"رأس الوادي".. حين تصرّ المدينة الدّاخليّة على الحراك

مسيرة شعبية في قصر الشعب بولاية برج بوعريريج (فيسبوك/الترا جزائر)

تقع مدينة رأس الوادي، وقد كانت تُسمّى في العهد العثمانيّ "تامالولة" وفي العهد الفرنسي "طوكفيل"، على بعد 250 كيلومترًا إلى الشّرق من الجزائر العاصمة. وقد بلغ عدد سكّانها حدود 50 ألف نسمة، حسب إحصاء عام 2008. وهي بهذا أكبر دوائر ولاية برج بوعريريج.

بقي قطاع واسع من شباب مدينة رأس الوادي رافضًا لمقولات السلطة واقتراحاتها ورافعًا للمطالب الأصليّة للحراك

لا تستمدّ المدينة كبرها من عدد سكّانها فقط، بل أيضًا من محاصيلها الفلاحيّة، خاصّة في مجال الحليب والقمح، إذ تُعدّ أراضيها الممتدّة من أخصب الأراضي في الشّمال الجزائريّ، ومن تفوّق مؤسّساتها التّربوية، إذ ينحدر منها الرّئيس الثّاني لجمعيّة العلماء محمدّ البشير الإبراهيمي (1989 ـ 1965)، ومن نتائجها الرّياضيّة، حيث تتوفّر على فريقين لكرة القدم، فقد تأسّس فريق "شباب رأس الوادي" عام 1928، كما تُعدّ عاصمةً الملاكمة في الجزائر، من خلال عشرات الميداليات الوطنيّة والقاريّة والدّوليّة التّي افتكّها شبابها.

اقرأ/ي أيضًا: من خراطة إلى تنحي بوتفليقة.. تأريخ ضروري للحراك الشعبي

عند انطلاق الحراك الشّعبيّ والسّلميّ يوم 22 شباط/فيبري الفائت، تحوّلت مدينة برج بوعريريج إلى إحدى أقوى عواصمه، وشكّلت من خلال "قصر الشّعب" محجًّا للحراكيين من مختلف المدن. وقد أصرّت مدينة رأس الوادي التّي تبعد عنها بـ40 كيلومترًا على أن تستقلّ بمسيرتها الأسبوعيّة، فلا يشارك سكّانها في مسيرة برج بوعريريج إلّا فرادى من باب الفضول.


متظاهرون من مدينة رأس الوادي بولاية برج بوعريريج

رأى البعض في ذلك تكريسًا للتّنافس التّاريخيّ بين المدينتين، بالنّظر إلى طموح سكّان مدينة رأس الوادي إلى أن تصبح ولايةً قائمةً بذاتها، فهي تمتلك، حسبهم، كلّ مؤهّلات ذلك، إلّا أنّ النّاشط مبروك عدالة يقول، إنّ الحراك الشّعبيّ نفسه جاء ليكسر منطق الهيمنة بكلّ تمظهراته، "هيمنة السّلطة السّياسيّة على الشّعب، وهيمنة الجزائر العاصمة على الولايات الثماني والأربعين، وهيمنة عواصم الولايات على دوائرها وبلدياتها، وهيمنة الجيل القديم على الأجيال الطالعة، وهيمنة المؤسّسة العسكريّة على الحياة المديّة".

من هنا، يقول محدّث "الترا جزائر"، قرّرنا أن نستقلّ بمسيرتنا في مدينتنا، رغم العزلة الإعلاميّة والجغرافيّة، إذ لا تقع المدينة ضمن المحاور الكبرى للطّرقات، لنؤكّد شخصيّة المدينة الدّاخليّة الجزائريّة، وأهمّية دورها ضمن النّسيج الوطنيّ العامّ. يضيف مبروك عدالة: "انخراط المدن الصّغيرة في الحراك، حماه لاحقًا من سرعة ملل المدن الكبرى وقابليتها للتّراجع، مثلما حدث في برج بوعريريج".


الأكاديميان البشير ربوح ومحمد الصادق بلّم

يُشير كلام مبروك عدالة، إلى أنّ مسيرة الجمعة في مدينة برج بوعريريج تراجعت بشكلٍ واضح، إلى درجة اختفاء ظاهرة "قصر الشّعب" تمامًا، بعد أن بدأ الشّعب الجزائريّ ينقسم إلى فريق مساند لدعوة رئيس الأركان أحمد قايد صالح، إلى انتخابات رئاسيّة "حمايةً للبلاد من الانزلاقات المحتملة"، وإلى معارض لها "لغياب شروط النّزاهة".

غير أنّ مدينة رأس الوادي بقيت وفيّة للخروج على مدار 37 جمعة. وبقي قطاع واسع من شبابها في الواقع والمواقع رافضًا لمقولات السلطة واقتراحاتها ورافعًا للمطالب الأصليّة للحراك، منها ذهاب بقايا نظام عبد العزيز بوتفليقة، وتعويضهم بوجوه غير متورّطة في الفساد، للإشراف على مرحلة انتقاليّة تُفضي إلى انتخابات حرّة وشفّافة.

سألت مرّة النّاشط والباحث في الفلسفة البشير ربّوح، وأحد أبرز مؤطّري الحراك في مدينة رأس الوادي، قبل وفاته، الخميس، عن خلفية استمرار المدينة في مسعى الحراك، فقال إنّها تملك رصيدًا تاريخيًّا من معارضة الاحتلال الفرنسيّ، قبل الاستقلال، ثمّ من معارضة النّظام بعده، "فقد زارها واستقرّ فيها كثير من السّياسيين والمثقفين المعارضين، مثل حسين آيت أحمد".

وأضاف البشير ربّوح: "لقد وقفت السّلطة في وجه كلّ طموحات المدينة الدّاخليّة، منها رأس الوادي، إلى أن تثبت نفسها، وهي بهذا قد راكمت رصيدًا من عدم الثقة في وعودها وتوجّسًّا من مشاريعها السّياسيّة". ضف إلى ذلك، يقول الفقيد، معطى توفّر المدينة على طبقة جامعيّة ومثقّفة واسعة.

تزامن وصولي إلى مدينة رأس الوادي، قبيل انطلاق الجمعة الـ36. فوجدت الشّوارع والسّاحات خالية إلا من المصلّين المتوجّهين إلى المساجد. تساءلت: أين مظاهر الحراك الذّي قيل لي إنّ المدينة بقيت وفيّة له؟ وما أن تمّت الصّلاة حتّى رأيت جمعًا يتشكّل في السّاحة المجاورة لمقرّ البلديّة.

كان الجمع يضمّ أطفالًا وشبابًا وكهولًا وشيوخًا. وقد خلا تمامًا من النّساء. ثمّ راحت الأعداد تكبر والأعلام تكثر. وفجأةً علت صرخة من أحدهم: "الجزائر حرّة ديمقراطيّة"، فردّدها الحاضرون وانطلقوا عبر الشّارع الرّئيسيّ، فيما اكتفى البعض بمعاينة المشهد من الشّرفات والأرصفة.

سألت النّاشط محمّد موس، عن سرّ انقسام سكّان المدينة إلى متظاهر ومتفرّج، بحيث لم تتشكّل المسيرة إلّا من الذّين التقوا في ساحة البلديّة، فلم يلتحق بها أحد لاحقًا، فقال: "تأسّست جلسات نقاش شعبيّ حرّ ومفتوح في ساحة الحرّية، أطّرها مثقفو المدينة، منهم أستاذا الفلسفة البشير ربّوح ومحمّد الصّادق بلّم، وقد ساهمت في الحفاظ على جذوة الحراك في المدينة". يتدارك محمّد موس: "أتوقّع أن يتراجع كثير من مساندي السّلطة، بعد الارتباكات التّي أظهرتها مؤخّرًا، وشروع دلائل عدم جدّية المسار الانتخابيّ في الظّهور".

كانت المسيرة متكوّنة من مقدّمة يشكّلها شباب متحمّسون. فهم يرفعون أصواتهم بشعارات بعضها قديم مثل "رانا في بلادنا ونديرو راينا"، وبعضها جديد مثل "ماكانش الانتخابات يا العصابات". ولم يتوقّفوا عن ذلك على مدار ساعتين من الزّمن، ومن صفوف تتبعها، فكانت النّقاشات الثنائيّة والجماعيّة سارية خلال المسير.

يقول النّاشط جمال خبابة لـ"الترا جزائر" إنّ ما يميّز الحراك في رأس الوادي أنّه يقوم على النّقاش السّياسيّ الحرّ بين النّشطاء، "فالمسيرة بالنّسبة لنا ليست رفعًا للشّعارات فقط، بل هي أيضًا طرح للأفكار. ويحدث أن يبدي أحدنا اقتناعه بوجهة نظر السّلطة، لكنّه، بعد عمق النّقاش، يعود إلى الانخراط في المواقف الرّافضة التّي يتبنّاها الحراك".

عاد المتظاهرون إلى ساحة البلديّة من جديد، فخطب أحدهم قائلًا إنّ السّلطة التي سجنت مجاهدًا مثل لخضر بورقعة وناشطًا سياسيًّا مثل كريم طابو وإعلاميًّا مثل فضيل بومالة، لا تؤمن في العمق بالشّرعية الثوريّة ولا بحرّية التّعبير والممارسة السّياسيّة، "ولو كانت شجاعة لنزلت إلينا في السّاحات وحاورتنا".

 ثمّة مدن داخليّة كثيرة استطاعت أن ترفد الحراك الشّعبي رغم بعدها الجغرافي وغياب الإعلام

 رغم نأيها عن الاهتمام الإعلامي، إلّا أنّ ثمّة مدنًا داخليّة جزائريّة كثيرة استطاعت أن ترفد الحراك الشّعبي، منذ انطلاقه قبل ثمانية أشهر على أكثر من صعيد. وهي مؤهلة لأن تلعب أدوارًا حاسمة في المستقبل، خاصّة بعد أن وجدت خيارات السّلطة القائمة نفسها في مواجهة النّفق، بتراجع قطاع من مسانديها، بعد أن تأكّد أنّها خيارات ممتدّة من المرحلة البوتفليقيّة، من خلال الأسماء المترشّحة رسميًّا لانتخابات 12 كانون الأول/ديسمبر الدّاخل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الحراك يرفض بقايا بوتفليقة.. هل يترقب الجيش تفويضًا شعبيًا؟!

"مغالبة" الجيش والمحيط الرئاسي.. تصفية حساب على مائدة الحراك الجزائري