"العصابة" أم الجيش.. من هو صاحب القرار في الجزائر الآن؟

ما عدا علي حداد، لم يوقف الأمن أحدًا ممن أسماهم الجيش بـ"العصابة" (ياسين بوعزيز)

مازالت المؤسّسة العسكرية تستعمل مصطلح "العصابة" وتكرّره في خطاباتها الرسمية، انسجامًا مع ما تشهده الأوضاع الجزائرية من تطوّرات، فآخر خرجة لرئيس الأركان، قايد صالح، أوّل أمس، أفرزت خطابًا دعا فيها العدالة " للشروع في إجراءات المتابعات القضائية ضدّ العصابة التي تورّطت في قضايا فساد ونهب المال العام". فمن هو المقصود بهذا الوصف؟

استُخدم وصف "العصابة" أول مرة على لسان رئيس أركان الجيش قايد صالح في خطابه الذي أعقبه مباشرة استقالة بوتفليقة

بيان الجيش الأخير، على لسان قايد صالح، ضمّ إلى قائمة "العصابة"، عددًا من المسؤولين المتورّطين في قضايا فساد أغلقت في السابق، مثل قضية عبد المومن خليفة، وقضية شكيب خليل، المدير العام للشركة الوطنية للمحروقات، وقضية استيراد الكوكايين المعروفة بقضية "البوشي".

اقرأ/ي أيضًا: بن صالح يحدد موعد الانتخابات.. والحراك يشكك في نوايا قايد صالح

وفي الأسبوع الأول من الشهر الجاري، أصدرت مؤسّسة الجيش بيانًا جاء فيه وصف "العصابة" على مجموعة من المسؤولين الأمنيين والسياسيين "كانوا قد اجتمعوا سرًا لتنفيذ مخططات أجنبية"، بحسب البيان. وضمّ هذا الاجتماع السعيد بوتفليقة ومحمد مدين رئيس المخابرات الجزائرية السابق، المدعو الجنرال توفيق. وبعد ثلاثة أيام من هذا البيان استقال الرئيس بوتفليقة.

سطوة "العصابة"

تزامنًا مع هذه الأحداث، أطلق صدّيق شهاب، الناطق الرسمي لحزب التجمّع الوطني الديمقراطي -أحد أحزاب الموالاة وثاني أكبر حزب في الجزائر- تصريحات اتهم فيها شقيق بوتفليقة بالسطو على ختم الرئاسة، وإصدار قرارات مصيرية باسم الرئيس، مؤكدًا أن البلاد تسيَرها "قوى غير دستورية "، ليضطر الحزب إلى نشر بيان كذّب فيه ما جاء على لسان ناطقه الرسمي قبل أن يجمّد عضويته لاحقّا.

هنا، يؤكّد الناشط السياسي سمير بلعربي لـ"الترا جزائر" أنه بعد رحيل رئيس الجمهورية، مازالت "العصابة"، كما وصفها بيان مؤسّسة الجيش، "تتحكّم في مؤسّسات الدولة بتواطؤ مع بعض الجهات السابقة في المخابرات وبعض الجهات الأجنبية من بينها فرنسا"، على حدّ قوله.

تتسارع الأحداث بعد سلسلة بيانات الجيش، وتُصدر السلطات القضائية أمرًا يقضي بعدم مغادرة عدد من رجال الأعمال البلاد، وعلى إثر هذا القرار تم إلقاء القبض على الملياردير علي حداد، أحد مموّلي الحملات الانتخابية لبوتفليقة، وأحد المقربين من شقيقه، وكان يشغل منصب رئيس منتدى رؤساء المؤسّسات، إذ ضبط على الحدود التونسية الجزائرية وهو يحاول المرور من المدخل الشرقي للبلاد عبر المعبر الحدودي أم الطبول بجواز سفر بريطاني.

وضمت قائمة الممنوعين من مغادرة التراب الوطني 12 رجل أعمال، من بينهم رضا كونيناف، وعلي حداد، ومحي الدين طحكوت، ومحمد بعيري، ومحمد ولد بوسيف، وبراهيم بودينة، وغيرهم، وكأن قرار السلطات القضائية قد انسجم مع بيان الجيش الداعي إلى محاسبة من وصفهم بـ"العصابة".

موقف الجنرال توفيق

قد يكون وصف "العصابة " الذي أطلقته مؤسّسة الجيش، مبرّرًا حين يتعلّق الأمر بغياب الرئيس وتحكّم شقيقه والمحيطين به في دواليب الحكم، دون أن يكون له منصب رسمي، ولكن لماذا يُدرج اسم الجنرال توفيق في هذا الوصف؟ ولماذا تتجّه الرئاسة إلى التحالف معه؟ وما هو وزن الرجل الذي أنهيت مهامه سنة 2016 ؟.

محمد مدين، أو الجنرال توفيق، يوصف في كثير من المنابر الإعلامية بـ"الرجل اللغز"، إذ لعب دورًا كبيرًا في محاربة الإسلاميين في العشرية السوداء، وتحاك حوله الكثير من القصص في مراكز التعذيب والاستنطاق في تلك الفترة.

الجنرال توفيق
يوصف الجنرال توفيق إعلاميًا بـ"الرجل اللغز"

 وبالرغم من ذلك، بقي هذا الرجل غامضًا، إذ لم يظهر قط في أي وسيلة إعلامية، ولم يدل بأي تصريح من قبل، بل كان ذكر اسمه في فترة ما مثيرًا للرعب في الشارع الجزائري. ولكن مع كل هذه الاتهامات، مازال الرجل حرًا طليقًا حتى الآن ولم توجّه له السلطات القضائية أي أمر بالاعتقال.

الناشط السياسي سمير بلعربي في حديثه لـ"الترا جزائر "، يعتبر أن الجنرال توفيق "كان شريكًا دائمًا للعصابة، ومازال يملك بعض اللوبيات الموالية له حتى بعد عزله، وهو مستعد لضرب الثورة وإرادة الشعب الجزائري، من أجل العودة إلى الحكم "، مردفًا: "نحن كنا نتنتظر أن تتحرّك النيابة العامة من أجل وضع حدّ لمثل هذه الممارسات التي أصبح يعرفها الجميع".

علي حداد وزملاؤه

من جهة أخرى، ظهر اسم رجل الأعمال علي حداد في السنوات العشر الأخيرة، وهو الذي كوّن ثورة طائلة في ظرف وجيز، وعُرف بنشاطه في مجال الأشغال العمومية والفندقة والإعلام والنوادي الرياضية، واحتكاره للصفقات العمومية، كما أن اسمه برز أيضًا كأحد داعمي حملات بوتفليقة منذ عهدته الثالثة.

ولكن عدا رجل الأعمال علي حداد، الذي أودع رهن الحبس لاستكمال التحقيقات، لم تقم السلطات الأمنية بأيّ توقيفات أو اعتقالات ضدّ من وصفهم البيان بـ"العصابة" حتى الآن، رغم أن هذه التصريحات كانت صادرة من المؤسسة العسكرية، إذ كان من المفروض أنها تستدعي تحرّك النيابة العامة، طالما أن هذا البيان صادر من مؤسّسة رسمية.

عدا رجل الأعمال علي حداد، لم تلقي السلطات الأمنية القبض على أيٍّ ممن وصفتهم المؤسسة العسكرية في بياناتها بـ"العصابة"!

إن كان هؤلاء فعلًا، مدرجين في قائمة "العصابة" كما وصفهم بيان المؤسّسة العسكرية، فلماذا بقيت هذه العصابة حرّة طليقة حتى الآن؟ وهل مازالت هذه "العصابة" تسيطر على بقية المؤسّسات الدستورية في البلاد مثل القضاء والمجلس الدستوري ووزراء الداخلية، أم أن نائب وزير الدفاع قايد صالح استعمل هذا المصطلح فقط في معركة "كسر العظام" التي حدّثت بين السلطة السياسية والسلطة العسكرية في البلاد؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

البرلمان ينصّب بن صالح رئيسًا للجزائر والشارع يتمسك برفض "الباءات الثّلاثة"

مخاوف الحراك الشعبي من الالتفاف والعسكرة.. هل من مبرر؟