محمّد الطّاهر الزّاوي.. التّمثيل المسرحيّ بصفته حياةً موازية

محمّد الطّاهر الزّاوي.. التّمثيل المسرحيّ بصفته حياةً موازية

محمد الطاهر الزاوي (فيسبوك/الترا جزائر)

حين ولد الممثّل المسرحي والتّلفزيوني محمّد الطاهر الزّاوي، في مدينة باتنة عام 1972، لم يكن محيطه الأسريّ يملك علاقة بممارسة الفنّ، ما عدا عمًّا له، كان مرتبطًا سرًا بإحدى الفرق الموسيقيّة المجهولة، لأنّ الجدّ كان يرى في ذلك طريقًا للعيب الذّي يُشوّه سمعة العائلة.

كان عام 2011 فاتحة لجملة من الجوائز والتّتويجات في مسار محمّد الطّاهر الزّواي

 غير أنّ المدرسة الابتدائيّة عوّضت الأسرة في هذا الباب، فضمّت محمّد الطّاهر إلى فرقتها المسرحيّة، ومنحته دورًا في إحدى المسرحيّات التّي تمّ تسجيلها وبثّها في التّلفزيون، ممّا جعله محطّ إشادة المحيط، فبرمج طموحه على التمثيل الذّي، جعله يشعر بأنّه مهمّ وكبيرٌ في نظر الآخرين.

اقرأ/ي أيضًا: عثمان عريوات.. "الجنرال" يعود إلى التلفزيون الجزائري

أدرك محدّث "الترا جزائر" مبكّرًا ما عليه أن يبذله في منحى تكوين نفسه، من ذلك اكتساب لسان مدرّب على التّعامل السّلس مع اللّغة، فانخرط في فرقة الإنشاد الخاصّة بمسجد الحيّ بالموازاة مع حفظ القرآن، "ممّا درّب لساني ونطقي وإلقائي، فكأنّني كنت في دورة تدريبيّة ما قبل الولوج الفعليّ إلى المسرح. وهذه هي الخلفيّة الحقيقيّة لكون معظم أدواري لاحقًا كانت باللّغة العربيّة الفصحى. فأنا لا أشعر بكوني انتقلت من مقام لغويّ إلى آخر حين أمثّل بالفصحى، لأنّها رافقت طفولتي، فصارت ميزةً أصيلةً في شخصيّتي، وما يترتّب عنها من مشاعر وعواطف".

كانت مدينة باتنة وما تزال، إحدى الحواضن المسرحيّة في الجزائر. وهو المعطى الذّي أنقذ موهبة محمد الطّاهر الزّاوي، إذ التحق، بعد حصوله على شهادة البكالوريا/ الأهلية العامّة، بفرقة "آفاق للفنون الدّراميّة" عام 1990، في جملة من العروض التّي تتوفّر على الملامح الحقيقيّة للعرض المسرحيّ.

 كانت معظم تلك العروض من إخراج لطفي بن سبع (1958)، الذّي رأى في محمّد الطّاهر الزّاوي فرصةً لأن يُمرّر فلسفته الإخراجيّة من زاوية التّمثيل، "في مقابل كوني رأيت فيه فرصتي لأن أطلق العنان لموهبتي التّي اكتمل إيماني بها". يسأل الزّاوي: "لماذا لا نؤرّخ في الجزائر للّحظات والتّجارب التّي جمعت مخرجين بممثلين، فصنعت مجد الأسماء في الإخراج والتّمثيل؟".

من تلك العروض "حانة الأعراب" عام 1993، و"الطّيحة" عام 1999، و"الجلسة" عام 2003، و"عودة هولاكو" عام 2006، و"عبيدو" عام 2007. "وكلّها عروض امتصّت خوفي من الخشبة وهيبتي من الجمهور، وجعلتني أعيش لحظة التّمثيل بصفتها هي الواقع، بينما أرى الواقع حياةً متخيّلة. وهذا ما يُفسّر عفويتي فوق الرّكح وتحفّظي خارجه".

مهّدت هذه التّجربة لدخول محمّد الطّاهر الزّاوي إلى المسارح الحكوميّة، مثل مسرح باتنة وأمّ البواقي والمسرح الوطنيّ الجزائريّ، حيث اشتغل مع نخبة وازنة من المخرجين المنتمين إلى أجيال وحساسيّات مختلفة مثل صونيا ونبيلة إبراهيم وفوزي بن إبراهيم وشوقي بوزيد وحيدر بن حسين وحسن بوبرّيوة وجهيد دين الهنّاني، "فكان انتقالي من يدٍ إخراجيّةٍ، إلى أخرى شبيهًا بانتقال طفل من مرضعة إلى أخرى، بما يؤهّله لأن يتذوّق كثيرًا من أنواع الحليب. وهل الفنّ المسرحيّ إلّا استلهام للتّنوّع بمفاهيمه المختلفة؟".

كان عام 2011 فاتحة لجملة من الجوائز والتّتويجات في مسار محمّد الطّاهر الزّواي، حيث افتكّ جائزة أحسن أداء رجالي في مسرحية "مستنقع الذئاب"، ثمّ توّج بجائزة أحسن أداء رجاليّ كدور ثانٍ في مسرحيّة "أمسية في باريس"، فجائزة أحسن أداء رجاليّ في مسرحية "الرّهينة" بالمهرجان الوطنيّ للمسرح النّسويّ في مدينة عنّابة، فجائزة أحسن أداء رجاليّ في مسرحيّة "العطب". وما عدا الجائزة الثّالثة، فقد كانت بقيّة الجوائز ضمن المهرجان الوطنيّ للمسرح المحترف في الجزائر العاصمة، وهو بهذا يُعدّ أكثرَ الممثّلين الجزائريّين تتويجًا في هذا المهرجان منذ تأسيسه.

في مقابل مشاركته في مهرجانات عربيّة وازنة أخرى، منها مهرجان الرّستاق العربيّ للمسرح الكوميدي في سلطنة عُمان، ومهرجان المسرح العربيّ في الأردن، والمهرجان الدّولي للمسرح التّجريبيّ في مصر، وشهر الرّبيع الثّقافي في البحرين، وأيّام الشّارقة المسرحيّة.يقول محمّد الطّاهر الزّاوي لـ "الترا جزائر"، إنّه ينقصه فضاء أرحب وأنظف وأكثر تقديرًا للجهود الفنّيّة، "فالمشهد الجزائريّ بخيل في منح الفنّان الأجنحة الكافية للتّحليق. وما يؤسف له أنّ هذا البخل، لا يأتي من المسؤولين فقط، بل من الشّركاء في الممارسة الفنّيّة أيضًا".

محمد الطاهر الزاوي: "المشهد الجزائريّ بخيل في منح الفنّان الأجنحة الكافية للتّحليق"

من هنا، يحلم مهندس الدّولة في الإعلام الآلي، والتّقني السّامي في الملاحة الجوّيّة، بمشهد مسرحيّ يمكّن المنخرطين فيه من التّفرّغ للممارسة الفنّيّة، "في ظلّ سوق تجمع بين المال والجمال، وتساهم في صناعة الفرجة والوعي والحياة".

اقرأ/ي أيضًا: 

بطل "أولاد الحلال" خلف القضبان بتهمة التحريض على التجمهر

عثمان عريوات.. "غيفارا" الكوميديا السوداء في الحراك الشعبي