معركة التّغيير ثقافيًّا.. الرّهان المؤجّل والمعطّل

معركة التّغيير ثقافيًّا.. الرّهان المؤجّل والمعطّل

هنري ماتيس (فيسبوك/الترا جزائر)

في كلّ محطّة سياسيّة يظهر لنا أنّنا ضيّعنا فرصة للتّغيير والتّحوّل نحو ما يجب أن نتحوّل إليه من تفكير وسلوك سليمين يضمنان لنا الذّهاب نحو مستقبل آمن، نتداعى بالقول إنّ البلاد ليست بخير وإنّها على شفا حفرة من الانهيار، بكلّ ما يتبع ذلك من نفسيات محبطة عادةً ما تؤول بنا إلى مزيد من الاستقالات المعنويّة التّي يبدو أنّ كثيرًا من الأطراف في الدّاخل والخارج تفرح بها وتستثمر فيها في إطار استمرار الوضع على ما هو عليه لصالح الوجوه والتّوجّهات السّائدة منذ فجر الاستقلال الوطنيّ. 

قلّما ننتبه إلى أنّ الخراب السّياسيّ هو ثمرة طبيعيّة للخراب الثّقافيّ والأخلاقيّ والتّربويّ 

قلّما ننتبه إلى أنّ الخراب السّياسيّ هو ثمرة طبيعيّة للخراب الثّقافيّ والأخلاقيّ والتّربويّ. وعلينا الانتباه إلى أنّنا بصفتنا مجموعةً وطنيّة لا نملك مشروعًا حضاريًّا وطنيًّا جيّدًا وجادًّا وواعيًا بلحظته وأدواته يعمل على بناء الإنسان الجزائريّ. وما هو موجود مجرّد محاولات تقوم على الجهود الفرديّة؛ عادةً ما تؤول إلى الانسحاب أمام لامبالاة الحكومة والشّعب والنّخب معًا، حتّى أنّنا نستطيع القول إنّ هناك تواطؤًا غير معلن بين هذا الثّالوث لأجل ألّا يكون لنا مشروع حضاريّ وثقافيّ وتربويّ حقيقيّ، ولأجل الإيهام بأنّنا بخير ثقافيًّا وتربويًّا.

اقرأ/ي أيضًا: وزارة الثقافة: لوحات بيكاسو التي عثر عليها في الجزائر مزّيفة

لقد كنّا قادرين بعد تجربة الحراك الشّعبيّ والسّلميّ بصفته محاولةً شعبيّة للتّغيير، بغضّ النّظر عن مآلاته السّياسيّة على أن نبعث مشروعًا ثقافيًّا وتربويًّا واضحَ وواعيَ المنطلقات والأدوات والآفاق، ينتشلنا من واقعنا القائم على الإهمال والارتجال، فيكون القائمون على تسير قطاعات التّربية والثّقافة والتّعليم العالي والبحث العلميّ والشّؤون الدّينيّة على قدر عالٍ من العمق والوعي والمبادرة والتّفكير، لكنّ الذّي حدث أنّهم كانوا مجرّد وجوه استعراضيّة بلا عرض يهمّها التّصوير لا التّصوّر، حتّى أنّ رئيس الجمهوريّة نفسه اختصر الإصلاح التّربويّ في تحسين وجبة التّلميذ وتوفير الحساء السّاخن له.

أين نحن من مفهوم الأمن القوميّ الثّقافيّ والتّربويّ والعلميّ والفقهيّ؟ متى ننتبه إلى أهمّيته وخطورته، فنوفّر له ما يجب أن يتوفّر من وجوه وتوجّهات وبرامج وأدوات وإمكانيات، مثلما نحن واعون بأهمّية وخطورة الأمن القوميّ العسكري، فأعددنا له ما أعددنا حتّى أصبح جيشنا ينافس قاريًّا وإقليميًّا؟ هل ثمّة فرصة ذهبيّة لنفعل ذلك ونحرص عليه مثل فرصة وباء كورونا؟ لقد خرجنا من هذا الوباء من غير دروس كان من المفروض أن نخرج بها ونستثمر فيها حتّى لا نقع في المطبّات نفسها. من ذلك درس وجوب بناء الإنسان الجزائريّ فكريًّا ونفسيًّا وحضاريًّا وجماليًّا وصولًا به إلى مقام المواطن المتوازن المستعدّ لتلقي مشروع حضاريّ والانخراط فيه، فتصير تفكيراته وتصرّفاته منطلقة من تبنّيه لأبجديات هذا المشروع لا من الفراغ الفكريّ الذّي أدّى بأطفال المجتمع إلى حرق كراريسهم وكتبهم ومآزرهم في نهاية الموسم الدّراسيّ عند عتبات المؤسّسات التّربويّة، وأدّى بكباره إلى أن يأخذوا نظرتهم إلى الواقع العامّ للبلاد من أصوات انتحاريّة في الخارج.

إنّنا أمام مسؤوليّة تاريخيّة ووطنيّة وأخلاقيّة وحضاريّة أكيدة. وإنّ مواجهتها بالاستقالة المعنويّة يجرّدنا حتمًا من أيّ حسٍّ تاريخيٍّ أو وطنيٍّ أو أخلاقيٍّ أو حضاريٍّ. وهو ما قد يعمل على وضعنا أمام خرابات إضافيّة ستعمل على تعطيل الاستقلال الوطنيّ تمامًا. فقد آن لنا أن ننتبه بصفتنا مجموعة وطنيّة إلى كون الاستقلال الحقيقيّ ليس خروج المحتلّ من بيننا بل هو خروجه منّا، وهذا ليس محقّقًا فينا لحدّ الآن. وإنّ استغلال الوضع بإيهام المواطن أنّه في ثورة جديدة مع محتلّ الأمس، عوضًا عن إعداده للقيام بثورة وعي ثقافيّة وتربويّة وحضاريّة وفكريّة مجرّد ذرٍّ للرّماد في العيون لأجل هدف واحد هو استمرار وجوه وتوجّهات الماضي. 

علينا أن نبني على هذا الاعتراف مراجعةً حقيقيّة تُعفينا من الانهيار

لنعترف نظامًا وشعبًا ونخبًا بكوننا لم نحسن تسيير مكسب وأمانة الاستقلال. وعلينا أن نبني على هذا الاعتراف مراجعةً حقيقيّة تُعفينا من الانهيار. أفما آن لنا فعلًا أن نستحي من دماء الشّهداء وابتسامات الأطفال؟