جزائريون في كاليدونيا الجديدة.. الإسلام كما عرفوه

جزائريون في كاليدونيا الجديدة.. الإسلام كما عرفوه

مواطنون من كاليدونيا يرفعون العلم الجزائري (ألجيري باتريوتيك)

مدينة بوراي في كاليدونيا الجديدة، مثل مدينة جزائرية صغيرة، يقطنها عدد من السكان المنحدرين من أصول جزائرية، يُشير هذا النصّ المترجم، عن مقال نُشر في صحيفة "عالم الأديان"، للكاتبة دلفين بوي، إلى حياتهم وثقافتهم الإسلامية، وذكرياتهم عن الوطن.

يُطلق سكان كاليدونيا الجديدة تسمية "الحجر" لو كايو (Le Caillou) على جزيرة الأرض الكبيرة غراند تير (grande terre) أكبر جزر الأرخبيل.

كان الجزائريون المنفيون في كاليدونيا الجديدة، مضطرين للعمل كفلاحين بعد انقضاء مدّة عقوبتهم

بنسبة تصل إلى 3 في المائة من المسلمين، يمثل "الحجر" في كاليدونيا الجديدة، وجهًا للإسلام الهجين، شكّلته موجات الهجرة المتتالية، بعيدًا عن مخاوف فرنسا المتروبوليتان.

اقرأ/ي أيضًا: جزائريو كاليدونيا الجديدة.. حنين من وراء البحار

"عندما أرغب بالتأمّل، أجلس ها هنا، هذا الجمال لا يبتدعه إلاّ الربّ". قال يائل بوفناش، الجالس ببرنوسه تحت سقيفة مسجد بوراي، هذه البلدية الصغيرة التي تقع في الساحل الغربي لجزيرة "الأرض الكبيرة"، أكبر جزر كاليدونيا الجديدة.

الجزائر الصغيرة

يُغادر رئيس جمعية العرب وأصدقاء العرب في  بوراي، وليمة خُصّصت للمعوزّين، حيث أُقيمت على مسافة خطوتين قرب مقبرة المسلمين. في المقابل، تلٌّ أخضر حيث نحصي الكثير من أشجار التين البنغالي العظيمة، والبحيرات ذات اللون الفيروزي في الأرخبيل الكاليدوني.

مِثلَ جزائر صغيرة حقيقية؛ بلدية بوراي أصبحت على ممرّ التاريخ، مكانًا تعيش فيه جالية من ذوي الأصول الجزائرية.

خلال سنة 1853، استعمر نابليون الثالث كاليدونيا الجديدة، حيث سنّ قانون الأنديجان والمدّخرات على السكان المحلّيين وشعب الكاناك (السكان الأصليون الميلانيزيون في كاليدونيا الجديدة). فيما بعد، أنشأت الجمهورية الثالثة نظامًا قمعيًا عبر سجن الأشغال الشاقة، وخصّت به الثوار، ومنذ سنة 1864 حتى سنة 1897، أُرسل 2200 جزائري إلى كاليدونيا الجديدة، منهم من كانوا منفيين لأسباب سياسية، أو بداعي التعدّي على الحقوق العامة.

الملقّب أيضًا باسم الطيب جون بيار عيفة، يبلغ من العمر 80 سنة، كان سابقًا رئيسا لبلدية بوراي، ويحمل أيضًا لقب "الخليفة"، هو من بين الجزائريين الذين اعتقلوا في الجبال. يفضِّل الطيب أن يُسمّى هؤلاء بالمنفيين. رجالٌ كانوا مجبرين على المضيّ من نقطة الصفر على أرض قاسية التضاريس.

سياسة الطمس

حليمة عبد القادر بوهناني، كانت تشغل منصب مديرة مدرسة في الماضي، هي تعرف جيّدًا يائل بوفناش، لأنّها ابنة عم والده. كانت المعاناة تتجلّى خلف ابتسامتها الصريحة وهي تحكي قصتها :"كان جدّي في سن السابعة عشر عندما حُكم عليه بالأشغال الشاقّة، لقد ضحى بحرّيته فداءً لشقيقه المتزوّج، ربّ العائلة الذي قتل أحد المعمّرين في الجزائر عن غير قصد".

كان الجزائريون المنفيون في كاليدونيا الجديدة، مضطرين للعمل كفلاحين بعد انقضاء مدّة عقوبتهم ليستطيعوا العيش هناك. تردف حليمة بمرارة: "أنا أتخيّل معاناتهم، حيث لم يكن لديهم الحقّ في معاودة رؤية زوجاتهم ووطنهم من جديد، لم يعد لديهم شيء، لا هوية ولا وطن".

خلال طفولتها، كان والد حليمة يوصيها دومًا بأن تكون شخصية مثالية، لكي لا تتسبّب في تنامّي تلك الصورة السلبية المأخوذة سلفًا عن العرب، وقد بقيت تحمل اسم "جان" لمدّة طويلة، لأن حاملي الأسماء العربية كانوا يعامَلون بشكل سيء من طرف الإدارة.

يقول كريستوف ساند، مدير معهد الآثار في كاليدونيا الجديدة، إنّ عالِمَ الآثار يشبه تمامًا المستشار النفسي، لأنّه يقوم بأبحاث في الذات البشرية أكثر من بحثه في تاريخ الآخرين.

كان لنفي جدّ كريستوف الأوّل إلى كاليدونيا، فضلًا لكشفه ما كان مسكوتًا عنه، إذ صرح معتمدًا على ما وصلت إليه أبحاثه قائلًا: "لن أتحدّث عن سياسة الطمس هنا؛ سأقف بالأحرى على استمرارية سياسة الإدماج في الجمهورية الثالثة، حيث مُنع استعمال العشرات من اللغات الجهوية في فرنسا، الأمر الذي أفضى إلى هويّة مسلمة (عربية أو أمازيغية) مطموسة".

لكن ذلك لم يمنع المنحدرين من هذه الأصول، من جعل تاريخهم مفخرة لهم، صالح ناصر مثلًا، وهو المربي البالغ من العمر 70 سنة، قام في تشرين الاوّل/أكتوبر الماضي بتمويل مأدبة المعوزّين بنفسه، هو ابن ولي صالح كان يحفظ القرآن عن ظهر قلب، وبعد رحيل الوالد، سار صالح على دربه ومارس نشاطات دينية تنشيطية في المجتمع المسلم هناك، في الوقت الذي أصبحت فيه بوراي مدينة مقدّسة، بعدما شهدت حادثة غرق شيخ في أواخر القرن التاسع عشر.

دماء جزائرية

رغم امتزاج الدم الجزائري مع دماء الكاليدونيين من أصول أوروبية، وميلانزية، أو أفراد من أصول أخرى عاشوا في الأرخبيل الكاليدوني عبر الزواج، إلا أن الهويّة الجزائرية ضلّت حيّة هناك، كما قال يائل بوفناش: "لقد عرّف الجزائريون بالإسلام، أمّا الأندونيسيون الوافدون فقد بثوا فيه الحيوية".

80 في المائة من إجمالي 3000 مسلم كاليدوني اليوم، هم من أصول أندونيسية، من بين هؤلاء، ريمون روبيو، تقني سامي سابق يمنح بعضًا من وقته كل سبت، لتقديم دروس في التربية الدينية داخل المركز الإسلامي في نوميا، "هل تعرفون أركان الإيمان الستة؟"  يسأل ريمون، لتجيبه أصوات طفولية كثيرة بكلّ سعادة، من بينها صوت منير، ابن ناتاشا الأندونيسية وعبد الله الموريتاني، زوجان يعيشان في الحيّ الشعبي للعاصمة. يعمل كلّ منهما باختلاف مستواهما الثقافي ومسار حياتيهما الشخصية، على أن يتلقّى ابنهما كلّ القيم التي تجمع شمل العائلة. في هذا المكان، ليس من الصعب أبدًا أن ينحدر الفرد من عدّة أصول في آن واحد، ولا أحد يجد حرجًا قط في الانتقال بين هذه الأصول.

يائل بوفناش مثلًا هو ثمرة مزيج كاليدوني خالص، حيث تنحدر أصوله من البروتونية، الجافانية (من جافا الأندونيسية) اليابانية والجزائرية في آن واحد، هذه الجالية سلمية جدًا وهجينة كما أكد مصطفى أحمد، الإمام الوحيد في كاليدونيا الجديدة، وهو رجل صغير الحجم، ذو لحيةٍ بيضاء وصوت هادئ، من أصل هندي، جاء هنا خلال فترة الثمانينات، في زمن التوتّر الحاد الذي نشأ بين أنصار ومعارضي الاستقلال، حيث عايش بداية انتشار الصبغة المؤسّساتية للإسلام في كاليدونيا الجديدة.

مساجد كاليدونيا

داووت جوروفيتش، الرئيس الحالي لجمعية المسلمين في كاليدونيا الجديدة، هذا السبعيني الذي وصل إلى هناك منذ قرابة أربعين سنة، كان يجهل تمامًا وجود جالية مسلمة هناك، لكن مع نزول بعض اليوغسلافيين والصوماليين إلى هناك، جاءته فكرة تشكيل هذه النقابة بهدف منح جاليةٍ مسلمةٍ يُنظر إليها أحيانا بشكلٍ سلبي، وضعًا طبيعيًا. السعودية ستمول بناء المسجد "بلا مقابل"، أضاف داووت، خلال الثلاثين سنة الأخيرة، أصبحت ممارسة الشعائر الإسلامية أكثر التزامًا، فقد تضاعف عدد الحجاج الذين قصدوا الأراضي المقدّسة.

 في حديث عن ذكريات الطفولة، أسرَّ ريمون روبيو قائلًا: "خلال طفولتي، لم تكن هناك مساجدٌ، ولا علماء، أغلب الناس هنا كانوا يمارسون الشعائر الإسلامية فقط خلال الأحداث الكبرى في حياتهم، كالولادة، الختان، الزواج أو الوفاة. لطالما كان الإسلام في هذه البقعة متأثّرًا بالبوذية والهندوسية". لقد عاد الدين الإسلامي إلى أصوله منذ وقت ليس ببعيد هنا، عبر مبادلات مع أطراف من معتنقي الدين نفسه.

مع ذلك، فإن الجالية المسلمة في كاليدونيا الجديدة، كانت قد رفضت مؤخّرًا دعوة من اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا لحضور الملتقيات السنوية الإسلامية في بورجي. حيث توضع الاستقلالية في المقام الأوّل على تلك الجزيرة، فالمسلمون الكاليدونيون ينتابهم شعورٌ دائمٌ بأنّهم بعيدون كل البعد عن التراب الفرنسي بالمعنى الحرفي والمجازي أيضًا.

اعترف يائل بوفناش أنه من الجميل أن تكون فرنسيًا، هذا يُذكّرك بمبادئ حقوق الإنسان المكتسبة هناك، لكن هذا الأمر كما قال يائل، غير ملموس بالنسبة إليه، فهو يزور أستراليا مثلًا مرّتين في السنة، في حين أنه زار فرنسا مرّة واحدة خلال عشرين سنة. يضيف أنه يحتفظ في مكتبه بصفته موظفًا كاليدونيًا، بسجادة للصلاة وعلم جزائري، وهذا الأمر لم يشكّل له يومًا مشكلة من أي نوع.

رغم ذلك، قد تلاحق المخاوف الفرنسية أحيانًا هذه الجالية. وسائل الإعلام مثلًا متهمة بممارسة خلطٍ ظالم بين الإرهاب والإسلام. "ليست لدينا هنا نفس المشاكل الموجودة على التراب الفرنسي"، يقول مصطفى ذو الأصول الجزائرية، مضيفًا أنهم لا يخضعون إلى التنميط العنصري، ولا يعيشون في أحياء معزولة، ويردف المتحدّث، أنهم يتمتّعون بدرجة مرتفعة من التكامل الاجتماعي.

في كل سنة، يتزايد عدد معتنقي الإسلام في بوراي، تمامًا كما حدث مع نعيمة، هذه السيّدة التي جاءت لحضور حفل غداءٍ متعدّد الثقافات في المركز الإسلامي بشعر مغطى، فقد وجدت هناك كما قالت "عائلة جديدة لها".

80 % من إجمالي 3000 مسلم كاليدوني اليوم، هم من أصول أندونيسية

 من جهة أخرى، وحينما يأتي أشخاص من التراب الفرنسي إلى تلك المدينة، تتحدّث عضوة في الجالية المسلمة في بوراي ضاحكة: "هم معتادون على القول بأن ممارستنا للإسلام غير صحيحة، لكن هذا هو الإسلام عندنا". على بعد 18000 كلم من العاصمة المتوتّرة، يتمتّع المسلمون في كاليدونيا الجديدة بطمأنينتهم.