم مواكبة لسياسة السلطة؟

الإعلام وإبداعات الشباب.. بحث عن جمهور جديد أم مواكبة لسياسة السلطة؟

المبتكر الجزائري سفيان دحو (فيسبوك/الترا جزائر)

 

أصبحت ملفات إبداعات الشباب وغيرها من القضايا المتعلقة بهذه الفئة العمرية، يستأثر بحيز من الاهتمام داخل المؤسسات الإعلامية الجزائرية، مقارنة بما سبق، ما جعل البعض يتساءل إن كان الأمر يتعلق ببحث هذه المؤسّسات عن استقطاب شريحة يُقال إنها لا تهتم كثيرًا بوسائل الإعلام التقليدية ولا تتابعها حتّى الثقيلة منها، أم أن هذه الخطوة مبنية على التماشي مع سياسة السلطة الحالية التي تقول إن اهتمامات الفئات الشابة في صلب انشغالها؟.

ظلّت الجوائز الرسمية الخاصّة بإبداعات الشباب خاصّة جائزة "رئيس الجمهورية" مهتمّة بمجال الفنون فقط

ورغم أن الجزائر بلد يشكل فيه الشباب أكثر من 70 بالمائة من العدد الإجمالي لعدد السكان، إلا أن نظرة الإعلام خاصّة الرسمي منه ظلت تحصر إبداعات الشباب في إطار الفنون أو إطار "الصورة الفلكورية" كما يطلق عليها البعض، وظلّت الجوائز الرسمية الخاصّة بإبداعات الشباب خاصّة جائزة "رئيس الجمهورية"، تمنح التتويجات على مدار سنوات منذ انطلاقها في 2007، لإبداعات الشباب في الشعر والرواية والموسيقى والرقص المعاصر والمسرح والسينما وغيرها من الفنون، دون الاهتمام بمجال إبداعاتهم في التكنولوجيا والرقمنة والذكاء الصناعي.

اقرأ/ي أيضًا: وزارة الاتّصال تهدّد وسائل الإعلام بسبب أرقام كورونا

اهتمام جديد

يظهر التغير في الاهتمام بالشباب في وسائل الإعلام الرسمية، بتأسيس قناة "المعرفة" على التلفزيون الجزائري، حتى وإن كانت قد سرّع تأسيسها الظروف الذي فرضتها جائحة كورونا، إضافة إلى قناة "الذاكرة" التي من شأنها أن تساهم في ربط الشباب بتاريخهم والاعتزاز به، وهي صورة تعاكس السياسة الإعلامية الرسمية الجديدة التي كانت تتوجه سابقا لربط الشباب بكل ما هو ترفيهي، فأسست سابقًا إذاعة "جيل آف آم" التي حصرت اهتمامات الشباب بنسبة كبيرة في الاستماع للموسيقى خاصة طابع الراي والأغاني الغربية، وقبلها بسنوات كان تأسيس البهجة التي تميل هي الأخرى بدرجة أكبر للجانب الترفيهي على التثقيفي والتعليمي.

وما يؤكّد النظرة السابقة للسلطة بشأن المحتوى الإعلامي هو البث المحدود للإذاعة الثقافية وجامعة التكوين المتواصل وإذاعة القرآن الكريم، التي وعد المدير العام الجديد للإذاعة الوطنية برفعها لتكون طيلة ساعات اليوم.

وانعكست النظرة الجديدة في التلفزيون العمومي بداية بتغيير الواجهة المتمثلة في المذيعين، بالتخلص من المنشطين القدامى، ومنح الفرصة لوجوه شبابية همشت لفترات طويلة، إضافة إلى المحتوى المقدم الذي أصبح يعطي أهميّة لإبداعات الشباب.

وفي المؤسّسات الإعلامية الرسمية، يمكن ربط ذلك بتوجه السلطة الحالية التي تحاول تسويق صورة اهتمامها بالشباب من خلال تعيين وزراء منهم في الحكومة، واستحداث وزارات مهتمة بمبادرات الشباب كالمؤسّسات الناشئة والمتوسطة، ورياضة النخبة.

في هذا السياق، أصبح الاهتمام بمبادرات الشباب أيضا ضمن الأطباق الأساسية التي تحرص وسائل الإعلام الخاصة الثقيلة على تقديمها للجمهور، فالاختراعات التي يقوم بها  الشباب والمسابقات التي يحققون نجاحًا فيها، كثيرًا ما شكلت مادة صحفية تهتم بها القنوات التلفزيونية الخاصة.

ظروف خاصّة

يأتي تصاعد الاهتمام بالمواهب الشابة ومبادراتها، في ظروف لم يكن لوسائل الإعلام أيّ خيارات أخرى،  بداية من جائحة كورونا التي كان للفئات الشابة دورًا بارز من خلال العمل التحسيسي والتوعي بخطورة الوباء، وضرورة الالتزام بالتدابير الوقائية، إضافة للعمل الخيري الذي ساهم في مساعدة العائلات الفقيرة والعمال الذين تضرّروا من تبعات الجائحة، وصولًا إلى الورشات التي افتتحها الشباب والجامعيون، لصناعة المعقمات والكمامات وأجهزة التنفّس.

هنا، ساهمت جائحة كورنا في رفع الستار عن عديد المواهب الشابة في مجال الاختراعات، سواءً في مجال التكنولوجيا أو ميدان الطب والتصنيع، والتي حاولت وسائل الإعلام بمختلف أنواعها تسليط الضوء عليها بالنظر إلى أنها كانت الحل المحلّي الممكن للوضع الذي وضعت فيه الجائحة الجزائر، في انعدام أو صعوبة الحصول على حل مستورد، فظهر شباب متفوّقون في مجال التطبيقات الإلكترونية وصناعة الأجهزة التنفسية والوقائية، وغيرها من التجهيزات المرتبطة بقطاع الصحّة.

وكان أيضًا للأحداث السياسية التي تعيشها الجزائر المرتبطة بالحراك الشعبي، دورًا في توجه وسائل الإعلام لاستهداف الشباب، بالنظر إلى أن أغلب المشاركين في هذا الحراك من الفئات العمرية المتوسطة.

وبعد أن فقدت  وسائل الإعلام  جانبًا من جمهور الشباب، بسبب عدم تغطيتها لمسيرات الحراك وانحيازها للسلطة، تُحاول جذب هذا الجمهور بطريقة أخرى من خلال التطرق لمشاكله وإبراز طاقاته، والترويج للنماذج الناجحة التي استطاعت أن تصنع الفارق بالرغم من  كل الظروف التي تعيشها البلاد.

محتوى رائج

بعيدًا عن الحسابات السياسية والصحيّة، تشكل مواضيع الاختراعات والاهتمام بقضايا الشباب مادة إعلامية تحقق نسب متابعة ومشاهدة معتبرة على مواقع التواصل الاجتماعي، لذلك تسعى دومًا وسائل الإعلام الجزائرية إلى ترصد أي جديد في هذا المجال.

ويُساعد اهتمام الشباب بمختلف المنصّات الالكترونية وسائل الإعلام في تحقيق المحتوى المتعلق بقضاياهم نسب مشاهدة مقبولة، لذلك أصبحت البرامج التي تسلط الضوء على نشطاء التواصل الاجتماعي أو ما يسمون بـ "المؤثرين" موجودة في جميع القنوات التلفزيونية.

اهتمام وسائل الإعلام بإبداعات الشباب يبقى خطوة في الطريق الصحيح

ومهما كان السبب الذي يقف وراء اهتمام وسائل الإعلام بإبداعات الشباب خارج المجالات النمطية المعروفة، فإنّ هذا الاهتمام يبقى خطوة في الطريق الصحيح بما أنه ينفض الغبار عن مواهب وطاقات ظلت مهمّشة لسنوات، والتي يمكنها أن تفيد وتستفيد بعد تسليط الصحافة الضوء على إنتاجها وما لديها من أفكار.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إذاعة على الإنترنت تشكو تعرّضها لـ "الرقابة السياسي"

إدارة "راديو أم" تتهم بلحيمر بالجهل بالإعلام الرقمي وتهدّد بمقاضاته