عبد القادر بن صالح.. رئيس مؤقّت في حقل ألغام

عبد القادر بن صالح.. رئيس مؤقّت في حقل ألغام

يصف البعض بن صالح بـ"الخادم المطيع" لنظام بوتفليقة (DR)

بينما كانت قوّات الأمن الجزائرية وبشكل غير مسبوق منذ بدء الحراك الشعبي في 22 شباط/فبراير الماضي، تواجه الطلبة الذين خرجوا، أمس الثلاثاء التاسع من نيسان/أبريل 2019، إلى شوارع العاصمة للمطالبة بالتغيير الجذري للنظام ورحيل "بقايا" الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، وفي مقدّمتهم الوزير الأوّل نور الدين بدوي ورئيس المجلس الدستوري الطيّب بلعيز ورئيس مجلس الأمّة (مجلس الشيوخ) عبد القادر بن صالح؛ كان الأخير يُلقي أوّل خطابٍ له بصفته رئيسًا مؤقّتًا للدولة.

كان بن صالح أحد رجال بوتفليقة الأوفياء وممن يحظون بثقته الكبيرة، ولم يعرف عنه أي مواقف مستقلة خارج دائرة القرار الرئاسي

كان ذلك، أيضًا أوّل خطابٍ لرئيس جزائري منذ 2012، تاريخ آخر خطابٍ للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، الذي أُصيب بعدها بسنةٍ بأزمةٍ صحية جعلته يكتفي بالرسائل المكتوبة في مخاطبة الجزائريين.

اقرأ/ي أيضًا: البرلمان ينصب بن صالح رئيسًا للجزائر والشعب يتمسك برفض "الباءات الثلاثة" 

"خادم النظام"

على عكس كثير من السياسيّين الذين تثير تصريحاتهم ومواقفهم وصورهم الجدل وتُتّخذ مادّة للتندّر على مواقع التواصل الاجتماعي، ظلّ بن صالح يحتفظ بخطاب دبلوماسي أبعده، إلى حدٍّ ما، عن حالة السخرية التي أغرقت الساحة السياسية الجزائرية في السنوات الأخيرة.

لكن، ومع بروز اسمه كخليفةٍ لبوتفليقة، تداوَل الجزائريون صورةً يظهر فيها وهو يغطُّ في نومٍ عميق خلال أشغال القمّة العربية الـ30، التي انعقدت في تونس نهاية الشهر الماضي؛ مع تعليقات تصف المشهد الجزائري بالسريالي: رجلٌ نائمٌ يصحو ليجد نفسه رئيسًا في اليوم الموالي!

قد لا تكون الصدفة تعبيرًا دقيقًا لوصف أقدار بن صالح الذي بدأ حياته المهنية صحافيًا في جريدة "الشعب" الحكومية سنة 1967، ثمّ تدرّج في عدّة مناصب سياسية ودبلوماسية، قبل أن يتولّى رئاسة مجلس الأمّة منذ 17 عامًا، ثمّ رئاسة الدولة منذ يوم أمس؛ فقد ظلّ الرجل "يحظى بثقة" بوتفليقة الذي عيّنه في المجلس سنة 2002، ضمن ما يُسمّى "الثلث الرئاسي" (يُنتخَب ثلثا أعضاء مجلس الأمّة ويُعيّن الرئيس الثلثَ الآخر)، وأسند إليه رئاسة "هيئة المشاورات الوطنية" التي أجرت، على وقع ثورات الربيع العربي في 2011، مشاورات مع أحزاب ومنظّمات وشخصيات وطنية لإعداد دستور 2016، وبات، منذ مرض الرئيس، ممثّله الشخصي في معظم المحافل الدولية.

هكذا سيكون تولي الرجل المحسوب على بوتفليقة قيادة المرحلة الانتقالية، وهي بحسب الدستور الجزائري 90 يومًا على أكثر تقدير تُجرى خلالها انتخابات رئاسية؛ مثار رفضٍ من الحراك الشعبي الذي يطالب برحيل جميع رموز النظام وعلى رأسهم "الباءات الثلاثة"، ويرى في تعيين بن صالح استمرارًا لتحكّم جماعة الرئيس المستقيل في دواليب السلطة.

واللافت، في هذا الإطار، أن مستشاري بوتفليقة هم أنفسهم من استقبل الرئيس الجديد في "قصر المرادية"، بل إن ناشطين رجّحوا أن يكون خطابه قد كُتب من قِبل نفس الأشخاص الذين كانوا يكتبون رسائل الرئيس السابق.

وتعليقًا على تنصيب بن صالح رئيسًا مؤقّتًا، كتب الباحث في علم الاجتماع عمّار بن طوبال: "نحن نعيش واحدًا من أسوأ أيام الحراك الشعبي. تعيين بن صالح رئيسًا للدولة هو انعطاف خطير نحو الالتفاف الحقيقي على مطالب الحراك ورفض الإنصات لها".

لم تُعرَف عن بن صالح مواقف مستقلّة أو جريئة حين يتعلّق الأمر بالشأن العام، وهو الذي فضّل أن يلعب دور "الخادم الوفي" للنظام، مكتفيًا بإدارة جلسات مجلس الأمّة الروتينية، وإلقاء الخطب خلال مشاركاته في التظاهرات الدولية ممثّلًا لبوتفليقة الذي ظلّ من أشدّ المدافعين عن استمراره رئيسًا.

فقبل أقلّ من أسبوع من بدء الحراك، دعا الجزائريّين إلى "المشاركة بقوّة" في الانتخابات التي كانت مقرّرة في الـ18 من نيسان/أبريل الجاري، والتصويب لصالح ولاية خامسة لبوتفليقة، معتبراً أنه "الرجل الأنسب لقيادة البلاد".

لغة الخشب

في خطابه أمس الثلاثاء، الذي اعتبره كثير من النشطاء اجترارًا لـ"لغة الخشب"، وطيلة 15 دقيقة، لم يذكر بن صالح بوتفليقة ولو مرّةً واحدة، مفضّلًا، بدلًا من ذلك توجيه التحية إلى الذين شاركوا "بطريقة سلمية ورصينة ومسؤولة في المسيرات المتتالية التي شهدتها الساحة السياسية منذ 22 فبراير"، معتبرًا أن الشعب الجزائري "عبّر، على نحو يبعث الإعجاب، عن تطلّعاته إلى التغيير والإصلاح والمشاركة الفعلية في اتخاذ القرارات ذات الصلة بمستقبله".

لكن الرئيس المؤقّت، وإن لم يأت على ذكر اسم سلفه صراحةً، فإنه سيضيف: "قيم العرفان التي اتّسم بها على الدوام أبناء شعبنا، تقتضي كذلك أن نسدي أبلغ عبارات الشكر والامتنان إلى كل الذين كان لهم الفضل في بذل ما في وسعهم بذله من أجل تمكين أبناء الجزائر وبناتها من التصالح فيما بينهم، ومن التعايش معًا في كنف السلام، وفي الإسهام في إعمار بلاد عصرية قوية".

ومن جهة ثانية، ذكّر بن صالح، الذي كان يقرأ من أوراق أمامه، أن "الأمر يتعلق بمهمة دستورية لا تعدو أن تكون ظرفية"، متعهّدًا بالتشاور مع الطبقة السياسية والمدنية على القيام، من باب الأولوية والاستعجال، بإحداث هيئة وطنية جماعية سيّدة في قرارها تُعهَد لها مهمّة توفير الشروط الضرورية لإجراء انتخابات وطنية شفافة ونزيهة والاضطلاع بالتحضير لها وإجراؤها".

مخاوف الالتفاف على الحراك

في تصريحٍ لـ"الترا جزائر"، يقول الكاتب والأكاديمي الجزائري نصر الدين باكرية: "لم يكن تنصيب بن صالح مفاجئًا، ولم يشكّل حدثًا؛ فهو محض إجراء شكلي باتجاه الحرفية الدستورية، بينما الأزمة في الجزائر أزمة سياسية تقتضي حلولًا سياسية. وقد لاحظنا كيف رفض الشارع الجزائري هذا التوجه حتى قبل تثبيت حالة شغور منصب الرئيس".

معلّقًا على الخطاب، يقول باكرية إن بن صالح بدا واثقًا ومعتدًّا بنفسه في خطابه عقب تنصيبه رئيسًا للدولة، وهو ما يشي بتلقّيه ضوءًا أخضر من المؤسّسة العسكرية التي ساهمت بشكل واضح في الاتجاه نحو الحلول الدستورية، رغم حديث رئيس الأركان، أحمد قايد صالح، عن المادتين السابعة والثامنة اللتين تنصّان على أنّ السلطة ملك الشعب، وهو ما كان يوحي بأن الجيش لا يمانع الذهاب إلى حلول سياسية وعدم الاكتفاء بالحرفية الدستورية.

يضيف باكرية أن "الجيش قد يذهب إلى الحلول السياسية، لكن بالتقطير، عبر تعفين الأوضاع، أو بالأحرى السماح ببعض التعفين الذي بدت بوادره من خلال قمع الشرطة للمحتجّين، والسماح بتنصيب بن صالح رغم مطالب الحراك بإسقاط الباءات الثلاثة. كلّ ذلك ليتدخّل الجيش لاحقًا بما يعزّز من مكانته وصورته لدى المحتجّين، ولكي لا يبدو تدخّله غير دستوري".

ويلفت المتحدّث إلى أن "الأزمة الحقيقية في الجزائر، والتي يتغاضى عنها الكثيرون، تتمثّل في تدخل الجيش في السياسة، ولولا دعم الجيش ما كان لبوتفليقة إن يبقى في الحكم طيلة 20 سنة".

من جهته، كتب أستاذ الفلسفة في جامعة الجزائر، محمد نور الدين جباب: "من يعرف بن صالح منذ أن كان مديرًا لجريدة الشعب في السبعينات، يعرف أن الرجل لم يدّع يومًا البطولة ولا الزعامة. لقد كان خدم عند النظام ولا يزال خدم عند النظام".

وثوق بن صالح بنفسه في خطابه، يشي بأنه تلقى ضوءًا أخضر من المؤسسة العسكرية التي يبدو أنها تفضل الاتجاه نحو الحلول الدستورية

وأضاف: "وعليه، فإن ما قاله قبل قليل أُملي عليه وقرأه طواعية، لذا لا أستبعد أننا على وشك سماع الإعلان الدستوري لأنه الحل الوحيد لتجنُّب مواجهة الشارع الذي قد يلجأ إلى خطوة جريئة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

مخاوف الحراك الشعبي من الالتفاف والعسكرة.. هل من مبرر؟

تقدير موقف: ماذا بعد استقالة بوتفليقة؟.. آفاق التغيير الديمقراطي في الجزائر