طبيب جزائري في مخيمات الروهينغا

طبيب جزائري في مخيمات الروهينغا

الطبيب الجزائري بين أطفال من الروهينغا في المخيم (ياسين عبدالجبار)

أثارت المجازر المقترفة بحق مسلمي الروهينغيا، استنكار المجموعة الدولية شعوبًا وحكوماتٍ ومنظماتٍ، لكن سرعان ما عادت القضية إلى دائرة الصمت، الذي يشوبه التواطؤ لدى بعض الجهات.

انتقل الطبيب الجزائري الشاب ياسين عبدالجبار، إلى إحدى مخيمات الروهينغا في بنغلاديش، للتطوع في تقديم المساعدات الطبية للاجئين

ويقدر عدد الروهينغا المضطهدين بـ800 ألف، من طرف الجيش الحكومي في بورما أو ميانمار. وقد صنفت الأمم المتحدة الروهينغا في صدارة الأقليات المضطهدة على مستوى العالم.

اقرأ/ي أيضًا: تطهير الروهينغا عرقيًا.. مجزرة مستجّدة وتفاعل معتاد!

طبيب جزائري في مخيمات الروهينغا

لم يشذ الجزائريون عن استنكار ما تعرض له مسلمو الروهينغيا، على مستوى الموقف، وعن المساهمة في تقديم المساعدات الغذائية والصحية، على مستوى التدخل الإنساني، في المخيمات التي احتضنتها دولة بنغلاديش تحديدًا، إذ بادرت عدة منظمات إلى ذلك، منها جمعية الإرشاد والإصلاح.

في السياق، قام الطبيب ياسين عبد الجبار (29 عامًا) بالانتقال إلى مخيم كوتيبالونغ، على الحدود البورمية البنغلاديشية المشتركة، لتقديم إسعافات طبية للمقيمين في المخيم، تحت غطاء الجمعية الفرنسية "نحبكم"، التي يرأسها الجزائري محمد كريم دراجي، وتعمل على توفير قفة رمضان للصائمين من أقلية الروهينغا.

الطبيب الجزائري، الذي سبق له أن قام بجولة إنسانية مماثلة في أقصى الجنوب الجزائري، يقول لـ"الترا جزائر" إنه كان يحلم بالوصول إلى مخيمات اللاجئين الروهينغا، من أجل "تقديم إسعافات طبية لمن يحتاجها، خاصةً بعد أن أشارت المنظمات الإنسانية إلى نقص الأطباء، لذلك لم أتردد في قبول دعوة الجمعية الفرنسية، التي تضم نخبة جزائرية من المتطوعين"، كما قال.

الالتفات حول الموت

ويضيف عبدالجبار: "كنت أعلم أن المكان منطقة حرب عرقية بكل ما يترتب على ذلك من مخاطر، منها خطر الموت. لكنني ألغيت مخاوفي ومخاوف أسرتي، حتى أكون منسجمًا مع اللحظات التي بكيت فيها وأنا أشاهد ما يحدث للأطفال والشيوخ والنساء، من خلال الصور والفيديوهات، التي كانت تبثها المنابر المختلفة في العالم".

انتقل ياسين عبد الجبار من الجزائر العاصمة إلى الدوحة، ومنها إلى العاصمة البنغلاديشية دكا، بصفته سائحًا، لأنهم لا يسمحون بدخول المسعفين المتطوعين بسهولة: "تم التحقيق معي من طرف الشرطة، لأنهم استغربوا أن أكون سائحًا قادمًا من الجزائر، خاصةً في شهر رمضان، فقلت لهم إنني معجب بثقافتكم، وإنني انتهزت فرصة عطلتي السنوية، فسمحوا لي بالدخول".

مكث ياسين يومين في دكا، تحت رعاية أحد ممثلي اللاجئين الروهينغا، ثم سافر جوًا إلى جنوب شرق بنغلاديش. يروي: "قمنا بشراء 100 طن من الحاجيات الغذائية والطبية، وقصدنا المخيم، عبر طريق بري صعب، خفيةً عن أعين الجيش البنغالي، الذي يحتجز في العادة أمثالنا".

في مقابل منع الجيش البنغالي للقوافل الإنسانية، لدواع أمنية كما يقول، يشير عبدالجبار إلى أن ثمة جماعات شعبية تعمل على تسهيل المهمة، من خلال توفير وسائل نقل بدائية، ورسم طرق بعيدة عن المراقبة، بعضها بدوافع إنسانية، وبعضها بدوافع تجارية، مثلما هو حاصل في كل الحدود عبر العالم، خاصةً الحدود المتوترة.

"كنا معرضين للموت أو الاختطاف أو تجريدنا من مؤننا طيلة الطريق الغابيّ الوعر، ليس من طرف الجيش البنغالي فقط، بل من طرف جماعات لصوصية تتواجد في المسار أيضًا. فالوضع مثلما أفرز جماعات إنسانية تعمل على تسهيل وصول المساعدات إلى مخيمات اللاجئين، أفرز في المقابل جماعات تسطو على هذه المساعدات، حتى وإن أدى بها الأمر إلى تهديد حياة حامليها"، يقول الطبيب الجزائري المتطوع.

"طريق إنساني نبيل"

لم ينفِ ياسين عبد الجبار خوه في مفاصل كثيرة من الطريق، لكنه كما يقول، كان يتغلب على خوفه بالتفكير في أنه "يسير في طريق إنساني نبيل، وأن مهنة الطب في أصلها هي فن التعامل مع الموت"، وكما يقول، فقد اختار عبدالجبار الطب لـ"أساعد الآخرين، لا لأستغلها في الحصول على أموالهم لتحسين ظروف حياتي".

رغم أن ظروف العيش داخل المخيم بائسة جدًا، بحكم الاكتظاظ وصعوبة وصول المساعدات، إلا أن الروهينغي الذي يتمكن من الوصول إليه يعتبر ذلك إنجازًا كبيرًا، لأنه يصبح محميًا من الموت: "لقد شاهدت بعضهم يبكون لحظة الوصول، فكأنهم ولدوا من جديد"، أو كما قال.

الروهينغا

ما أثار انتباه الطبيب الجزائري، مباشرةً بعد وصوله، "الطيبة العميقة لشعب الروهينغا، فهم ملائكة في هيئة بشر"، مضيفًا: "وليست طيبتهم ثمرةً لكونهم مغلوبين على أمرهم، بل هي طيبة متأصلة في ذواتهم". ويورد عبد الجبار جملة على لسان أحدهم: "لشدة طيبة الروهينغي، فهو يستبعد أن الجندي البورمي سيقتله، حتى وهو يضع فوهة البندقية على رأسه".

يستطرد: "يمكن أن تصادف طفلًا بلا أسرة، وأُمًا فقدت أولادها وزوجها، وعجوزًا لم يبقَ لها أحد من أسرتها، وفتاة لم يبق لها إلا أخ صغير، وهم لا يجدون حرجًا في سرد قصص معاناتهم، كنوع من التطهر النفسي؛ مثل الرجل الذي كان يبكي وهو يسرد لي كيف تم اغتصاب زوجته وبناته أمام عينيه، ثم تم حرقهن جميعًا".

يعيش لاجئو الروهينغا في بنغلاديش حياة بائسة، مع اكتظاظ مخيماتهم، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية إليهم 

ينهي الطبيب الجزائري المتطوع، ياسين عبدالجبار، حديثه لـ"الترا جزائر"، بالتساؤل: "لم أكن المتطوع الوحيد القادم من بلاد بعيدة، بل يوجد العشرات من الشباب المسلمين القادمين من القارات الخمس، فلماذا يترك بعض الشباب العمل في مثل هذا الميدان، ويذهبون ليفجروا دور العبادة وأماكن التجمع؟ لماذا لم يُسخر الذين قاموا بتفجيرات سيريلانكا مثلًا جهودهم لمساعدة مسلمي الروهينغا؟".

 

اقرأ/ي أيضًا:

 تطهير الروهينغا عرقيًا.. أدلة جديدة على تورط جيش ميانمار

"ناس الخير".. روح المجتمع المدني الجزائري