شجرة الزيتون.. أنا من هناك، أنا من هنا
21 نوفمبر 2023
لا يكفُّ الفلسطينيّ بتاتا عن مدّ جذوره في الأرض، وعن الارتباط الوثيق بكُلّ ما عَليها، فحتى لو كانت اليوم كما الأمس، ساحة حرب ومقاومة، أو دمار وموت، لا يتوقّف أبدًا هذا الإنسان القوي-خلال ذلك- عن صُنع الحياة فيها، وكأن لكلٍّ شخص من هذا الشعب الّذي لا يَبِيد أرواح كثيرة، تَسكُن جسدا واحدا يَأْلَمُ بَعْضُهُ لبعضٍ، ولكلِّ روحٍ مهمّة تقوم بها.
لماذا نحبّ فلسطين في الجزائر؟ لأننا بكلّ بساطة نحمل نفس الوجع، نفس الذّاكرة المعطوبة الّتي حاول الاحتلال طمسها
للحُزن والأسى روح، وللمقاومة روح، للعيش والضّحك والفرح أرواح كثيرة تتزاحم في ذات الجسد، لكن تبقى الرُّوحُ الأكثر خلودا، هي روح الأرض، أرضٌ مَثَلُهَا كَمَثَلِ الأمّ والعَرْضِ والشَّرَفِ على حدٍّ سواء، أرضٌ تبقى فيها شجرة الزّيتون منتصبة، رمزا لذلك التّمسك الذي لا يكَلُّ عنه الفلسطينيّ، شجرةٌ مباركة تحمل ثِقَل الذّاكرة الفلسطينية وألم التّهجير، رمزا للدِّفاع عن وطن لا يكفّ الكيان المحتلّ عن التهام أراضيه وإبادة شعبه، وعن التلذّذ بمآسي أهله الّذين ما زالوا يحلمون في الدّاخل وفي الشّتات أيضا بالحرية.
في الجزائر، هنا، حيث عائلتي التي لا تتخلَّى عن مدّ جذورها أيضًا، وحيث تبقى فلسطين وجع الجزائريّ الذي لا يطيب، لطالما كان ارتباطي بالأرض وثيقا، فمنذ نعومة أظافري التي تحفظ أثر ترابها، ولد فيّ هذا الارتباط وما يزال حيّا.
لقد كنت أرافق والدتي في بداية كل شتاء نحو أعالي الريف في ولاية ميلة، وهو ريف يشبه مئات الأرياف الممتدة في جبال شمال الجزائر، هناك، حيث ديار أعمامي وجدّي، أين تربى والداي، وعايشا في طفولتهما، ثورة التّحرير وفترة الاستقلال، وخَبَرَا معنى الحرمان والاستعمار ونهب الأرض، كما شاركا طويلا في شبابها وكهولتهما، في مواسم جني الزّيتون، لكنّ أمّي كانت أكثر حظّا في المشاركة ولفترات أطول امتدّت لأسابيع كلّ سنة، في الوقت الّذي كان فيه والدي متكفلا بلقمة العيش من مشغل الخياطة وتجارة القماش في قسنطينة.
كانت والدتي الضّاوية تتسلّق شجرة الزّيتون الأمّ من بين العديد من الأشجار الّتي تركها جدّي وتقاسمها الأعمام والأحفاد، وكنت أراقبها وأنا طفلة تلتقط ما يسقط من حبّات الزّيتون على الأرض، حينما كانت تصاب بالكثير من الكدمات والجروح وهي تحاول التّمسك بأبعد الأغصان الّتي كانت تحمل بين أوراقها أكبر كمّية من الزّيتون، وأثناء ذلك، كانت تكتسب حُمْرَةً وتشقُّقًا شديدين بالوجه واليدين والكاحلين جراء البرد القارس، فتربط أقدامها بالمحارم الملونة التي تشبه تلك التي ترتديها عجائز وسيدات فلسطين وبلاد الشام، وترتدي طبقات عديدة من الملابس الصوفية اتقاء وللإصابات، مع ذلك، ما تزال آثار تلك الكدمات موجودة إلى اليوم، حيث يمنعها المرض من المشاركة في الجني منذ أكثر من خمس سنوات، وتتكفل سيّدة من العائلة بالجني مكانها مقابل نسبة من الزّيتون.
مع ذلك، كانت أمّي تستمتع كثيرًا، لأنّ ذلك كان الاحتكاك الوحيد لها بماضيها وجذورها وطفولتها حيث ترعرعت، ولعلّ التّجاعيد المحفورة عميقا على محيّاها ومحيّا كلّ سيّدة خدمت الأرض، لدليلٌ على تلك الحياة المتخمة بالذّكريات الّتي تستحقّ الخلود.
للأرضٍ قداسة كبيرة في الذّاكرة الحيّة لنسوتنا ورجالنا، وهم يحاولون جاهدين جعلها خالدة عبرنا، كما أنّ لشجرة الزّيتون بركةً قد تصل حدَّ التّقديس لدى عوائلنا المنحدرة من الأرياف، فلا نتخلّى عنها ما حيينا، لأنّها تمنحنا ذلك الزّيت المبارك الذي يميّز طعامنا وطبخنا ووصفات تداوينا التّقليدية، إضافة إلى مؤونة الزّيتون المُخزّن الّتي تبقى في مطبخنا طيلة العام.
تذكّرتُ اليوم تلك الأيّام وتلك الطّقوس، وأنا أشاهد الفلسطينيين في الأخبار اليومية أثناء العدوان على غزّة، وهم يدافعون عما تبقى من أشجار الزيتون التي يحاول الاحتلال حرمانهم من جنيها في هذا الموسم، انتقاما من أثر المقاومة الذي امتد نحو العالم.
لقد عرف النّاس اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، ألم الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال والقتل والتهجير، وخَبَرَ الأصول الحقيقيّة لتلك الأكلات الطّيبة الّتي عرفها عبر مواقع التواصل على أنّها "اسرائيلية"، أكلات سيّدها زيت الأرض وزيتونها، ونكهتها في ليمونها وملحها وخيراتها، لقد أفاق العالم على الثقافة الحقيقية لمهد الحياة والحضارة والأديان، حيث هذا الإنسان الّذي يحيا تحت رحمة تطهير عرقيّ ممنهج تشارك فيه القوى الكبرى في العالم.
في فلسطين، تقبع أقدم شجرة زيتون في العالم شامخة منتصبة القامة مثل أيّ فلسطيني مقاوم، هناك في قرية الولجا، غرب مدينة بيت لحم، وقد قدّر الخبراء عمرها بأكثر من خمسة آلاف سنة، ويقال إنّها تنتج كلّ عام خمسمئة كيلوغرام من الزّيتون، هذه الشجرة التي عَمَّرت لقرون، تعدُّ من بين الكثير من آثار وجود الفلسطيني ذي الجذور القويّة التي لا يستطيع المحتلّ قطعها عن أرضه، إنّها تمنعه من خطر الاقتلاع، سواء كان في الدّاخل، أو من بين المشتّتين في العالم، ممن يحتفظون بمفتاح الدّار، وسرّ حب الوطن والانتماء إليه طيلة حياتهم، وطيلة خلودهم في ذاكرة أبنائهم إن هم غادروا الحياة.
في فلسطين، هنالك أمّهات ونساء كثيرات يشبهن والدتي وخالاتي وعمّاتي وأخواتي، هنالك رجال وشباب وأطفال يشبهوننا أيضًا، نتقاسم معهم روح المقاومة وخاصّة روح الأرض الخالدة، هنالك فلاحون ومزارعون فلسطينيون، ومثلهم هنا في الجزائر، يشاركون في مواسم جني الزّيتون واللّيمون والبرتقال، كما يتكفّلون بالعناية بتلك الشّجرة المقدّسة الّتي تحفظ هويتهم كأصحاب شرعيّين للأرض، رغم أنّ الاحتلال في فلسطين يحاول في كلّ مرّة القضاء على العشرات منها باقتلاعها وتدميرها وأحيانا حرقها، رغبة منه في اقتلاع كل ما يحفظ أثر الفلسطينيين في وطنهم الأم -عبثًا- .
لماذا نحبّ فلسطين في الجزائر؟ لأننا بكلّ بساطة نحمل نفس الوجع، نفس الذّاكرة المعطوبة الّتي حاول الاحتلال طمسها، نحن هنا وهم هناك، نحمل ثقل الاحتلال وغبطة مقاومته، وفرحة الاستشهاد وألمه على من تكفّل بالاستمرار في الحياة ليحفظ الذّاكرة.
إنّنا نحمل نفس الرّوابط مع تراب الأرض الّتي نقدّسها، ألم الوطن والاغتراب والتّهجير، ورغم أنّنا ننتمي اليوم في الجزائر -في أغلبنا- إلى جيل ما بعد الاستقلال، إلاّ أنّنا ما زلنا إلى اليوم -رغم تغيّر الزّمن والأولويات في هذا العالم المجنون غير الآبه- نحمل جينات آبائنا وأجدادنا الّذين نرى أشباههم في القوّة والإرادة والإيمان اليوم في فلسطين، في شعب يقهره الظّلم واغتصاب الأرض، لكنّه لا يموت بموت أبطاله.
نحب فلسطين في الجزائر، لأننا نقدّس صمود شجرة الزّيتون الّذي نتشاركه، نقدّر في بلادنا الأحرار وأخوة الدّم والثّورة
نحب فلسطين في الجزائر، لأننا نقدّس صمود شجرة الزّيتون الّذي نتشاركه، نقدّر في بلادنا الأحرار وأخوة الدّم والثّورة، نشعر بالخزي لعدم قدرتنا على القرار والتّحرك الفعليّ، لكنّنا نعيش معهم الألم كلّ لحظة، وسنعيش يوما ما نفس فرح الحرّية والكرامة معا، حينما تغدو فلسطين حرّة من النّهر إلى البحر.
الكلمات المفتاحية

التغيرات المناخية والفيضانات.. امتحانٌ للبنية التحتية بالجزائر
مع كل اضطراب جوي تشهده الجزائر، تعود مشاهد الفيضانات والسيول لتفرض نفسها بقوة على واجهة الأحداث، وتقديم حصاد مؤقت بالأرقام لتدخلات فرق الإنقاذ وحجم الخسائر، تُذكّر بمدى هشاشة التوازن بين الإنسان والطبيعة.

هكذا يشكّل الجزائريون لغتهم.. مواد عربية وطريقة طهي وتوابل جزائرية
ككل البلاد العربية وبلدان أخرى في العالم، احتفلت الجزائر باليوم العالمي للغة العربية، وأقامت للمناسبة أنشطة ثقافية وعلمية عبر مختلف محافظاتها، كان على رأسها توزيع "جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة العربية"، في طبعتها الأولى. رغم ذلك مازال يصعب على أغلب الأشقاء العرب، خاصة في المشرق العربي تصنيف الدارجة الجزائرية على أنها أداء من أداءات العربية.

" لا يُحبّون بعضهم بعضًا !؟ ".. رسالة مهنيّي السّينما في الجزائر إلى الرئيس
عندما يُصرِّح رئيس الجمهورية عبد المجيد تبّون خلال لقائه مع جمعٍ من الفنّانين في مدينة قسنطينة، بنبرةٍ تجمع بين الانتقاد واللّوم بأنّ " بعض المخرجين في الجزائر لا يحبّون بعضهم بعضًا"، فقد يبدو كلامه خفيفًا أو عابرًا كدُعابة، لكنّ هذه الجُملة في الواقع قد لعبت دور كاشفِ ضوءٍ سلّط نوره القويّ على عمق الأزمة الّتي تعصف بقطاع السّينما، فخلف "الدّعابة الظّاهرة" يختبئ تشخيصٌ قاسٍ…

لماذا يَخشى الجزائريّون إعلانَ الحُبّ؟.. قراءةٌ في جُرحِ الوُجدان الجَمعيّ
حينما تجرّأ شابٌّ جزائريٌّ من ولاية تيزي وزّو شرق عاصمة الجزائر، على طلب يد حبيبته خِلال مباراةٍ لكرة القدم في الدّوري المحلّي، وسط مُدرّجاتٍ ملعب الرّاحل حسين آيت أحمد، وأمام مئات المُناصرين المهلّلين له، انقسم المُتفاعلون مع مقطع الفيديو المُتداول لهما بين مصفّقٍ يرى في الفعل شجاعةً جميلةً وتعبيرًا صادقًا عن الحبّ، في حين قُوبِلَ أيضًا بتيّارٍ غاضبٍ اعتَبر ذلك المشهد الجميل تعدّيًا على الذّوق…

طقس الجزائر.. أمطار غزيرة ورياح قوية تمس عدة ولايات
تشهد عدة ولايات شمال الوطن، ابتداءً من ليلة الخميس إلى غاية يوم الجمعة 23 جانفي 2026، اضطرابًا جويًا فعّالًا يتميّز بتساقط أمطار غزيرة أحيانًا تكون رعدية، مرفوقة برياح قوية، مع تسجيل تساقط للثلوج على المرتفعات.

طقس الجزائر.. ثلوج وأمطار غزيرة بعدة ولايات
الديوان الوطني للأرصاد الجوية، اليوم الخميس، نشرية خاصة حذّر فيها من تقلبات جوية معتبرة، تتمثل في تساقط للثلوج وأمطار غزيرة تمس عدداً من ولايات الوطن.

التقلبات الجوية.. الحماية المدنية في حالة تجند قصوى عبر أكثر من 20 ولاية
أكدت مصالح الحماية المدنية دخولها في حالة تجند تام عبر أكثر من 20 ولاية من الوطن، على خلفية التقلبات الجوية الحادة التي تشهدها عدة مناطق، والتي تميزت بتساقط معتبر للأمطار، بلغت كمياتها في بعض الولايات نحو 120 ملم.

طقس الجزائر.. ثلوج كثيفة وأمطار غزيرة في عدة ولايات
أصدر الديوان الوطني للأرصاد الجوية، اليوم الأربعاء، نشرية خاصة حذّر فيها من اضطرابات جوية شديدة، تشمل تساقط ثلوج كثيفة وأمطارًا غزيرة جدًا، مرفوقة برياح قوية، تمس عددًا من ولايات الوطن.
