جيل ما بعد التسعينات.. بين العنف واللامبالاة

جيل ما بعد التسعينات.. بين العنف واللامبالاة

(الصورة: الشروق أونلاين)

تباينت ردود الفعل حول مقتل شابين من الحي الشعبي بباب الواد على يد شرطي كان بزي المدني، تَبين الأمر أن الشرطي يقطن بالعمارة نفسها وحي الضحيتين، وتعود أسباب الجريمة، إلى حدوث مناوشات بين أفراد من الحي والشرطي، الذي أقدم على استخدام سلحه الناري وأسقط ضحيتين.

رغم الترسانة الأمنية المستخدمة في تقويض جريمة الأحياء الشعبية إلا أن ظاهرة العنف وسط المجتمع تعرف تزايدًا مستمرًّا

 ولقد أبدى بعض رواد مواقع التوصل الاجتماعي حملة تضامن وتعاطف مع الشرطي وتبرير استخدامه السلاح الناري، بينما طرف آخر استنكر أسلوب الانتقام الفردي، واستخدام القوة في غير إطارها الشرعي، الأمر الذي من شأنه فتح الباب أمام قانون الغاب، مطالبين بتشديد سياسة العقاب وسيادة القانون.

اقرأ/ي أيضًا: "حرب الشوارع".. رعبٌ في الأحياء الشعبية

 في الحقيقة هذا التباين يطرح جُملة من التساؤلات حول ردة فعل الشرطي تجاه الشابين، والذي يُفترض أن تكون محل إدانة جماعية، وإجماع مجتمعي على رفض استخدام العنف الشرعي في غير الأطر القانونية والنظامية.

الحادثة التي جاءت بعد أسبوع هزّت الرأي العام الوطني، حيث أدت إلى مقتل شرطي بمدينة مستغانم على يدي عصابة من اللصوص، حاولوا تجريد الضحية من هاتفه النقال باستخدام أسلحة بيضاء قاتلة.

 عَطفًا على ذلك، بيانات مصالح الأمن، وأخبار تتداولها صفحات السيوشيل ميديا تَنقل بشكل يومي أحداث جرائم قتل بشعة وسط الأحياء الشعبية، وسلسلة اعتداء مسلحة على السكان والمواطنين عبر كامل قطر الوطن، وتَكشف أرقام الجهات القضائية والمصالح الأمنية ارتفاع حجم العنف وسط المحيط العائلي والأسري والمجتمعي، وبات العنف الشارعي يُهدد النسيج الاجتماعي والاستقرار والسكينة العامة.

ورغم الترسانة الأمنية المستخدمة في تقويض جريمة الأحياء الشعبية، والخطاب المسجدي والدعوي الذي يُحرم العنف والاعتداءات اللفظية والمادية على الانسان، إلا أن ظاهرة العنف وسط المجتمع تعرف تزايدًا مستمرًّا، حيث أصبحت محل اهتمام للمواطن بشكل كبير، والذي بات يصطحب أبناءه إلى المدرسة مخافة من الاعتداء على أطفاله، كما يرافق العنف اللفظي والتحرش الجنسي يوميات النساء في الطرقات ووسائل النقل العمومية، وبات التجار محل ابتزاز وتهديد عصابات ومنحرفي الوسط العمراني، وتشتكي العائلات من الانحراف واللصوصية وسط الفضاءات العمومية والترفيه، فما هي أسباب انتشار الظاهرة العنف بكل أشكالها وصورها المتنوعة؟.

في الحقيقة الإجابة على هذا السؤال، تَحمل زوايا متعددة تتناول العنف من خلال تخصصات مختلفة أنثروبولوجية وسوسيولوجية، والدراسات النفسانية والأبعاد الأخلاقية، وكل قراءة وتحليل تصب في هدف تشخيص العنف وأسبابه وأليات تقويضه وتفكيكه.     

لكن تجدر الإشارة إلى أن المجتمع الجزائري شَهد تحولات عميقة بداية من التسعينيات، مست بنيته الاجتماعية وانتماءه المكاني والجغرافي، وتفككت عائلات بفعل تدمير "الوسطية الاجتماعية"، والتي أنتجت فوارق طبقية وصعود فئات انتهازية ووصولية، وتَحطيم كامل لعائلات هشة كانت الدولة الرعوية تحافظ على تماسكها، ولقد ضاعف العنف المسلح والدموي الذي شاهدته فترة التسعينات من "اللامبالاة تجاه العنف"من خلال سياقات تبريرات الشرعية والسياسية للعنف من كل الأطراف، وما تزال تتداول المسوغات إلى غاية اليوم، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، فالعنف تجاه المرأة حجته أنها غير محجبة وسافرة حتى وإن كان مستوى العنف ضدهنّ يسبب أضرارًا قد تؤدي إلى جرائم القتل أحيانًا.

ورغم إقرار نهج المصالحة الوطنية، إلا أن معالجة أسباب العنف وانعكاساته النفسانية والجسمانية المستقبلية على جيل ما بعد التسعينيات لم تحظى بالعناية الكافية والشاملة، ذلك أن الاعتقاد السائد أن العنف مرتبط بالمعالجة البوليسية فقط دون النظر إلى التحولات السكانية المعقدة التي أفرزتها الأزمة الأمنية والسياسية ولاقتصادية.

وتَعتبر تجارة المخدرات والحبوب المهلوسة والتي انتشرت بقوة وسط عصابات الأحياء الشعبية، والتحكم في الأرصفة والأسواق وحضائر السيارات غير مرخصة، عوائد مالية كبيرة تتشكل من خلاله جماعات وأفراد تتكون بشكل منتظم، تحاول فرض قانونها عبر التهديد واستخدام القوة وابتزاز المواطنين والتجار وأصحاب المركبات والسيارات بل الأمر يطال رجال المال والأعمال.

ولقد كشفت وسائل الإعلام وفق بيان النيابة العامة، تورط رئيس نادي رياضي بالغرب الجزائري، في قضية استيراد مادة الكوكايين وحجز مادة الحشيش. القضية تَكشف عن توغل عصابات الأحياء والمنحرفين مجالات حيوية واجتماعية وأصبحوا  يشكلون تهديدًا كامل للنسيج الاجتماعي والرياضي والاقتصادي والسياسي، عبر تبييض الأموال، والمتاجرة غير الشرعية، وتوظيف البلطجية في حل الخلافات وتفكيك الصراعات السياسية كما حدث خلال اقتحام مقر جبهة التحرير الوطني بحيدرة.

يستخدم العنف في الأنظمة الشمولية لكي يتم التحكم في المجتمعات عبر زرع الخوف في أوساطها

يستخدم العنف في الأنظمة الشمولية لكي يتم التحكم في المجتمعات عبر زرع الخوف في أوساطها، ويتحول الأمان إلى سلم أولويات تلك المجتمعات، غير أن دائرة العنف قد تُقوض الدولة بكاملها عبر شبكات العصابات المتعددة، وأشكال امتداها المختلفة، فالسلم والأمان المجتمعي والمؤسساتي هو الأصل والعنف قاعدة شاذة وضيقة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مقتل شيماء يعيد مطالب تطبيق الإعدام

لزهاري يرفض إعدام مختطفي الأطفال ويدعّم حرية المعتقد