مخطط عمل الحكومة.. البرامج الثقافية في ذيل الاهتمامات

مخطط عمل الحكومة.. البرامج الثقافية في ذيل الاهتمامات

في أحد أجنحة معرض الجزائر الدولي للكتاب (تصوير: بلال بن سالم/Getty)

تضمّن مخطط عمل الحكومة في الشأن الثقافي خطوط عريضة وأسطر معدودة، ولم تحظ الثقافة في مخطط الحكومة باهتمام يرتقي إلى انشغالات المهتمين بالشأن الثقافي، واشتمل البرنامج الحكومي على الاهتمام بالتراث الثقافي، وتفعيل دوره الاقتصادي والاجتماعي والتربوي، وإعادة التشريع في مجال حماية المواقع الأثرية، ومحاربة الاتجار غير المشروع في الممتلكات الثقافية، وإعادة ترميم المعالم التاريخية، كالمساجد والزوايا والمواقع المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي.

الكاتب محمد بن زيان: الفعل الثقافي ارتبط بالحدث المهرجاني وغياب التأسيس لتقاليد ترسيخ الثقافة في يوميات الجزائري

وتضمّن المخطط تدابير تتعلق بفتح ورشات حول المسرح والكتاب والتفكير التشاركي للأطفال، وتنظيم عروض سينمائية ومسرحية، وستعمل الحكومة على إحداث بيئة ملائمة لظهور وازدهار المواهب والملكات الفنية واحداث البكالوريا الفنية.

اقرأ/ي أيضًا: المكتبة الوطنية الجزائرية تفتح فضاءاتها أمام القراء والباحثين

المشهد الأدبي يحتضر

في هذا السياق، كتب الروائي أحمد طيباوي، في منشور على حسابه الخاص على موقع فيسبوك، شهران ونصف مضت منذ تولت وزيرة جديدة حقيبة الثقافة، قادمة من الظل، لم تقدم رؤيتها ولا مشروعها، مضيفًا أن الثقافة فعل هامشي بالنسبة لأهل القمة. وأرجع طيباوي هذا التراجع إلى غياب التظاهرات واللقاءات وأهمها معرض الدولي للكتاب، معلقًا "لا لقاءات ولا تظاهرات ولا إصدارات جديدة".

في المقابل، دعا طيباوي في حديث لـ "التر جزائر"، وزارة الثقافة إلى تأسيس رؤية ثقافية واضحة المعالم تحدد فيها الوسائل والأدوات والأهداف، مشدّدًا على دور معرض الجزائر الدولي للكتاب، كفضاء يُمكن للقارئ من الاحتكاك بالفعل الثقافي عبر الندوات والنقاشات.

يلحّ الروائي إلى ضرورة وضع سياسة حول الكتاب والنشر والتوزيع، داعيًا  في سياق آخر إلى إعادة النظر في المسارح الوطنية والجهوية والتي تعرف ركودًا حتى قبل جائحة كورونا. إذ يعتبر "أن أزمة الثقافة في الجزائر تعود إلى غياب إدارة سياسية، تصنف القطاع الثقافي في مرتبطة الأولويات القطاعية كالصحة والتعليم".

أزمة الكتاب تتزايد  

أما بخصوص أزمة الكتاب والمقروئية التي عمقتها جائحة كورنا، يؤكد هارون حمادو، صاحب دار "كنوز يوغرطا"، أن سوق الكتاب يعيش أسوأ أيامه منذ استقلال الجزائر، معلّقًا "إضافة إلى تراجع المقروئية، تشهد أسعار الكتاب ارتفاعًا جنونيًا بسبب غلاء أسعار الورق في السوق الوطنية والدولية".

وأفاد محدثنا أن سوق الكتاب يشهد فوضى نتيجة الدخلاء على قطاع النشر، مطالبًا تدخل المكتبة الوطنية ووزارة الثقافة لتنظيم سوق الكتاب عبر منح الترقيم الدولي لدور النشر المهنية، للحد من فوضى الطباعة والنشر.

كما دعا حمادو وزارة الثقافة للتواصل مع الناشرين، وهذا بقصد تقديم الدعم وتوحيد سعر الكتاب، محذرًا في الوقت نفسه، من إفلاس المطابع واختفاء دور النشر، ما يعكس صورة سلبية عن البلد بحجم الجزائر. على حدّ قوله.

غياب رؤية استراتيجية

من جانبه، يرى الكاتب محمد بن زيان، في حديث لـ "التر جزائر"، أن موضوع السياسة الثقافية طُرح عدة مرات، ولكن الطرح انفصل عن الرؤية الاستراتيجية للقطاع الثقافي، مضيفًا أن السياسية الثقافية خضعت دائمًا إلى حسابات ظرفية تتعلق بالرهانات السياسية والهوياتية.

واعتبر بن زيان أن ركود المشهد الثقافي مسؤولية مشتركة بين الدولة عبر مؤسساتها والفاعليين الثقافيين، مشيرًا أن الفعل الثقافي ارتبط بالحدث المهرجاني وغياب التأسيس لتقاليد ترسيخ الثقافة في يوميات الجزائري.

ويستشهد المتحدّث، بمثقفين على غرار مصطفى كاتب، طاهر وطار، عبد القادر جغلول، ودرهم في بعث ديناميكية ثقافية، مستدركًا أن الدولة تتحمل الجانب الأكبر، لأنها المكلفة ببلورة الرؤية الاستراتيجية التي تحرر الفعل الثقافي من طابعه الرسمي والمهرجاني. كما تأسف الكاتب عن غياب ثمار السياسة الثقافية، رغم الميزانيات الضخمة التي اتفقت على الهياكل والمهرجانات والحفلات.

نداء استغاثة

من جهته، وبكثير من الانكسار والحزن، يقول عزيز حمدي، ناشط ميداني وفاعل ثقافي، "قبل الحديث عن الواقع الثقافي، يجب أن يكون هناك مشهدا ثقافيًا، لكي يمكن الحديث عنه". مستطردًا أن هيمنة وزارة الثقافة على الشأن الثقافي جعلت منه قطاع مقيد وضيق الأفق غير متحرّر ومبدع، ارتبط بالمهرجانات والمظاهرات البروتوكولية والرسمية.

 خلال الأزمة الصحية، بحسب المتحدث، برز أن الثقافة في العالم هي أبعد من مجرّد فن، بل بديلًا صحيًا تنفس فيه الناس الصعداء رغم إجراءات الحجر المنزلي والصحي، مضيفًا أنه بفضل الثقافة استطلاعات المجتمعات تجاوز الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، "لذلك يجب إعادة النظر كليا في السياسة الثقافية، وتصنيفها ضمن الأولوية السلطات العمومية، وتحرير الفعل الثقافي من كل القيود الإدارية والحواجز والعقبات، وشريع قوانين تحمي الفنان خلال مساره المهني، وتتكفل الدولة بدعم جمعيات المجتمع المدني الناشط في الحقل الثقافي والمعرفي".

وقال محدثنا إن الدعم المالي لابد أن يستفيد منه الفنان وكل الفاعلين في المسرح الثقافي، وعلينا عصرنة تسيير الشأن الثقافي، اعتمادًا على "المناجمت الثقافي" بدل العون الإداري، ولا بد من التواصل مع العالم الثقافي بالخارج، والاحتكاك بالشركات الفنية الدولية والاستفادة من التمويل والتعاون الدوليين في مجال ترقية السينما والفن والمسرح والموسيقى والفنون الجميلة وغيره، على حدّ تعبيره.

وختم محدثنا أن الدبلوماسية الثقافية شأنها شأن الدبلوماسية السياسية والاقتصادية، تعكس صورة جمال البلد المتنوع والمتعدد، التي تجذب المتعاملين الاقتصاديين والسواح.

يسود اعتقاد عام أن الثقافة هي وسيلة للترفيه وملء الفراغ وتأتي في آخر تصنيف القطاعات، لذلك لم تحظ الثقافة في مخططات الحكومات

يسود اعتقاد عام أن الثقافة هي وسيلة للترفيه وملء الفراغ وتأتي في آخر تصنيف القطاعات، لذلك لم تحظ الثقافة في مخططات الحكومات إلا بالطابع الريعي الذي يوزع الأموال، ولقد أظهرت أزمة كورونا قدرة قطاع الثقافي على تشكيل بديل يتماشى مع التحولات المجتمعية والسياسية، وأن القطاع الثقافي لا يقل أهمية عن الأمن السياسي والاقتصادي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مثقفو الجزائر يدينون حلّ جمعية ثقافية

كيم إكلين: الناس يؤكدون أنفسهم عبر رواية القصص