بعوض النمر في الجزائر.. فيروسات الأماكن النظيفة

بعوض النمر في الجزائر.. فيروسات الأماكن النظيفة

تقريب مجهري (Getty)

يبدو أنّ هذا الصيف في الجزائر لن يكون للراحة والاستجمام؛ فبعد تجربتي الملاريا والكوليرا في العامين الماضيين، سيكون على الجزائريين هذا السنة أيضًا اتخاذ تدابير وقائية ضدّ حشرة أخرى تُدعى بعوض النمر، المتسبّبة في نقل عدّة فيروسات لأمراض خطيرة أبرزها حمّى الضنك، والشيكونغونيا، وزيكا الذي تسبّب في وفاة 139 طفل على الأقل في البرازيل بين عامي 2015 و2016.

على عكس باقي الأنواع الأخرى من الباعوض، فإن بعوض النمر يتكاثر في المياه النقيّة فقط

ليست هذه المرّة الأولى التي تظهر أسراب لبعوض النمر في الجزائر، فأوّل بؤرة لهذه الحشرة اكتشفت قبل تسع سنوات بولاية تيزي وزو، وتواصل رصد أسرابها البلاد، لكن لم تكن بالانتشار الذي سجّل هذا السنة، حسب ما يُفهم من تصريحات مسؤولي وزارة الصحّة.

اقرأ/ي أيضًا: موت آلاء.. الصحة الجزائرية في قفص الاتهام

تحذيرات أخرى

كشف الدكتور بوبيدي سعيد شوقي، المختصّ في علم الحشرات المزعجة والناقلة للأمراض بمعهد باستور التابع لوزارة الصحّة الجزائرية، أن أسراب بعوض النمر رُصدت في ثلاث ولايات ساحلية حتى الآن، وهي العاصمة وتيبازة وجيجل.

على عكس باقي الأنواع الأخرى من هذه الحشرات، فإن بعوض النمر يتكاثر في المياه النقيّة، لذلك شدّد الدكتور بوبيدي في تصريح للإذاعة الجزائرية على ضرورة  التأكّد من جفاف كل وعاء مائي محيط بالمنزل، كالدلاء والخزانات غير المغطّاة، وحتى الصحون وأصص النباتات، لأن بعوض النمر لا يحتاج سوى لكميات قليلة من المياه النقية للتكاثر ووضع بيضه.

وكشفت الدراسات العلمية التي رصدت سلوك بعوض النمر، أن إناث هذه الحشرة هي مصدر الخطر فقط، كونها الوحيدة التي تملك خاصيّة اللسع، ويكون ذلك أثناء النهار دون الليل.

وتقوم بعوضة النمر القادمة من مناطق جنوب شرق آسيا، بفعل التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة والمبادلات التجارية، بلسع الأطراف السفلية للجسم برمي لعابها المحتوي على عدّة مكوّنات، أبرزها مخدّر يمكّنها من امتصاص دم الإنسان دون أي  يشعر بها، حيث تظهر بقعٌ حمراء وكبيرة والتهابات على الجسم، نظرًا إلى عدم اعتياده على هذا النوع من اللسعات.

 لحدّ الآن، يؤكد الدكتور بوبيدي أن البعوض المنتشر في الجزائر لا يُمكنه نقل أيّ وباء، إلا في حالة تنقل شخص إلى بلد آخر انتشر فيه هذا النوع من الحشرات، وهذا صار محتملًا، فعلى سبيل المثال فرنسا التي تعدّ أوّل الدول احتضانا للجالية الجزائرية المقيمة في الخارج، تعرف هي الأخرى انتشار بعوض النمر في أكثر من نصف مناطق البلاد.

نقص الوقاية

رغم تكاثر بعوض النمر في المياه النقيّة، إلا أن هذا لا يعني عدم وجوده في المياه الراكدة والمستنقعات، وهي محيطات تتعلّق بنظافة البيئة وتلوث المحيط والاستهتار في القيام بالإجراءات الوقائية، فعملية رشّ المبيدات في الجزائر لا تخضع غالبًا لأسس مدروسة، وتكون عشوائية قد لا تمسّ المناطق التي يتكاثر بها بعوض النمر وغيرها من الحشرات المؤذية.

في مقابل ذلك، يتضاعف حجم النفايات في الجزائر مع ارتفاع عدد السكان سنويًا وغياب إستراتيجية ناجعة لمعالجتها، فقد كشف في ديسمبر كانون الأول الماضي شريف عريف رئيس الفريق المكلف بالدراسة الخاصة بالإستراتيجية الوطنية للتسيير المندمج، وتثمين النفايات آفاق 2035، أن كميّة النفايات ستتضاعف في البلاد بأكثر من 100 في المائة في أقلّ من 20 سنة المقبلة.

ويتوقّع عريف أن ينتقل حجم النفايات في البلاد من 34 مليون طن سنويًا حاليًا إلى 73 مليون طن بحلول سنة 2035.

وما يزيد من تحدّيات هذه المشكلة، هو أن معالجة النفايات في الجزائر تتمّ بتقنيات بدائية لا تمكنّها من رسكلة واسترجاع النفايات الذي قد يشكل مصدرًا تمويليًا للعمليات المتعلّقة بالوقاية وحماية البيئة من التلوّث، ومن الحيوانات والحشرات الدخيلة على الطبيعة في البلاد.

وحسب تصريحات وزيرة البيئة فاطمة الزهراء زرواطي، فإن الجزائر تخسر سنويًا ما يقارب 40 مليار دينار جزائري (334 مليون دولار) بسبب عدم رسكلة النفايات وغياب ثقافة الاقتصاد التدويري.

أمراض القرون الوسطى

قد لا يشكّل بعوض النمر حتى الآن، الخطر الذي سببه في دول أخرى كالبرازيل، إلا أن تهاون السلطات المحليّة والصحيّة في الوقاية منه قد يبعث خوفًا في نفوس الجزائريين يتطلّب دقّ ناقوس الخطر، بالنظر إلى أن الوزارة التي كانت تتحدّث إلى وقت قريب عن القضاء على عدّة أمراض وأوبئة تعود إلى القرون الوسطى، وجدت نفسها في القرن الواحد والعشرين مضطربة وعاجزة عن مواجهة أوبئة تجاوزها الزمن، حتّى في الدول الأقلّ إمكانات من الجزائر.

يستذكر الجزائريون أن صيف العام الماضي، لم يمرّ بسلام بعد انتشار وباء الكوليرا، بسبب فشل حكومة الرئيس السابق، في توفير مياه شرب نظيفة للمواطنين، ما أدّى إلى ظهور بؤر للكوليرا في عدّة ولايات.

تسبّبت الكوليرا العام الماضي في هلاك شخصين، تستّرت السلطات حول سبب وفاتهما في البداية، ولم تُعلن ذلك إلا بعد إثارة الصحافة لملفّ هذا الوباء الذي أصاب 74 شخصًا آخرين، تأكّدت حالة انتقال العدوى إليهم، إضافة إلى عشرات الحالات المشتبه بها.

وما زاد من حدّة وباء الكوليرا العام الماضي، أن سببه الرئيس يعود بالأساس إلى تلوّث مياه الشرب، رغم إنفاق الكومة لـ 4 آلاف مليار دينار (أكثر من 34 مليار دولار) خلال العقدين الآخيرين.

خطر الدول المجاورة

ولا يتوقّف فشل المنظومة الصحيةّ الوقائية في الجزائر عند الكوليرا فقط، فقد نقلت صحف محليّة في سبتمبر الماضي، هلاك شخص بسبب الملاريا بمنطقة إين أمناس بولاية إليزي، التي شهدت لوحدها تلك الفترة تسجيل 13 حالة إصابة مؤكّدة، سببها بالأساس ضعف العمل الوقائي على الحدود الجنوبية مع دول الجوار، التي تعرف انتشار حمّى المستنقعات.

تسجّل الجزائر كل سنة عودة أمراض يُفترض أنها أصبحت من الماضي كالحصبة والجدري

يحتاج قطاع الصحّة في الجزائر، إلى إعادة نظر في سياسته المتبّعة حاليًا، خاصّة مع عودة أمراض كان من المفروض أنها قد أصبحت من الماضي؛ كالحصبة والجدري والقمل، رغم القيمة المالية التي تستهلكها وزارة الصحّة، إذ تجاوزت في 2019 مبلغ 3.3 مليار دولار، لكن استدعاء وزراء سابقين مرّوا من هذا القطاع اليوم من طرف العدالة، مثل السعيد بركات وجمال ولد عباس وعبد المالك بوضياف للتحقيق معهم في قضايا فساد، يعطي أبلغ إجابة حول السؤال عن مصير الأموال التي كانت تُرصد لعلاج الجزائريين.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الصحة.. صداع المواطن الجزائري

لقاحات الأطفال القاتلة تهز قطاع الصحة في الجزائر