كورونا وشهر الصيام.. ما الذي افتقده الجزائريون؟

كورونا وشهر الصيام.. ما الذي افتقده الجزائريون؟

حظر التجوال مازال مفروضًا إلى ما بعد عيد الفطر (تصوير: رياض كرامدي/أ.ف.ب)

بعد تأدية آذان الظهر، يوصد إمام مسجد أبي أيوب الأنصاري، الشيخ عمار، الأبواب، ويرتفع صوت النداء إلى الصلاة دون التحاق المصلين بالمسجد، بسبب وباء كورونا.

احتجبت النساء والفتيات عن زياراتهن لضريح سيدي عبد الرحمن أسفل القصبة

 في هذا الموضوع، حدثنا الإمام في حديث لـ "الترا جزائر" قائلًا، إن شهر رمضان لعام 2020 سيبقى في الذاكرة، وستتداوله الحكايات، وتُروى أيام الحجر المنزلي التي عاشتها قرابة ثلاثة مليار نسمة حول العالم  إلى الأجيال اللاحقة، أما صورة المساجد الفارغة بعد كل آذان فسيحتفظ بها جميع المسلمين ما تبقى من أيام حياته، كما ستبقى في ذاكرة المتحدّث، على حدّ تعبيره.

اقرأ/ي أيضًا: إحياء ليلة القدر في الجزائر.. عادات غيّبتها كورونا

رمضان يفقد مقاصده

لقد مضى شهر رمضان هذا العام كئييًا بحسب تعبير كثيرين، بسبب تفشي فيروس كورنا المستجد، وما ترتب عنه من إجراءات وتدابير ووقائية حيث افتقد لطقوسه التعبدية والليلية، ومرّ دون كل تلك العادات التي ألفها الناس، إذ لم ترتسم البهجة على تعابير الناس، وارتدى الناس بدل الابتسامة كمامات مخافة العدوى، كما أُغلقت المساجد، وعُلقت مطاعم الرحمة الجماعية، وحُرم الأطفال من ألبسة العيد، ما أخرج شهر رمضان من مقاصده الروحية وأهدافه المجتمعية.

دور العبادة المهجورة

تشهد المساجد في شهر رمضان إقبالًا كبيرًا للمصلين في العادة، مع تنافس كبير بين المُقرئين، وطالما تميزت ليالي رمضان بصلاة التراويح في المساجد لكن مقارنة بالأعوام  السابقة،  تغيرت ملامح هذا الشهر الفضيل لهذا السنة، حيث تم تعليق الصلاة في المساجد والساحات، وأغلق المصليات وبيوت الله في كامل التراب الوطني، وأعلنت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف عن تدابير وقائية للحد من انتشار الفيروس، وأفتت لجنة الفتوى أن صلاة التراويح وصلاة العيد ستقامان في المنازل، ودعت إلى تفادي الزيارات العائلية والتقارب الاجتماعي.

في هذا السياق، قال مؤذن مسجد أبو حنيفة النعمان وسط العاصمة أن شهر رمضان  لن يُنسى بسهولة في زمن فيروس كورونا، معبرًا عن إحساسه العميق بالحزن الذي ينتابه بعد كل أذان، أين يصلي منفردًا.

أضاف المتحدّث في حسرة، أنه بناء على توصيات مديرية الشؤون الدينية، غابت حلقات الذكر وتلاوة القرآن في المساجد، ولم تتزين المآذن بالأضواء. وعقب المؤذّن في حديث لـ "الترا جزائر" أن "صورة المسجد وهي فارغة مؤلمة ومبكية وصادمة".

الأضرحة دون زيارات

إلى جانب صلاة التراويح، احتجبت النساء والفتيات عن زياراتهن لضريح سيدي عبد الرحمن أسفل القصبة، وسيدي محمد وسط الحي الشعبي محمد بلوزداد، إذ تجدر الإشارة أن هذه الأضرحة تعرف في الجزائر خلال شهر رمضان إقبالًا كبيرًا، قصد التبرك بأولياء الله الصالحين، والتوسّل إلى الله، وتقديم الصدقة وإخراج الزكاة.

 تعتبر الأضرحة مقامات يقبل عليها الروّاد خلال شهر رمضان لطابعها الروحي والرمزي، رافعين أدعية لرفع مظلمة، وتضرعًا إلى الله لجلب السعادة.

المطاعم الجماعية

من جهة أخرى، أضحت المطاعم الجماعية تقليدًا تشرف عليه جمعيات شبابية وخيرية كل رمضان، حيث كانت تعد موائد إفطار جماعية طويلة ومجانية، يجتمع حولها كل عابري السبيل، أو المهاجرين الأفارقة، كما توزّع آلاف من الوجبات الغذائية على الفقراء والمحتاجين والأشخاص بلا مأوى.

 من المؤسّف جدا أن فيروس كورونا تسبب أيضًا في تواري واحتجاب هذه المطاعم الجماعية، من المشهد التضامني في الشهر الفضيل، لكن رغم تعليق نشاط الإفطار الجماعي لأسباب وقائية، أصرت بعض الجمعيات الخيرية على توزيع الوجبات الغذائية الدافئة على المحتاجين وتوزيعها على المستشفيات والأشخاص المشردين في العراء.    

المقاهي وذكريات الماضي

تعتبر المقاهي من الأماكن المفضلة لدى الجزائريين، ورغم حظر التجوال، يغامر بعض أصحاب المقاهي في الأحياء الشعبية ببيع القهوة، إذ يفضل عشاق البن طَعم القهوة السوداء خارج البيوت، وتعتبر المقاهي بمثابة نوادٍ اجتماعية في المجتمع الجزائري، تناقش فيها قضايا الساعة، ويتجاذب الناس فيها أطراف الحديث حول الشأن السياسي والاجتماعي والثقافي و الرياضي.

ومثالًا على ذلك، يحمل مقهى تلمساني بشارع البحرية بجانب المسجد الكبير أسفل مدينة القصبة، رمزية مميّزة لها طابع خاص في شهر رمضان، حيث يعتبر محطة لقاء تجمع الكثير من أصدقاء الطفولة، والدراسة، وأبناء الأحياء المجاورة. يملك هذا المقهى العتيق نوستالجيا كبيرة عند روّاده الذين يتوقون إلى جلسات غنائية أندلسية وشعبية، كامن يحييها في السابق كل من الحاج الناظور، والحاج محمد العنقى، وقروابي، والحاج العنقيس، وغيرهم في عين المكان.

الأنشطة الثقافية  

إضافة إلى كل ما سبق، شهدت الأنشطة الثقافية والفكرية والأمسيات الغنائية توقفًا تامًا، حيث كانت تقام وتنشط خلال كل شهر رمضان بالمسارح الجهوية، أو المكتبات العمومية، وغابت العروض والسهرات الاحتفالية بأوبرا الجزائر، وافتقد عشاق الفن الشعبي سهرات احتفالية وسط ميناء الجزائر وساحة بور سعيد.

 عيد دون بهجة الأطفال

فرض فيروس كورونا أحكامه القاسية على حياة كثير من الناس، وغابت مظاهر التسوق والازدحام أمام محلات ألبسة الأطفال، لكن رغم حظر نشاط بيع الملابس، بادر أصحاب المحلّات إلى البيع عبر الانترنت، أو فتح المحلات بعيدًا عن أعين أعوان المراقبة والتجارة.

في هذا الإطار، كشف فريد صاحب محل بيع ألبسة للأطفال بدالي براهيم أن إصرار بعض الزبائن على اقتناء كسوة العيد، جعله يكسر الحظر لتلبية حاجيات الزبائن، مضيفًا أن غالبية العائلات قرّرت عدم شراء ملابس العيد، في ظلّ استمرار تدابير الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي والعائلي ومخاوف انتشار العدوى خلال زيارات الأهل والأقارب.

الآثار النفسية والاجتماعية لإجراءات الوقاية من كورونا قد تدوم طويلًا

 على العموم، تبقى صورة المساجد المهجورة، والشوارع الفارغة، وسكون ليالي شهر رمضان من أصوات القرآن وصياح الأطفال، معلقة في أذهان كثير من الجزائريين، وسترسخ هذه الظاهرة مرارة شهر رمضان 2020، الذي تزامن مع انتشار وباء كورونا المستجد في ذاكرة هذا الجيل لمدّة طويلة، فقد تنجلي آثاره الاقتصادية تدريجيًا بعد اختفاء الوباء أو اكتشاف العلاج، غير أن آثاره الاجتماعية والنفسية قد تدوم لفترة طويلة. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

 الصيام الأول للطفل الجزائري.. كأنه ولادة!

الرجل الجزائري في المطبخ.. كورونا والحجر المنزلي يتحالفان