تحولات باب الواد.. شاهد شاف كل شيء

تحولات باب الواد.. شاهد شاف كل شيء

حي باب الواد (فيسبوك)

تعوّد سليمان على لعبة القط والفأر مع عناصر الشرطة التي تمنع على تدار الشارع والباعة المتجولين، عرض طاولات منتصبة على طول الأرصفة. يشتكي سليمان من المتاعب اليومية مع عناصر الأمن، بعد تهديم السوق الجواري "ثلاث ساعات" في حي باب الواد الشعبي، إذ لا يجد بديلًا عن الأسواق غير المقننة.

باب الواد، الحي العتيق الذي شيد زمن الاحتلال الفرنسي، ثم تنوعت تركيبته السكانية، كان رائد الاحتجاجات الاجتماعية في الجزائر

يعاني الشاب الثلاثيني من إعاقة، ويتحصل على إعانة مالية تقدر بثلاثة آلاف دينار شهريًا. كان سوق "ساحة ثلاث ساعات" مصدر رزق ونشاط لكثير من أبناء الحي الشعبي البطالين، وهو منهم. كما كان مقصدًا لتبضع عديد العائلات من متوسطي الدخل والفقراء.

اقرأ/ي أيضًا: القصبة العتيقة تنهار.. الإنسان والتراث مهددان في الحي الأثري

"باب الواد الشهداء"

باب الواد حي عتيق، شُيّدت بناياته زمن الاحتلال الفرنسي، وأغلب قاطنيه آنذاك كانوا أوروبيين، خصوصًا من الطليان، إضافة إلى بعض العائلات اليهودية. وعُرف الحي بنشاطات صناعة الأحذية، ودباغة الجلود، وصياغة الذهب.

حي باب الواد قديمًا
حي باب الواد قديمًا

وفي 11 شباط/فبراير 1961، كان الحي القاعدة الخلفية لمنظمة الجيش السري الفرنسية (OAS)، لتنفيذ هجمات وتفجيرات على أحياء العرب، مثل حي القصبة، واغتيالات جماعية بحق المناضلين الجزائريين. وبالجملة كان الحي معقل المتطرفين الأوروبيين أنصار الاحتلال.

وبعد الاستقلال، تنوعت التركيبة السكانية في الحي، وقد تحمّل ثقل إسكان أبناء الأحياء الشعبية المجاورة. وعبر فترات زمنية متقاطعة، شهد الحي احتجاجات اجتماعية، كان أكبرها في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر سنة 1988، وسقط خلالها عدد من القتلى أمام مديرية الأمن الوطني الواقعة بمدخل الحي. وهذه الحادثة كانت وراء التسمية التي اشتهر بها الحي "باب الواد الشهداء".

وفي التسعينات من القرن الماضي، تحول باب الواد إلى أحد معاقل الجماعات الإسلامية. وقد شهد مسجد السنة في الحي ميلاد الحزب الإسلامي المعروف بـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ". وأمام مسجد التقوى وقعت صدامات عنيفة بين أنصار جبهة الإنقاذ وقوات الأمن، بعد محاولة منع المغنية البرتغالية الشهيرة ليندا دو سوزا. وبالجملة، كان حي باب الواد من أكثر الأحياء توترًا خلال فترة العشرية السوداء. وشهد العديد من الاشتباكات المسلحة، وعمليات الاغتيال.

كرة القدم في باب الواد

تحتل كرة القدم مكانة خاصة في وجدان وحياة شباب باب الواد، فالتنافس الكروي بين الفريقين الإخوة الأعداء "مولودية الجزائر" و"اتحاد العاصمة"، قد يجعل من سقف البيت الواحد حلبة صراع بين أفراد العائلة الواحدة.

 

باب الواد

كما تحولت الكرة في السنوات الاخيرة في مدرجات الملاعب إلى فضاء سياسي، ومنبر احتجاجي على الأوضاع السياسية والاجتماعية، تحملها أغاني الألتراس، الذي يعد باب الواد مركزًا ذو ثقل لمشجعي الفرق الكروية.

رمضان في باب الواد

ولباب الواد خصوصيته في أيام وليالي رمضان، ما بين ساحة "ثلاث ساعات" وازدحامها بالباعة والمشترين، والمقاهي العتيقة الممتلئة في ليالي رمضان بالزبائن، ومحل عبدالحميد صانع قلب اللوز بالجوز والفستق، الذي يقف أمامه المشترون بالطوابير، ومخبزة بو لحبال الشهيرة، وحديثة ماريغوا التي يفضل كبار السن والمتقاعدين، الاستراحة فيها.

ما بعد فيضانات 2001

لكن باب الواد بعد فيضانات 2001 ليس هو كما قبلها. ويؤكد على ذلك السعيد، رجل في الخمسين من عمره، يقول: "كل شيء تغير في باب الواد بعد فيضانات 2001"، معددًا: "الكثير من أبناء الحي ماتوا. عمارات وأزقة بأكملها تهدمت. كل جزء من الحي بات له حكاية حزينة مع الفيضانات".

الكثير مثل السعيد، أصيبوا بانهيارات عصبية مما عاشوه مع الفيضانات المدمرة. صور الجثث والدمار، وأصوات صراخ النساء والأطفال لا يمحى من الذاكرة بسهولة. "لم أحظ بالتكفل النفسي ولا الطبي"، يقول السعيد.

رحل السعيد، وغيره كثر إلى منطقة خارج العاصمة، ظلوا فيها شهورًا بعد الفيضانات قبل أن يعودوا لحيّ ليس كالذي خبروه سنين طويلة. "أصبحت بلا عمل، والآن أرتمي في الحي كمتشرد"، يقول السعيد.

باب الواد
من فيضانات باب الواد في 2001

ميناء كيتاني يتحول إلى ساحة حرب!

تفضل بعض العائلات قضاء ليالي رمضان على شاطئ رميلة أمام ميناء كيتاني. يعرف ميناء كيتاني عملية توسعة جعلته يشبه ساحة حرب.

رشيد، صياد كان يقف أمام قاربه يفك حبال الصيد، يقول لـ"الترا جزائر"، معلقًا على وضعية الشاطئ والميناء: "كان المفروض توسيع الميناء بشكل منتظم ومرتب، لكن مصالح الولاية قامت بتوسعة كبيرة، ومنذ سنتين لم تنه الأشغال. قلنا لهم أن البحر ليس كاليابسة. والنتيجة أنه لم يعد هناك صيد ولا أسماك، فالأسماك تحتاج إلى بيئة نظيفة وهادئة". 

باب الواد كشاهد

على مدار عقود طويلة، عرف باب الواد تحولات كثيرة، وعميقة، ليكون شاهدًا رأى كل شيء من تحولات الجزائر، ورائدًا في الاحتجاجات الاجتماعية. يقول أستاذ علم الاجتماع، نورالدين بكيس: "شهد حي باب الواد تحولات عميقة، ولعل الأهم هو ترحيل آلاف العائلات من الحي والأحياء المجاورة، التي كانت تتحذ من باب الواد مركزًا حيويًا لنشاطها، مما كان يضغط على الحي ويدفعه للعب دور ريادي".

باب الواد
كان باب الواد رائدًا للاحتجاجات الاجتماعية في الجزائر

وعن تراجع ريادة الحي في التمرد الاجتماعي، يقول نورالدين بكيس: "إفراغ الحيّ من البؤر الاجتماعية الضاغطة، قلل من ثقله، ويكاد يحوله إلى حي عادي".

على مدار عقود طويلة، عرف باب الواد تحولات كثيرة، وعميقة، ليكون شاهدًا رأى كل شيء من تحولات الجزائر

ولمواقع التواصل الاجتماعي، وتطور الاتصال عمومًا، دور في تراجع ريادة الحي. يشرح بكيس: "أسقطت مواقع التواصل الاجتماعي المرجعية السوسيو ثقافية والسوسيو سياسية للأحياء الشعبية التقليدية، وأصبحت فضاءً بديلًا لإنتاج المعنى واللغة والمرجعية".

 

اقرأ/ي أيضًا:

قصبة الجزائر.. الحمار ينافس الشاحنات لنقل النفايات

في هوية المكان الجزائري ولغته