معتقلو الرأي في الجزائر.. القضاء في وضع مُحرج

معتقلو الرأي في الجزائر.. القضاء في وضع مُحرج

بعض معتقلي العشرية السوداء يقبعون الجسن منذ 27 عامًا (فيسبوك/ الترا جزائر)

مَثل أربعة معتقلين، من بينهم المناضلة سميرة مسوسي، يوم الخميس الماضي أمام قاضي التحقيق بمحكمة سيدي محمد بالعاصمة، ويُتابَعُ هؤلاء بتهمة المساس بالوحدة الوطنية بسبب رفعهم للراية الأمازيغية في مسيرات الحراك الشعبي، وبعد جلسة الاستماع تمّت إعادة المعتقلين إلى سجن الحراش، في انتظار الفصل في قضيّتهم.

تعود حيثيات الأزمة، إلى قرار يمنع رفع الراية الأمازيغية في المسيرات الشعبية

حظر رفع الرايات

تعود حيثيات الأزمة، إلى قرار يمنع رفع الراية الأمازيغية في المسيرات الشعبية، وجاء هذا القرار بعد خطاب قائد الأركان قايد صالح في 17 جوان/ حريزان الماضي، والذي قال فيه "إنّ هناك محاولات لاختراق المسيرات من خلال رفع رايات غير الراية الوطنية"، وتابع مهدّدًا "لقد تم إصدر أوامر صارمة لقوّات الأمن، للتصدّي لكل من يُحاول المساس بمشاعر الجزائريين"، مستطردًا "للجزائر علم واحد استشهد من أجله ملايين الشهداء، وراية واحدة هي الوحيدة التي تمثّل رمز سيادة الجزائر واستقلالها ووحدتها الترابية والشعبية".

اقرأ/ي أيضًا: إسقاط رايات الحراك.. قايد صالح يُطلق النار على إحدى ساقيه!

وتطبيقا لتعليمات قائد الأركان، شهدت الجمعة الثامنة عشر من الحراك، توقيف عشرات المتظاهرين من حاملي الراية الأمازيغية خلال المسيرات.

جمعيات حقوقية تندّد

من جهتها، ندّدت أحزاب سياسية وشخصيات وطنية وجمعية حقوقية بحملة الاعتقالات التي مسّت متظاهرين سليمين، ووصفتهم بعض الأوساط السياسية والمجتمعية بمعتقلي الرأي. في مقابل ذلك طالبت تيّارات إسلامية وعلمانية، بالإفراج عن معتقلي الرأي الذين سُجنوا بسبب مواقفهم السياسية أو رفعوا شعارات سلمية خلال المسيرات.

بحسب منظمة "أمنيستي انترنسيونال" فرع الجزائر، فإنّه تم توقيف ما بين شهري جوان/ حزيران وجويلية/ تمّوز 43 متظاهرًا، تم إيداع 34 منهم رهن الحبس المؤقّت، أمّا البقية فهم قيد المراقبة والمتابعة القضائية، ويُتابع المحبوسون، بتهمة المساس بسلامة وحدة الوطن، طبقًا للمادة 79 من قانون العقوبات، وتصل عقوبتها إلى 10 سنوات سجنًا نافذًا.

الراية الثقافية

في السياق نفسه، أكّد محامو المعتقلين، أن موكّليهم اعترفوا أمام النيابة العامة، أن رفع الراية الأمازيغية يمثّل البعد الثقافي، ولا يمسّ بالوحدة الوطنية، ولا يشكّل بديلًا يُنافس العلًم الوطني الرسمي، وفي هذا الصدد يُشير المؤرّخ محمد أرزقي فرّاد في حديث إلى "الترا جزائر"، أن الراية الأمازيغية تأسّست من طرف جزائريين مطلع السبعينات، في غمار النضال من أجل إعادة الاعتبار للمكوّن الأمازيغي الذي يجمع شعوب شمال إفريقيا، وتبنّى أمازيغ شمال أفريقيا هذه الراية، باعتبارها عنصرًا إضافيًا للوحدة، ولم تُطرح الراية الأمازيغية بديلًا عن العَلَم الوطني الرسمي.

وتتكوّن الراية الأمازيغية بحسب المتحدث من ثلاثة ألوان، هي الأزرق والأخضر والأصفر، ممثلة أفقيًا، يتوسّطها حرف "ياز" بأبجدية تيفيناغ الأمازيغية، وتشير الألوان إلى الطبيعة الجغرافية للأراضي الأمازيغية، فالأزرق يدّل على البحر والأخضر يدلّ على السلاسل الجبلية، والأصفر يرمز إلى الصحراء الكبرى.

إجراءات قضائية

من جهتهم، يُشير نشطاء حقوقيون إلى تجاوزات حصلت خلال إجراءات النيابة العامة، هنا، يوضّح المحامي عبد الغاني بادي في حديث إلى "الترا جزائر"، أنه لولا الخطاب الاستباقي لقائد الأركان، لما تحرّكت الجهات الأمنية، ولما وقعت حلمة الاعتقالات تلك، ويؤكّد المتحدّث في السياق نفسه، أنّ خطاب قايد صالح، شرعنَ ما لم ينصّ عليه القانون، إذ لا توجد نصوص قانونية تُجرّم حمل راية أخرى غير الراية الوطنية، ولكن في المقابل، توجد نصوص تجرّم إهانة العلم الوطني على حدّ قوله.

في السياق نفسه، يُلفت المتحدّث إلى وجود قصور في قراءة النصوص القانونية من طرف قضاة النيابة، موضحًا " روح وفلسفة القانون، تنصّان على أن النصوص العقابية التي تجرّم وتُعاقب، يجب أن تُفسَّر تفسيرًا ضيّقًا وليس موسّعًا، وبالتالي إسقاط المادة 79 من قانون العقوبات التي تنصّ على المساس بسلامة وحدة الوطن، على حاملي الراية الأمازيغية، يُعتبر تفسيرًا موسّعًا، وهو ما يتنافى مع روح القانون".

 يُشير بادي أيضًا إلى " أن إجراءات المتابعة القضائية ضدّ المتّهمين، في مختلف المحاكم كانت غير منسجمة، ومتباينة في المواقف والأحكام، رغم أن الواقعة واحدة".

معتقلو التسعينات

فئة أخرى من المواطنين، تم الزجّ بهم في السجون مطلع التسعينيات، غالبيتهم مناضلون في حزب "جبهة الإنقاذ" المُحلّ، ويقدّر عددهم بحسب تقارير إعلامية، ما بين 160 و200 سجينًا، يقبعون في السجون منذ ما يُقارب سبعة وعشرين سنة، في ظروف توصف بغير الإنسانية، حيث يوجد كثير منهم في وضعية صحيّة ونفسانية صعبة.

في هذا السياق، يُشدّد مصطفى بوشاشي، المحامي والناشط السياسي، في حديث إلى "الترا جزائر"، على ضرورة إعادة النظر في ملفّ هؤلاء المساجين، حيث أكّد على اعتبارهم معتقلين سياسيين، ذنبهم الوحيد أنّهم مناضلون في حزب سياسي كان معتمدًا، وأنّهم ضحايا قرار توقيف المسار الانتخابي، بعد فوز حزبهم بالانتخابات التشريعية عام 1992، على حدّ قوله.

يُذكّر بوشاشي، أنّ هؤلاء المساجين (فترة التسعينات) تمّت محاكمتهم في محاكم خاصّة لم ينص عليها الدستور، إضافة إلى مُحاكمتهم في محاكم عسكرية لم تتوفّر فيها شروط المحاكمة العادلة، وبالتالي، حسب المتحدّث، "لا بدّ من فتح هذا الملف السياسي من جديد، أو على الأقل الاستفادة من العفو الرئاسي".

اليوم، يتساءل مختصّون في القانون، لماذا لم تستفد هذه الفئة من إجراءات الوئام المدني الموقّع عليه في الجريدة الرسمية سنة 1999؟ أو قانون السلم والمصالحة، الذي تمّ التصويت عليه في سنة 2001؟ إذ بحسب المادة 10 من قانون المصالحة "يستفيد من إجراءات العفو كلّ من لم يثبت تورّطه في مجازر جماعية أو اغتصاب أو وضع متفجرات في الأماكن العامة".

 بعض مساجين العشرية السوداء الذين لا يزالون في الجسن اليوم، تمّ اعتقالهم قبل فترة التصعيد الدموي والأعمال الإرهابية

تصريحات سابقة لمحامين تولوّا قضايا معتقلي فترة التسعينات، تؤكّد أنّ بعض مساجين تلك الفترة، تم اعتقالهم حتى قبل فترة التصعيد الدموي والعنف، والبعض الآخر، لا يحمل سوى تهمة الانتماء إلى جماعات إرهابية. هنا، يتدخّل الحقوقي مصطفى بوشاشي قائلًا: "أن الانتقال الديمقراطي الهادئ والسلس، هو الكفيل بمعالجة كل المسائل المرتبطة بالوضعية الحقوقية والإنسانية، في رحاب دولة القانون والعدل. والحراك الشعبي اليوم هو فرصة لا ينبغي تضييعها لتحقيق هذا الانتقال".

اقرأ/ي أيضًا:

عنفٌ أمني في مواجهة الحراك.. عودة لخطابات التخويف

"العصابة" أم الجيش.. من هو صاحب القرار في الجزائر الآن؟