01-سبتمبر-2023

في قاعة إحدى المدارس الخاصة (الصورة: المسار العربي)

باشرت العديد من المدارس التعليمية الخاصة في كل الأطوار في الجزائر منذ انتهاء السنة الدراسية الماضية إعلاناتها على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي لجذب أكبر عدد من التلاميذ في الموسم الجديد، خاصّة وأن عددها في تزايد والإقبال يتضاعف في بعض الولايات، رغم اختلاف أسباب الالتحاق بها بين من يراها لدواعٍ بيداغوجية تعليمية، ومن يصنفها ضمن ظاهرة أصبحت طاغية عند العائلات الميسورة وحتى المتوسطة، كون الأمر يتعلق بتصنيف طبقي اقتصادي في المجتمع.

التقارير السنوية التي تعلنها وزارة التربية تؤكد كل عام أن النجاح في الامتحانات الرسمية في المدارس الخاصة أقل منه بالمؤسسات العمومية

ورغم أن التقارير السنوية التي تعلنها وزارة التربية تؤكد كل عام، أن النجاح في الامتحانات الرسمية في المدارس الخاصة أقل منه بالمؤسسات العمومية التي لا تزال تسجل أحسن النتائج، إلا أن الالتحاق بصفوفها يرتفع بسبب  المشاكل التي تعانيها المدرسة العمومية،وفي مقدمتها الاكتظاظ.

إقبال على المدارس الخاصة

يرتفع عدد المدارس الخاصة في الجزائر  كل عام، ورغم عدم وجود تحديثات لعددها الحالي، إلا أن آخر تصريح رسمي يعود إلى 2021، حيث أشار وزير التربية عبد الحكيم بلعابد إلى وجود 586 مدرسة خاصة، بعدما تم منح 52 اعتماد جديد خلال تلك السنة الدراسية.

 وأصبحت بعض البلديات في العاصمة معروفة باحتضانها لعدد كبير من المدارس الخاصة في كل الأطوار كحيدرة والعاشور والقبة والدار البيضاء، وهي صورة تشير إلى أن سوق الاستثمار الخاص في القطاع التربوي مربح من الناحية المالية، بما أنه يلقى إقبالًا من المستهلكين.

وقال المنسق الوطني للمنظمة الجزائرية لحماية المستهلك فادي تميم لـ"الترا جزائر"، إن لا أحد ينكر اليوم أن الالتحاق بالمداس الخاصة أصبح يتوسع عامًا بعد عام، حيث لم يعد يشمل الطبقة البرجوازية فقط، إنما أيضًا حتى أبناء  من الطبقة المتوسطة صاروا يقبلون على تسجيل أبنائهم بالمدارس الخاصة بسبب الاكتظاظ الذي تعرفه المدارس العمومية.

وبدورها تؤكّد الدكتورة أحلام  العوضي مؤسسة المجمع المدرسي 11 كانون الأول/ديسمبر بالعاصمة بدالي إبراهيم أن 70 % من التلاميذ المسجلين بمدرستها ليسوا  من عائلات ذات الغنى الباذخ، إنما من الطبقة المتوسطة التي تجد فيها الأب والأم يعملان، ويحرصان على تخصيص أحد راتبيهما لتعليم أبنائهم.

أما مدرسة عالم الإبداع الخاصة ببلدية واد السمار بالعاصمة، فقالت المسؤولة بها التي رفضت ذكر اسمها  لـ"الترا جزائر"، إن  مؤسستها التربوية التي ستفتح أبوابها لأول مرة خلال السنة الدراسية الجديدة، لقيت حتى الآن إقبالًا للالتحاق بصفوفها من تلاميذ في الطورين الابتدائي والمتوسط، لكن الطور الثانوي ما زال الإقبال عليه ضعيفا حتى الآن، وهو وضع يمكن تفهمه بشأن مؤسسة فتية.

وأوضحت ممثلة مدرسة "عالم الإبداع"، أن استثمارها في قطاع التعليم جاء من تجربتها كأم، كون أن بعض المدارس العمومية أصبحت لا توفر الفضاء اللازم للدراسة، سواءً بسبب الاكتظاظ أو لغياب الأمن في بعضها الآخر، لذلك تسعى من  خلال هذه التجربة توفير بيئة مريحة شبه عالمية للتلاميذ الجزائريين الذين يستحقون ذلك من خلال الاهتمام بالجانب التوعوي الثقافي.

وأشارت المتحدثة ذاتها، أن هذه الخطوة جاءت أيضًا بعد عيشها تجربة سيئة مع مدارس خاصة تهتم بالجانب التجاري فقط دون إعطاء العناية للجانب التعليمي، منتقدة بذلك لجوء هذه المدارس الخاصة لتكثيف البرامج الدراسية، وتكليف التلاميذ بوجبات إضافية كثيرة في المنزل، في الوقت الذي تميل فيه طرق التعليم الحديثة في العالم  إلى تخفيف الواجبات المدرسية والاهتمام بطرق التعليم الحديثة.

أما  الدكتوراه أحلام العوضي التي اقتحمت مجال التعليم قادمة من ميدان الطبّ، فقالت لـ"الترا جزائر" إن الهدف من الاستثمار في هذا المجال هو العودة بالمدرسة إلى طريق التعليم السابقة التي تؤمن بالتربية والتعليم، لكن بمواكبة التطورات التي يعرفها العالم في هذا المجال.

وأشارت  العوضي إلى أن من بين الضوابط التي تفرضها في مدرستها الخاصّة هي احترام الأستاذ واحترام المادة التعليمية، حيث لا يحق للتلميذ أو وليه أن يظن أن دفعه حقوق تعليمه يجعله يملك سلطة التصرف كما يشاء داخل المدرسة.

وأشارت إلى أن مدرسة 11 ديسمبر الخاصة تضع تحسين المستوى الثقافي والسلوكي للتلاميذ ضمن أولوياتها، إضافة إلى الاهتمام بالجانب البيداغوجي التعليمي، حيث مثلًا حرصت على الحصول على رخصة استثنائية من الوزارة تسمح بتدريس ساعات إضافية من الإنجليزية لتحسين مستواهم في هذه اللغة التي أصبحت اليوم لغة العلم.

تجارة وبريستيج

من جهته، لا يتردّد المنسق الوطني للمنظمة الجزائرية لحماية المستهلك فادي تميم في  تصريحه لـ"الترا جزائر" إلى الإشارة إلى أن بعض الأولياء يحرصون على تسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة من باب  أن هذا الانتساب التعليمي دليل على انتمائهم إلى فئة مجتمعية معينة يخص الطبقة البرجوازية، رغم إقراره أن الإقبال على هذه المدارس المنتشرة بكثرة في المدن الكبرى يخص أيضا فئة الموظفين ذوي الرواتب المرتفعة.

ويربط مختصون اتهامهم لبعض المدارس الخاصة باهتمامها بالجانب التجاري على حساب تحسين التعليم بسبب سوء النتائج في امتحانات شهادتي التعليم المتوسط والبكالوريا، إضافة إلى توظيف أساتذة يفتقرون للخبرة، وليسوا من خريجي المدارس العليا للأساتذة.

إلى هنا، قالت أم عبده التي حولت ابنها من مدرسة عمومية إلى مدرسة خاصة بالعاصمة الجزائر، إن ابنها لم يستطع مواصلة تعليمه الدراسي بسبب العقلية المعتمدة في المدرسة الخاصة التي حُول إليها، كاشفة في الوقت ذاته أنه عُرض عليها إمكانية مساعدته للانتقال إلى الرابعة متوسط في حال حضر الامتحانات ولم يتغيب عنها، وذلك بالعمل على تضخيم نقاطه، إلا أنه ابنها كان قد قرر الانقطاع عن الدراسة رغم عدم إعادته السنة ولو مرة بعدما رأى أن التعليم أصبح مجرد تجارة.

وترى مؤسسة المجمع المدرسي 11 ديسمبر أحلام العوضي، أن  الأمر يرجع في الأخير إلى المبادئ والأهداف التي سطرها المستثمر في المدرسة الخاصة، مبينة أن الهدف التجاري موجود وهو منطلق كل استثمار، إلا أن ذلك يجب أن لا يتغلب على البعد التعليمي والتربوي.

و ربط رئيس الجمعية الوطنية للمدارس الخاصة آيت عامر سليم في تصريح سابق لصحيفة الشعب الحكومية النزعة التجارية لدى المدارس الخاصة بسبب دفتر الشروط الذي وضع عام 2004 بطريقة غير مدروسة، وبالخصوص في الجانب البيداغوجي، لذلك يطالب بتغييره بعد 17 سنة من صدوره.

لكن الملاحظ لنشاطات وزارة التربية، يتضح أن تحسين آداء المدارس الخاصة وجعلها شريكًا فعالًا في العملية التربوية التعليمة لا يشكل أولوية الأولويات لها، بالنظر إلى أنه من النادر أن يزور الوزير مدرسة خاصة، على عكس ما يحدث في القطاعات الوزارية الأخرى كالصحة  على  سبيل المثال.

ويُرجع المنسق الوطني للمنظمة الجزائرية لحماية المستهلك فادي تميم عدم الاهتمام الكافي من وزارة التربية بالمدارس الخاصة وترقيتها إلى النظرية التقليدية التي تسيطر على الأطر السامية بالوزارة، والتي تقاوم الانفتاح على القطاع الخاص الذي يجد صعوبة في التوسع بالنظر إلى المنافسة التي تقرضها المدرسة العمومية المجانية في الجزائر.

منسق حماية المستهلك: بعض الأولياء يحرصون على تسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة من باب  أن هذا الانتساب التعليمي دليل على انتمائهم إلى فئة مجتمعية معينة

إن المشاكل التي تعانيها المدارس العمومية، وبالخصوص  ما تعلق بالاكتظاظ، يجعل من المدارس الخاصة حلًا  يمكن أن يساعد في التقليل من هذه الظاهرة وتحسين التعليم، لكن ذلك يبقى مرتبطا بالرؤية الكلية للوزارة لقضية التربية والتعليم التي يجب أن تخرج من النظرة الكمية إلى النوعية وتحسين المستوى.