01-مايو-2024
سياسيون جزائريون (الترا جزائر)

سياسيون جزائريون (الترا جزائر)

فرضت السياقات السياسية ما بعد الحراك الشعبي في 2019، والتداعيات التي خلفها على المشهد السياسي، انسحابًا إجباريًا لعدد من الشخصيات السياسية التي كانت تملأ المشهد أو تلك التي كانت تثير الجدل بشكل بالغ في المرحلة السابقة.

كثير من الشخصيات السياسية في الجزائر، تعتبر انسحابها تعبيرًا عن خذلان ما

الزخم السياسي في السنوات الأخيرة، التي سبقت استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019)، جعل من الغياب الإعلامي للعديد من الوجوه السياسية أو تلك التي فرضت نفسها على الشأن العام، واضحا.

اعتزال السياسية أمر لافت عندما يأخذ منحى العزوف عن ممارسة الفعل السياسي، وحتى وإن كانت برأي المتابعين للشأن السياسي في البلاد، تخدم مصالحها "الضيقة والآنية".

في رأي البعض، يعتبر الاستسلام السياسي "ظاهرة غير صحية"، ودليل واضح على أن الممارسة لم تكن مبنية على تكوين صلب أو نضال حقيقي، في مقابل أن هناك أصوات ترى بأن الأسباب متعلقة بالبيئة السياسية.

الثقافة والسياسة

في بداية العام 2023، أعلن وزير الثقافة الجزائري السابق والمرشح لانتخابات 2019 الرئاسية في الجزائر عزّ الدين ميهوبي اعتزاله العمل السياسي والحزبي، بعدما سبق له أن أعلن في المؤتمر السادس لحزب التجمع الوطني الديمقراطي في أيار/ماي 2020، أنه تنحى عن أي وظيفة سياسية داخل الحزب وأنه سيتفرغ لشغفه الدائم " الكتابة وتكريس جهده للعمل الأدبي والفكري".

اعتزال الكاتب والشاعر عز الدين ميهوبي السياسة، كان متوقعًا لدى قلة قليلة من المقربين له، فهو المولع بالكتابة والحقل الثقافي لمدة 40 سنة، بل هناك من محبيه، من طرح سؤالًا جوهريًا في إفادة لـ" الترا جزائر: :" هل زُجّ به في السياسة؟  أو بشكل آخر:" هل خسرت الثقافة الجزائرية رجلًا بسبب السياسة؟"، بالرغم من ورود اسمه مجددًا في العودة للترشح مرة أخرة في الانتخابات الرئاسية العام الجاري.

إداريا، تدرّج ميهوبي في المناصب، كونه صحافيًا وكاتبًا، وبعد انتسابه لحزب التجمع الوطني الديمقراطي منذ تأسيسه في العام 1997، وكان نائبا في المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى في البرلمان) لعهدة نيابية واحدة (1997-2002) عن ولاية المسيلة، جنوبي الجزائر، وتقلد منصب مدير "مجلة الإذاعة" ثم "المكتبة الوطنية" ثم وزيرا للاتصال ثم وزيرا للثقافة من 2015- إلى 2019، خلال فترة حكم الرئيس بوتفليقة.

وعقب استقالة بوتفليقة، دخل ميهوبي المعترك الانتخابي على قصر الرئاسة، بعد تعيينه أمينا عاما بالنيابة للحزب في شهر يوليو/ تموز 2019، خلفا للأمين العام أحمد أويحي، ولكنه خسر المنافسة على كرسي المرادية في العام 2019، وتحصل على نسبة 7.26 بالمائة.

هذه الخسارة، لم تكن سوى خطوة نحو العودة إلى الثقافة، والتخلي عن " الحلم السياسي".

جدل وصراعات

في بعض الأحيان، يستعمل الصراع في إطار الممارسة السياسية، لكنه لدى رئيسة "حزب العدل والبيان الجزائري"، نعيمة صالحي، أخذ منحىً آخر كلفها خسارة تلو الأخرى، إلى غاية الملاحقة القضائية.

لقد صنعت صالحي الكثير من الجدل، وتركت أثرًا كبيرًا بوصفها أحد الوجوه السياسية في الجزائر، واستخدامها للتصريحات الغريبة والمتناقضة أحيانا، فمنذ ترأسها للحزب في 2012، تغيرت مواقف صالحي من النقيض إلى النقيض.

ساندت رئيس الحكومة الأسبق، علي بن فليس، في الانتخابات الرئاسية في 2014، لتتحول إلى مساندة غريمه في الانتخابات عبد العزيز بوتفليقة منذ فوزه آنذاك بعهدة رئاسية رابعة.

انتخبت عضوا في البرلمان في انتخابات 2017، عن حزبها في ولاية بومرداس، إلا أنها ظلت تثير العديد من الحساسيات بسبب مواقفها في عدد من القضايا السياسية والاجتماعية.

وإلى غاية فترة الحراك الشعبي، وإبراز علاقتها الطيبة مع الرئيس بوتفليقة، لم تعارض صالحي ترشحه للعهدة الرئاسية الخامسة، ولم تتوافق مع الحراكيين واتهمت البعض منهم بـ"المرتزقة"، ثم اتخذت سبيلها السياسي بمهاجمة الهوية الأمازيغية، وإحداث فتنة الجهوية وإذكاء نارها.

وبعيدًا عن المطبخ السياسي، وخلال فترة وباء كورونا، أطلت على الجمهور من مطبخها وقدمت دروسًا في الطبخ، أثارت السخرية من متابعيها. 

وبسبب الجدال الذي كان يرافقها خاصة في علاقة بتصريحات تخص قربها من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وعدائها السياسي لمنطقة القبائل والمسألة الأمازيغية، جعلتها وسط "النار" وتسبب لها في عدّة مشاكل.

من السياسة إلى المطبخ إلى المحاكم، توبعت صالحي، قبل عام ونصف من القضاء بعد دعوى قضائية رفعها مجموعة من المحامين بتهمة "نشرها للكراهية والعنصرية والمساس بالوحدة الوطنية"، إذ أدينت بـ6 أشهر حبس نافذ و 50 ألف دج غرامة مالية نافذة، فضلًا عن حكم آخر بالإدانة بعقوبة ستة أشهر حبسًا نافذًا و20 ألف دج غرامة مالية نافذة في قضية أخرى رفعها ضدها إطار سابق بوزارة الداخلية اتهمها بالتحريض على العنصرية والكراهية.

من تأسيس الحزب إلى الاعتزال

للقاضي بن فليس، تاريخ حافل ومناصب كبرى في الدولة الجزائرية، إذ كان من بين الأعضاء المؤسسين للرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، وكان مندوبًا عن منطقة الشرق الجزائري، ليتم تعيينه وزيرًا للعدل في حكومة الراحل قاصدي مرباح عقب أحداث الخامس أكتوبر/ تشرين الأول 1988، ليظلّ على رأس الوزارة في حكومتين متتاليتين. من 1988 إلى 1991، ورئيس حكومة من 2000-2003. كما عين أمينا عاما لحزب جبهة التحرير الوطني، (2001-2003)،                                            

نافس الرئيس بوتفليقة في الانتخابات، إذ ترشح للانتخابات الرئاسية في 2004، وحصل على نسبة 6,42 بالمائة، وغادر جبهة التحرير الوطني، انهزم أيضًا في انتخابات 2014، بنسبة 12,18 بالمائة، وأسس عقبها حزب "طلائع الحريات" في العام 2015. ودخل المنافسة الانتخابية للمرة الثالثة، في 2019، إلا أنه خسر المعركة أيضًا، وحل في المرتبة الثالثة من بين خمسة مرشحين وتحصل على نسبة 55، 10 بالمائة، فقرر أن يقدم استقالته من رئاسة حزب طلائع الحريات واعتزال السياسة.

  16 سنة بين الوزارات

من الشخصيات التي ارتبطت بالنظام السابق، وبالرئيس عبد العزيز بوتفليقة، إذ تقلد، عمارة بن يونس، عدة مناصب وزارية مختلفة لمدة 16 سنة.

فقبل هذا المسار في عديد الحكومات المتعاقبة فترة حكم بوتفليقة، كان بن يونس نائبًا عن حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الـ( أرسدي) في سنة 1997 عن ولاية تيزي وزو، إلى غاية انشقاقه عن الحزب وتأسيس حزب "الحركة الشعبية الجزائرية" في العام 2012.

تقلد منصب وزيرٍ للصحة في العام 1999-2000، في حكومة أحمد بن بيتور، ثم وزيرًا للأشغال العمومية سنة 2000، ثم وزيرًا للبيئة وتهيئة الإقليم سنة 2012، ثم وزيرًا للصناعة سنة 2013، فوزيرًا للتجارة سنة 2014.

كان من أقطاب التيار العلماني والذي كان وجوده السياسي مثيرًا للجدل بسبب تصريحاته التي اعتبرت مسيئة للشعب الجزائري.

 منذ إدانته في قضايا فساد لها علاقة بقطاع التجارة بعقوبة سنة سجنًا نافذًا، وغادر عمارة بن يونس السجن في 2020، يغيب بن يونس عن الشأن العام، لتبقى العبارة المشهورة، "ينعل بو لميحبناش"، لصيقة به وبحزبه الذي خفت صوته أيضُا، من الساحة السياسية.

سؤال العودة

رشيد نكاز، من الوجوه التي صنعت الكثير من الجدل، فبعد إقامته في فرنسا، رجع للجزائر لممارسة السياسة، تجاوز فيها طرق الممارسة المعروفة أو التقليدية، وكرز من خلالها في نشاطاته على الشعبوية وإذكاء شحنة التغيير، فأسس "حركة الشباب والتغيير" غير المعتمدة.

ومن خرجاته قبل رئاسيات 2014، أخذ على عاتقه ممارسة السياسة وجهًا لوجه، والتنقل بين الولايات الجزائرية مشيًا على الأقدام، ونشر صوره ولقاءاته مع الشباب في الولايات، ودفعهم لممارسة التغيير وليس الكلام فقط.

من الشخصيات التي تحملت الكثير من الملاحقات والمتابعات، إذ أسهم في تعبئة الشارع ضد النظام السابق، وخروجه في الحراك الشعبي في 2019، إلا أن ذلك تسبب له في متابعات والسجن إلى أن قرر مغادرة البلاد واعتزال السياسة.

نضال النَّفس القصير

يقول الناشط السياسي، كريم مناد لـ" الترا جزائر" بأنه شارك في مسيرات الحراك الشعبي طوال سنة كاملة قبل منعها بسبب وباء كورونا، لكنه يرى أن اعتزال السياسة أو الحديث في القضايا السياسية يدق ناقوس الخطر، معترفا أن الكثيرون خاب ظنهم من إمكانية التغيير، وهو ملمح من ملامح مسار التغيير أو التحول الديمقراطي الصعب في الجزائر.

وأضاف مناد، بأن الاعتزال أو التنحي عن الممارسة السياسية بالنسبة لبعض الوجوه المعروفة في الساحة، دليل برأيه على أنها " لا تملك النفس السياسي، ورمت المنشفة سريعا"، فالنضال السياسي عمل يومي وتدريب على متغيرات الأحداث، مشيرا إلى أن "المواقف تُبنى ولا توهب".

بين كلمات: "الانطفاء" أو "التنحي" أو "الاعتزال" أو "الانسحاب"، يلفت إلى أن اللافت أن أغلب الوجوه لديها مبررات معلنة وغير معلنة، أو بالأحرى لديها مشاريع قصيرة المدى، أو " النضال القصير"، فبعض الوجوه كانت لديها " طموحات" أو " أطماع" في نيل مكانة ما في الواجهة السياسية، لديها أغراض ومآرب ودت تحقيقها، وعندما فشلت في أول الطريق اعتزلت.

انطفاء أو انسحاب

كثير من الشخصيات السياسية في الجزائر، تعتبر انسحابها تعبيرًا عن خذلان ما، فالخذلان هنا له عدة مستويات منها ما هو متعلق بالجانب السياسي العام، أو كما يصفه المختصون في المجال السياسي بظروف البيئة السياسية في البلاد، إذ يتشبث البعض بعدة عوامل تجعل من تلك البيئة سانحة للفعل السياسي، خاصة منها الحريات والشفافية في التسيير.

وبالرغم من بوادر الانفراج الذي عرفته البيئة السياسية في فترة ما بعد 2019 إلا أن مطالب الأحزاب مازالت تتعلق أساسًا بعدة معطيات، تتمثل بحسب الناشط السياسي عبد القادر حويتي، في تنقية الأجواء في الممارسة السياسية وفسح المجال للكفاءات الشبانية. وتفعيل استقلالية سلطة الإشراف على الانتخابات ومراقبة كمال المسار الانتخابي.

وأَضاف حويتي، (مرشح في الانتخابات التشريعية الأخيرة في قائمة حرة) أن عودة الحيوية للأجواء السياسية في البلاد يمر عبر استرداد الثقة من المواطن واستعادة حركية الأحزاب وخلق مبادرات سياسية متنوعة ولا تكتفي برسم الشعارات قولا، وإنما بالفعل في الميدان، فتعدد المبادرات وتجسدي الأفكار يخلق زخما حيويا، من شأنه أن يمثل مختلف الحساسيات ومكونات المجتمع في البلاد.

سلوك انسحابي؟

يعتبر السلوك الانسحابي، أحد المستويات من الانعزال السياسي في الجزائر، حيث يبرز من خلال تجنب الانفعال السياسي وقطع العلاقات مع مختلف دواليب السياسية ومخرجاتها، كما أنخ أحد جوانب العامل السوسيو -سياسي وأحد أوجه افتقاد أصحابه إلى قناعة تامة بـمبادئ " حركة أو حزب سياسي" أو بأفكار " مشروع سياسي".

وفي الكثير من الأحيان، يُساء فهم هذه الخطوة الانسحابية، كما تقول أستاذة علم الاجتماع السياسي نورة بوفلاقة، إذ يرى البعض عملية الانسحاب من السياسة، أو بالأحرى الانعزال السياسي  "جُبن" في مقابل أنه "قرار للحفاظ على مكتسباته السابقة"، أو خطوة نحو " الحفاظ على مكانته الاجتماعية".

وكنتيجة لمواقف ومتغيرات في الساحة،  فإن كثيرين يمارسون السياسة ولكنهم في الآن نفسه يشعرون بـ "غربة حزبية" أو "غربة انتماء إلى حزب معين"، وهو ما نجده في فترة حكم الرئيس بوتفليقة تحت مسمى "التجوال السياسي بين الأحزاب".

وتضيف الأستاذة بوفلاقة لـ" الترا جزائر" بأن " التجوال السياسي، هو خطوة أو مقدمة نحو خطوة أخرى تؤول بـ" ممارسة السياسة" إلى " العزلة" أو " الإقصاء"، وتشدد على أنه "لا يمكن أن ينعزل فقط بعد عدة خطوات، بل ينقلب فيها من فكرة إلى أخرى ومن مناصرة شخص ضد آخر، أو لربما ينعزل ثم يعود يومًا ما".

وعطفًا على ما ذكرته، فإن الحنين للسياسة، قريب لدى البعض، خصوصًا إن كانوا قد دخلوها من بوابة التنظيمات الطلابية، على سبيل المثال لا الحصر، أو من بوابة الجمعيات المدنية (لجان الأحياء- لجان المساندة- جمعيات مدنية في البلديات- تنظيمات طلابية).

وتقول إن هؤلاء، يمكن لهم أن يغيروا مساراتهم، في كل برامج سياسية تعرض عليهم، بحثا عن التموقع، وهو الأكثر إثارة ولفت للانتباه، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمارسون السياسية فعلًا؟

صرامة سياسية

أسباب كثيرة فرضت استبعاد هذه الشخصيات من الساحة، منها السياق السياسي الذي فرضته ظروف ما بعد الحراك الشعبي والذي تميز بمستوى من الصرامة السياسية منعت عودتهم وبروزهم مجددًا.

كما أن السياق الانتخابي الجديد، أحد أسباب العزلة، إذ توقفت الميكانيزامات السابقة التي كان يعتمدها النظام السابق والذي كان يعطي مقاعد ومساحة حضور لهذه الشخصيات، بالإضافة إلى بروز المجتمع السياسي والشعبي مع الحراك الشعبي والذي كانت له مواقف حادة من هذه الشخصيات ما دفعها إلى الانسحاب.