أزمة نظام سياسي أم أزمة نخبة سياسية؟

أزمة نظام سياسي أم أزمة نخبة سياسية؟

التاريخ السياسي في الجزائر سجّل عدّة تدخّلات للمؤسّسة العسكرية (أ.ف.ب)

من يتابع الشأن السياسي ومختلف محطات بناء الدولة الوطنية منذ الاستقلال إلى غاية اليوم، سيدرك حتمًا أن أبعاد الأزمة الجزائرية لا تكمن في طبيعة النظام السياسي وحدَه، بل في وجود معضلات متعددة ومعقدة أيضًا، حيث تتقاسم مسؤوليته النخبة السياسية والنخبة المثقفة، إضافة إلى طبيعة التركيبة المجتمعية وإشكالياتها التي أفرزها النظام الكولونيالي، في حين عجزت الدولة الوطنية عن إيجاد رؤية وصياغة لمشروع المجتمع.

لم يتشكّل النظام السياسي في الجزائر وفق عقيدة إيديولوجية عسكرياتية

لم يتشكّل النظام السياسي في الجزائر وفق عقيدة إيديولوجية عسكرياتية، ولا بناءً على توجه فكري شمولي، فقد انتظم الحكم في الجزائر على الأحادية السياسية واللغوية والدينية، وساعدته على ذلك عدة عوامل تاريخية، إذ تفطنت النخبة الحاكمة إلى وجود سجلات بين تيارات دينية وعلمانية، وصراعٍ تاريخي بين المدرسة الإصلاحية والمدرسة الإستقلالية، كل هذا منحه شرعيته السياسية والدستورية في ظلّ ذلك التجاذب الذي لا ينتهي.

اقرأ/ي أيضًا: المؤسسات الثقافية في الجزائر كأداة لخدمة النظام

يبدو جليًّا أن التعدد الفكري  واللغوي والثقافي لا يشكل ظواهر سلبية تهدّد كيانات الدول حديثة النشأة، بل العكس تمامًا؛ إذ تعد هذه الاختلافات عنصرًا إيجابيًا لدى المجتمعات العصرية التي خلقت عقدًا اجتماعيًا تسامحيًا، وبناءً قويًا لبنية ديمقراطية سياسية وفكرية.

لقد سمحت الدمقرطة  بنقل الصراع الهوياتي واللغوي من الحقل الشارعي والإعلامي إلى التبنّي واحتواء الدولة، كما تمت صياغة أسس قانونية ودستورية تضمن التداول على السلطة والحكم، دون المساس بالأبعاد الدينية أو الهوياتية أو بالتعدد الثقافي واللغوي والإثني.

من جهة أخرى، كشفت مؤخرًا قضية رفع الحصانة النيابية عن رئيس حزب "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، محسن بلعباس، عن هشاشة الطبقة السياسية التي تقول إنها قادرة على أن تكون بديلًا للنظام السياسي، فما عدا بعض التيّارات والشخصيات التي تتقاسم التوجه االأيديولوجي مع حزب "الأرسيدي"، والتي أعلنت تضامنها مع النائب محسن بلعباس، لم يصدر عن التيار الإسلامي أو المحافظ  المعارض أي شكل من أشكال التنديد أو الدعم.

بعيدًا عن الخلافات السياسية والفكرية، يبدو رفع الحصانة عن محسن بلعباس له أبعاد سياسية، تتعلق بعدم تقديم الحزب لأيّة تنازلات، إضافة إلى مواقفه تجاه خارطة الطريق للسلطة، ودعمه المستمرّ للحراك الشعبي، وتضامنه الفعلي مع جميع معتقلي الرأي، وهذا ما دفع السلطة إلى توجيه رسالة له من خلال معاقبة الرجل نظير مواقفه.

على ذكر التضامن الحزبي، نسترجع ما حصل إثر اعتقال الناشطة السياسية ورئيسة حزب العمال لويزة حنون، ووقوفها أمام المحكمة العسكرية، حيث كانت ثاني محاكمة عسكرية ذات طابع سياسي، شملت في السابق قادة حزب "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" (المحل)، وأيضًا، لم تبادر النخبة السياسية إلى أيّ إعلان عن التضامن أوالتأييد، دفاعًا عن شرعية العمل السياسي، وعن مبدأ الحرّية المنصوص عليه دستورًا، بل شهدنا عكس ذلك، من خلال محاولة بعض الأطراف من المعارضة إيجاد تبريرات للاعتقال لويزة حنون ومحاكمتها.

مع هذا، لم يدفع هذا التراجع عن أهم المكاسب السياسية منذ الانفتاح الديمقراطي، أي مبادرة لدق ناقوس الخطر لدى المعارضة السياسية، ولم يدفعها ذلك للتكتل قصد حماية حقوقها  الدستورية على الأقلّ، حيث فضلت اللاّموقف أو التزام الصمت، بناءً على حساسيات شخصية أو مفارقات فكرية وأيديولوجية، وفي ظلّ هذا التشتت والوهن السياسي، صنع النظام السياسي أركانه وأثبت عناصر قوّته.

فمن الناحية التاريخية، كثيرًا ما  تدخلت وحسمت المؤسّسة العسكرية الموقف، بعد وجود صراعات وأزمات لم يفصل فيها المكون السياسي، ونجد أمثلة على ذلك من خلال أزمة طرابلس أو أزمة صيف 1962، حيث حسم قائد الأركان هواري بومدين خلاف القادة التاريخيين والسياسيين، ليشكل تحالفًا سياسيًا مع أحمد بن بلة أو ما عُرِف "بجماعة وجدة".

 اختار الرئيس هواري بومدين بعدها القبضة الحديدية في إدارة الدولة، حيث فرض الأمر الواقع بالقوّة، بعد وجود صراعات داخل المجلس الوطني للثورة، وعدم قدرته على فرض الانضباط مع بعض القادة العسكريين، كما أن الصراع بين التيار العروبي المحافظ الذي كان يمثله محمد صالح يحياوي بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، والتيار النخبوي المفرنس الذي رأسه وزير الخاريجية آنذاك، عبد العزيز بوتفيلقة، دفع مرة ثانية بالمؤسسة العسكرية إلى حسم الخيار وتعيين الشاذلي بن جديد رئيسا للجزائر.

 الوضع والرهانات الحالية كشفت عن تخاذل المكون السياسي وهشاشة تكوينه التنظيمي والهيكلي

 قد لا يوافق البعض هذه القراءة عن دوافع تدخّل المؤسسة العسكرية  في الشأن السياسي، لكن الوضع والرهانات الحالية، كشفت عن تخاذل المكون السياسي وهشاشة تكوينه التنظيمي والهيكلي، وعن عدم قدرته على وضع قواسم مشتركة تمثل بنية العمل السياسي المستقبلي، والتي تكون قادرة على تشكيل بديل للنظام السياسي دون تهديد المكونات الهوياتية والخصوصيات الثقافية، أو المساس بالثوابت الوطنية أو ما بات يطلق عليه عبارة "الأمن المجتمعي" . 

 

اقرأ/ي أيضًا:

حرب كلامية بين هيئتي دفاع حنون والجنرال توفيق تكشف أسرارًا جديدة

15 سنة سجنًا نافذًا في حقّ سعيد بوتفليقة وشركائه