غادامير قارئًا سيلان.. كيف نقرأ الشّعر؟

غادامير قارئًا سيلان.. كيف نقرأ الشّعر؟

لوحة الموت والإنسان لـ إيغون شيلي

خصّص هانز غادامير كتابًا كاملًا بعنوان "من أنا ومن أنت؟ تعليق حول بول سيلان"، للحديث عن شِعر بول سيلان، وتحديدًا ديوانه " بلورة النفس".

يقول غادامير إنّه لا يكتب لهؤلاء الذين يدّعون أنهم فهموا شعر بول سيلان

في هذا الكِتاب المُهم، الصادر عن درا الجمل، ترجمة:علي حاكم صالح و حسن ناظم، يُقدّم لنا غادامير درسًا تطبيقيًا في تأويل الشِّعر، أو بالأحرى، كيف يُمكن قراءة الشعر؟ فإلى اليوم، مازال الشعر يمثل إشكالًا تأويليًا، ومازال السؤال كيف نقرأ الشعر حاضرًا في نقاشات النقّاد والشعراء.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا الحكايات في حياتنا؟

عنوان الديوان "بلورة النفس" ظهر في كتاب بعنوان "تحوّل النفس"، ونُشر أوّل مرّة في سنة 1965. ما هو موضوع هذه القصائد؟ ومن الذي يتكلّم فيها؟ ( السؤال المركزي في كتاب غادامير هو معرفة من يتكلّم في قصائد سيلان).

يُقرّ غادامير بأنّ قصائد سيلان غامضة إلى حدٍّ ما، ومع ذلك فهي "ليست مستغلقة"، ولا هي "عرضة لتأويل اعتباطي". القصائد تحتاج إلى "قارئ صبور"، وإلى " قارئ شغوف" غير متعجّل في فهم هذه القصائد، ولا يشترط في هذا القارئ أن يكون باحثًا متخصّصًا، بل "منصتًا جيّدًا".


الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير

النصّ الغامض ليس بالضرورة نصًّا مستغلقًا، كما أن الغموض لا يفتح أبواب التأويل على مصراعيه؛ بل لابدّ أن يخضع التأويل لضوابط ومعايير حتى لو كان النصّ غامضًا. وأمام النصوص الغامضة لابدّ من قارئ شغوف وصبور وغير متعجّل في فهم النصوص.

يقول غادامير، بخصوص شعر سيلان، إنّ قصائد هذا الأخير تُشبه تلك الرسائل التي توضع داخل قنينة فتُلقى في عرض البحر. فهو لا يعنيه من يكون ذلك القارئ الذي يمكن أن يجد القارورة والرسالة معًا، ومع ذلك، فالرسالة ما إن تقع بين يدي هذا القارئ المجهول، حتى تحمل دعوة للتواصل. فلابد للشعر أن يقول شيئا ما، بغض النظر عمّا يُمكن أن يقوله.

كان سؤال غادامير في مقدّمة هذا الكتاب هو: أي نوع من التواصل سيتحقق؟ وماذا سيقول الشعر؟ أي، ما طبيعة المقول الشعري؟ وعلى الرغم من وجاهة السؤال، فقد تجنّب غادامير الخوض في القضايا النظرية، وذهب رأسًا نحو قصائد سيلان، فمحاورة نصوصه الشعرية هي المخوّلة بالإجابة - نسبية الإجابة رغم ذلك- عن هذا النوع من الأسئلة، إذ يبدو أنّ كل نصّ يترك أدوات تسعف القارئ، إذا ما انتبه لها، على قراءته وتأويله.

يوضّح غادامير في توطئة كتابه بأنّ الغاية من هذا الكتاب ليست الوصول إلى نتائج حاسمة حول دلالات قصائد سيلان، لأنّ المعنى النهائي للشعر يبدو ضربًا من الاستحالة، بل هو عصارة " خبرة قارئ" وصلته هذه الرسالة.

ما يهمّ في هذه الإشارة هي لفظة الخِبرة؛ حيث القراءة هي تراكم من الخبرات التي يُحصّلها القارئ من تجارب قرائية سابقة. ولأنّ القراءة هي خبرة فهذا يعني أنّها في حالة تكوّن مستمرّة، وكل قراءة لنص ما تؤسس لتجربة مُختلفة، تنضاف إلى التجارب التي سبقتها. إذن سيقدم لنا غادامير إحدى خبرات القراءة لديه، التي هي انبثاق من علاقته مع نصوص بذاتها.

وفي جملة واحدة، كشف لنا غادامير عن أدوات القراءة لديه، وهي: التفكير، الحدس، الذاكرة، ثمّ يضيف إليها حُسن الإنصات الصحيح للنصوص.

"على المرء أن يفكّر، ويحدس، ويستعيد، حتى يتمكّن في الأخير من فكّ الشيفرة، والقراءة والسماع على نحو صحيح" ( ص 15 ). ما يحتاج إليه الشعر أكثر هو الإنصات؛ إذ تتحوّل القراءة إلى إنصات عميق ورهيف للنصوص الشعرية، كأنّ للنصوص أصوات لا يُمكن سماعها لمّا يعلو صوت الشاعر.

يقول غادامير، إنّه لا يكتب لهؤلاء الذين يدّعون أنهم فهموا شعر بول سيلان، فهؤلاء يؤكّدون أنّهم لا يعرفون أصلًا معنى الفهم. هناك صنف آخر من القرّاء هم هؤلاء الذين يصلون إلى فهم ما يريده المؤلّف بالضبط، فهؤلاء يقول غادامير يكونون قد عبّروا عن خبرة مشروعة. أمّا المكسب فهو أن يصل القارئ إلى فهم القصائد بشكلٍ مختلف وأفضل.

يتساءل غادامير أيضًا: هل من ضرورة لمعرفة ما يعتقده الشاعر عن قصيدة من قصائده؟ (ص20)، يقول: "إنّ المهم هو ما تقوله قصيدته، وليس ما  قصده  الشاعر، فربّما لا يعرف هو نفسه كيف يعبر عمّا يقصده" ( ص20).

ما الذي يُمكن أن يفيده الشاعر في فهم شعره؟ أن يلمّح إلى المادة الخام التي شكّلت موضوع قصائده. هذا يمكن أن يجنب القارئ الوقوع في سوء الفهم. مع أنّ هذه التلميحات تساعد على عدم الوقوع في إساءة الفهم.

يتساءل هانز جورج غادامير: "من هو الأنت في  الشعر؟"

يقول غادامير إنّ القصيدة هي التي تتكلّم وليس خبرات الشاعر، "تبدو لي القصيدة المكتفية بذاتها والمتمنعة، زاخرة بمعنى أوسع بكثير من ذلك الوضوح الذي قد يتوفّر عليه القارئ من تأكيد الشاعر لمقاصده" ( ص20). فالمعنى الساذج هو الذي يقول بأن الأنا تُحيل على ذات الشاعر؛ لكن الأنا التي ترد في الشعر لا يمكن أن تتحدّد بشكل حاسم بـ أنا الشاعر. الأنا هو ذلك الفرد الذي هو كلّ واحد منّا، وفي المقابل يسأل غادامير: من هو الأنت في الشعر؟

 

اقرأ/ي أيضًا: 

بول أوستر ورواية الأصول

النصّ المقّدس والمتخيّل الاجتماعي عند محمد أركون