23-أكتوبر-2021

"الوزيعة" عادة اجتماعية متوارثة من الأجداد (الصورة: العربي الجديد)

 

حين زار كارل ماركس الجزائر  في النّصف الأوّل من عام 1882، بهدف التّداوي من ذات الجنب والتهاب القصبة الهوائيّة، وقف على أساليب وبنًى في العيش المشترك بين الجزائريّين الذّين كانوا يُسمّون، يومها، في الأدبيّات الفرنسيّة بالأهالي، لفتت انتباهَه وأثارت دهشته وإعجابه، فكتب في إحدى رسائله إلى صديق عمره ورفيق دربه فريدريك أنجلز أنّه عثر في شمال أفريقيا على روح اشتراكيّة من ذلك النّوع الذّي كانا يقصدانه في "البيان الشّيوعيّ" من غير معرفة منهم به؛ فهي متجذّرة في تاريخهم الأمازيغيّ والعربيّ المشترك.

كتب كارل ماركس لصديقه أنّه عثر في شمال أفريقيا على روح اشتراكيّة من ذلك النّوع الذّي كانا يقصدانه في "البيان الشّيوعيّ" من غير معرفة منهم به

وأشار صاحب "رأس المال" إلى "التويزة" بصفتها أحد أساليب التّكافل الاجتماعيّ بين الجزائريّين. وهي تعاون السّكّان على إنجاز أمر ما يخصّ الجماعة مثل بناء جامع أو إصلاح طريق أو حفر بئر أو يخصّ أحدهم مثل جزّ أصواف قطيعه أو حصد محصوله أو جني ثماره. وهي تشمل النّساء أيضًا إذ يجتمعن لمساعدة إحداهنّ على إعداد الصّوف أو إنجاز زربيّة أو فتل الكسكسيّ المخصّص للعرس أو الذخيرة.

اقرأ/ي أيضًا: "ثيمشرط".. أيقونة التكافل الاجتماعي في منطقة القبائل

ومن مظاهر "التويزة" الداخلة في ثقافة التّكافل الاجتماعيّ "الوزيعة" وتسمّى "ثيمشرط" بالأمازيغيّة. وهي عمل أعيان القرية على جمع المال من السكّان، قد يكون مبلغًا متساويًا بين الجميع وقد يتفاوتون في ذلك حسب القدرة، وشراء رؤوس من البقر أو الأغنام وذبحها في السّاحة العامّة؛ ثمّ تقسيم لحومها بالتساوي على الأسر.

هنا، يقول معلّم القرآن محمّد النّذير شلّاط، إنّ ذلك يحدث في مناسبات متنوّعة خلال العام منها المولد النّبويّ ورأس السّنة الأمازيغيّة وقدوم شهر رمضان وإصابة الأرض بالجفاف؛ "فالهدف من الوزيعة هو حصول البركة من خلال تراحم السكّان وتكافلهم وتجاوزهم للفوارق الماديّة بينهم؛ إذ لا يخلو بيت من لحم في ذلك اليوم".

لقد ظلّ تناول اللّحم، في المخيال الشّعبيّ، يقول محدّث "الترا جزائر"، أكثر مظاهر الثّراء والتّفاوت الطّبقيّ؛ فجاءت "الوزيعة" لتقضي على ذلك التّفاوت وتمنح فرصةً للفقراء ومحدودي الدّخل ليأكلوه بأقل التّكاليف وربما مجّانًا. ويدخل ذلك في صميم الرّوح الدّينيّة والإنسانيّة.

ثمّ إنّ الوزيعة؛ بحسب العمّ رمضان من بلدية الماين التّابعة لولاية برج بوعريريج، تعدّ مناسبةً لعودة أبناء القرية المقيمين خارجها؛ "إذ لا يخلف كثيرون منهم موعدها، حيث يساهمون فيها ويحضرون طقوسها محاولةً منهم لإثبات انتمائهم وتفقّد أقاربهم وتوريث العادة لأولادهم. ابني الذي يعمل ويقيم في وهران يفعل ذلك. بل إنّ هناك من يأتي من خارج الحدود". يضيف: "إنّ هدف الوزيعة أبعد من تناول اللّحم، فهي رمز للانتماء إلى الجماعة".

يأخذنا النّاشط الثّقافيّ عبد الكريم يحياوي إلى مناخات الوزيعة في بلدة آيث خليفة وما جاورها من قرًى مثل آيث حامّة وآيث قاسم ولعزيب وآيث راشد، حيث ذُبح 13 ثورًا جمعت أموالها من السّكّان الميسورين؛ واستفاد من لحومها مئات الفقراء بمناسبة المولد النّبويّ. يقول إنّه باعث على الفرح والتّفاؤل أن تجد الأغنياء يبحثون عن الفقراء ليمنحوهم لحمًا (بلغ سعر الكيلوغرام الوتحد هذه الأسام حدود 1500 دينار جزائري)، عوضًا عن حصول العكس. وهو سلوك يهدف إلى رفع الحرج عن المعوزين، فلا يُرون في حالة تسوّل؛ ذلك أنّ الجميع يعامل كلّ فرد من البلدة على أنّه أخوه".

ثمّ إنّ الطّقوس المرافقة للوزيعة، يقول محدّث "الترا جزائر"، تعزّز كلّها التّلاحم الاجتماعيّ، بدءًا من الطّواف على البيوت لجمع المال، والذّهاب إلى السّوق لشراء الذّبائح، ثمّة من يفضّل الثّيران ومن يفضّل الأغنام، واقتيادها إلى السّاحة العامّة في موكب عامّ، ونحرها وسلخها وتقطيعها ووضعها بكمّيات متساوية في أكياس موحّدة اللّون والمناداة على السّكّان واحدًا واحدًا من خلال قائمة معدّة بحرص من طرف الأعيان أو ما يعرف في النّسيج الأمازيغيّ بثاجماعت. يتساءل يحياوي: "ماذا لو استفدنا من هذا التّراث في تقسيم الثّروة الوطنيّة؟ والقضاء على مظاهر التّفاوت الاجتماعيّ مثلما هو حاصل في مدارسنا، بحيث نوحّد لباس المتمدرسين؟".

ويضيف: "يلتقي الجميع في ساحة واحدة. فيتداولون مشاكل القرية والأشخاص. وينظرون في حلّها. مرفوقين بأهازيجَ وأدعيةٍ وزغاريدَ تشكّل شطرًا من الهوّيّة الثّقافيّة العامّة. إنّها عادة حضاريّة علينا تعميمها وطنيًّا بالنّظر إلى عمقها الخيريّ والإنسانيّ والثّقافيّ والاجتماعيّ".

 عادة "الوزيعة" عادت بقوّة إلى التّجمّعات السّكنيّة الجزائريّة في الآونة الأخيرة، بعد تراجعها في ظلّ التّحوّلات المختلفة الحاصلة

ويُلاحظ عودة عادة "الوزيعة" بقوّة إلى التّجمّعات السّكنيّة الجزائريّة في الآونة الأخيرة، بعد تراجعها في ظلّ التّحوّلات المختلفة الحاصلة، وفي ظلّ تبديعها من طرف بعض أتباع الوهابيّة السّعوديّة الذّين نجحوا في طمس كثير من العادات والتّقاليد والطّقوس الدّاخلة في صميم الشّخصيّة الجزائريّة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"أماڨار نتفسوث".. تراتيل الربيع في منطقة القبائل

"أزرو نطهور" في منطقة القبائل.. البركة التي تسكن الجبل منذ قرون