17-أكتوبر-2023

(الصورة: Getty)

هل الأم هي التي أنجبت أم التي ربّت؟ عندما طرحتُ هذا السؤال على عدد من الناس وحتى على بعض الزّملاء، عبّروا عن ردود أفعال متردِّدة حِينًا ومستغرِبة أحيانًا.

المثل الشّعبي الجزائري يقول "الأم اللِّي رِبَّاتْ مُشْ اللِّي وَلْدَتْ"، وهي بذلك في عين كثيرين عظيمة رغم أنها لم تحظ باللقب

سؤالً لا يطرح كثيرًا إلا في المساحات المغلقة، فقد وجدت بعض الآرا في السؤال جوابًا ضمنيًا كقول إحداهن: "طبعا الأم هي التي أنجبت وولدت، فيما طرحت أخرى بأن الأم هي التي تنجب وتربي في الآن نفسه، بينما قيّم البعض الآخر بأن السؤال فيه حقيقة مخفية أو مُضْمَرَة بأن الأمومة لا تعني البتة الإنجاب، فكل أنثى تولد بغريزة الأمومة، فيما تعد الأخيرة متاحة لمن تربي حتى وإن لم تنجِب.

بالنسبة لمن استغربوا السؤال، أو تحفّظوا على تقديم إجابة عنه، فقد أنكروا إمكانية التحدث عن الأمر لأنه خادش لبعض الهيبة أو ما تسميه أستاذة علم النفس وردة عرايبي في حديثها مع " الترا جزائر" بـ"زعزعة نُقص تشعر به الأنثى – المرأة المتزوجة غالبًا، ويزعزع أيضًا روح الرجل الذي يبتغي الأبوة في الآن ذاته".

إلى هنا، يقول أحدهم لـ" الترا جزائر" بأن الأصح قول إن الأم التي أنجبت، وليس الأم التي لم تنجِب، لأنه في الاعتقاد السائد الخاضع لسيرورة اجتماعية، فالحديث يظل متواصلًا عن ثنائية فقط وهي التي أنجبت والعاقر وفقط.

هذه العبارة "الأم التي لم تنجب" هو اعتراف واضح بوجود شكل آخر للأمومة وربما أشكال متعددة سنراها لاحقًا من رحم العمق الجزائري..

الأخت وِصاية غير مُعلنة

المثل الشّعبي الجزائري يقول "الأم اللِّي رِبَّاتْ مُشْ اللِّي وَلْدَتْ"، وهي بذلك في عين كثيرين عظيمة رغم أنها لم تحظ باللقب.

في العائلات الجزائرية، تمارس الأخت خاصّة الكبرى، وحتى البنت الوحيدة بين الإخوة الذّكور وِصاية غير معلنة على إخوتها الأقلّ منها سنًّا، وتقفز من دور هامِشي إلى مساحة تكفي لآداء دور البطولة، ففي العائلة الكبرى، يصبح دور هذه الأخت معقّدا نوعا ما..

هي البنت والأمّ طوال اليوم، وأكثر من ذلك، فهي تغسل وتطهي وتشتري أغراض البيت وتحرص على دراسة الإخوة، وأحيانا تتفوّق على لعب دور أمها في التعامل معهم، فهي من تحضّر العشاء ليلًا لشقيقها إذا تأخر خارج البيت.

أما الإخوة غالبًا ما يتخلصون من نزعة الأمومة القاسية حينًا، ويهربون أحيانًا نحو دلال الأخت تحرُّرًا من سُلطة الوالِدة التي أنجبتهم والتي تخاف على أبنائها من باب خوف الأمّ المُتعارف عليه في المُجتمع، إذ تقول الأخصائية الاجتماعية نديرة بوهالي لـ"الترا جزائر"، إن قلق الأم الدائم بالنّسبة للأولاد شكل من أشكال العنف القسري والقهري في زمن بدت أغلب السّلطات مجتمعة بين يديها إلا سُلطة الإنفاق التي باتت تترنح بينها وبين الزّوج، فمن يجلب المال ليس بالضرورة من يقوم بصرفه.

من الناحية الشكلية، غالبًا ما تتربّع الأمّ على عرش وزير مُراقبة مصاريف البيت، أما مضمونًا فالأخت المُعيلة هي من تملك "سلطة عدّ المال وإنفاقه".

هي أمّ ولكنّها لم تنجب، ففي الكثير من الأوقات تجدها محصورة بين أن تلبي حاجة الوالدين وحاجة الإخوة، بينما تُهمِل نفسها مع الأيام، وتفقِد معها تلك الأنوثة البرّاقة، فلعب جميع الأدوار ينهك جسدها ويضعف طاقتها في تحمّل تبعات الاهتمام بأكثر من أخ وتعاظم المسؤولية كلَّما كبُر أحد أفراد العائلة.

المكتوب

في الجزائر، إن لم تتزوج هذه البنت-الأخت التي تلعب دور الأمّ، ستظلّ في أعين أخوتها المسؤول الأول والأخير بين جدران البيت، وقد يهملونها حينما يتزوّجون تباعًا ويستقلون بحياتهم، وقد ينسوها بعد إنجابهم للأولاد، بينما هي تعدّ سنوات حياتها التي مرّت، وتبدأ رحلتها في تفتيش الأرشيف لعلها تعثر على قصة أو ذكرى لذلك الوقت الذي مضى وسيمضي من عمرها الذي كبرت فيه، لكنها تتوقف برهة: لا تتذكّر طفولتها ولا شبابها ولا هي تتطلع لأن تؤسس بيتًا: فكيف ذلك وهي جرّبت الأمومة في السّابق، دون أن تحمل أطفال من صلبها. أليس كذلك؟

في الجزائر، إن "جَاءَ المَكْتوبْ" وتقدم أحدهم لخطبة هذه البنت، فهي إلى وقت قريب بالنسبة لأهلها "البنت والأخت والأمّ"، يجد البعض من أفراد هذه العائلة صعوبة في التعاطي مع طلب الخطبة والزواج من ابنتهم، وربما يطلقون حججا واهية، كما تقول الأستاذة بوهالي، وذلك لعدم قدرتهم على تحمُّل مسؤوليات كانت تشغلها لسنوات طويلة؛ فكيف للوالدين التفريط في جوهرة تحمّلت عنهما مشقّة البيت ومتاعب هامش الحياة؟

مسافة انتقالية

في الجزائر إن تزوجت هذه البنت، فستظلّ حريصة العطاء على أخوتها، ولو من بعيد، ولكنها تقع في فخّ آخر، إذ لا يمكنها أن تتخلى عن ذلك الدور بمجرد الدخول إلى بيت عائلة جديدة، لا تعرف فيها لا الكبير ولا الصغير ولا منظومة القيم التي نشأت عليها تلك العائلة، بل تواصل مهمتها.

تصفها الباحثة في علم الاجتماع بجامعة الجزائر، عقيلة فردي، بـ" المرحلة الانتقالية" من أمومة في بيت والديها إلى أمومة في بيت أهل زوجها، وهنا تتثاقل المسؤوليات، وربما تتضارب وتتصارع، فمن يقبل أن تمارس عليهم هذه البنت الجديدة الوِصاية؟ أو: "التدخّل في ما لا يعنيك"، وربما في القليل من الأحيان يستأنسون بعطاياها، فأفعالها تعبير منها عن إنسانية لم يعهدوها، ولكنهم يألفونها على مضض، لتتحوّل مع مرور الزمن إلى علامة لصيقة بها، وقد يغضبون إن فشلت مرة في تأدية دور أكبر منها، لكنها مع مرور السنوات تقع في مطبّ آخر اسمه "النسيان" تضيف محدثة " الترا جزائر" ، فإخوة الزوج سيأتي اليوم الذي يؤسسون فيه بيوتهم ويغرقون في مسؤولياتهم الجديدة.

عُقدة الجميع

في الجزائر؛ لو قدّر الله ألاّ تنجِب هذه البنت –الأخت-زوجة الأخ أولادًا، ستصبح كيانًا فارِغًا من محتواه في عين الكثيرين وأولهم من مارست عليها الوِصاية غير المفروضة، حتى وإن حاول الجميع إخفاء ذلك، فمن أكثر الأسئلة إحراجًا لتلك الأنثى: "هل هناك جديد في الطّريق؟"، والقصد من وراء السؤال هل هناك ملامح لحمل عن قريب؟ يليه سؤال آخر أكثر عمقًا: هل راجعت طبيبًا؟، ثم يليه سؤال أكثر جرأة وأعمق بحث في شكل تحقيق:  أين هو الخلل؟ وطبعا كلمة خلل هي كلمة فيها نوع من أنواع الرحمة، فهناك من تكون جرأته أكثر باستعمال كلمة أخرى أشدّ قسوة: أين العيب فيك أم فيه؟ (طبعا عدم الإنجاب بعد زواج لسنوات يصبح في عين الكثيرين وخاصة المقربين عيبًا، رغم أنها مشيئة من الله، وفي غالب الأحيان هي رحمة).

الفخّ .." لا أحد كلّفك"

في الجزائر؛ للعثور على إجابات للأسئلة المتواترة أعلاه، يلجأ البعض إلى "اللّمزات والغمزات والهمسات، إذ لا يمكن إخماد سُمومها"، كما تقول السيدة حليمة (39 سنة) لـ" الترا جزائر"، فبالرغم من تلك التجارب التي مرّت بها لسنوات طويلة، إلا أن ذلك يحدِث داخلها جُروحا لا تُشفى رغم ممارستها لتلك الأمومة المغلَّفة بالفِطرة في بيت أهلها.

في المقابل تسقط الأمّ التي لم تنجب في فِخاخ كثيرة، قد تظهِر للجميع أنها قوية وتبتسم وتفرح كلما اشترت الهدايا لأبناء الأخوة والأخوات، وتشاركهم أفراحهم منذ ولادتهم وفي نجاحاتهم، وأيضًا أحزانهم، إلا أنها تُضمِر شُعورًا إنسانيًا خانقًا وخافتًا ومؤلما شكّلته تلك الذكريات السعيدة التي صنعتها بيديها في الماضي، تستيقظ مع عدة أسئلة منها: “ماذا لو فاجأها أحدهم بهدية بعيد الأم أليس الأمومة لا تعني فقط الإنجاب؟

لا يمكن لأحد أن يجزم بحقيقة الإنجاب، إذ تروي بعض التجارب بأن "الأم هي التي ربّت وتعبت وليس التي أنجبت.. "، من خلال هذا المعطى فالأم هي المربية وفي هذه الحالة هي التي أعطت ومنحت وسهرت وربما ضحت حتى على من لم تنجِبهم.

كثيرات مررن بهذا القدر، لعِبن دور الأمّ حينا من الدّهر، تحوّل الدّور الثّانوي إلى مهمّة رئيسية أحيانًا كثيرة، بفعل التّكرار اليومي والتمدُّد عبر الزمن على مدار الساعات والأيام والأسابيع والأشهر والسنوات تحت سقف بيت العائلة وخارج جدرانه.

ظاهرة خُرافية، والخرافة هنا تعني حقيقة فعلية لكنّها لا تحظى بقبول الكثيرين، تقول "سامية، ن (53 سنة)" لـ" الترا جزائر" أنها عاشت الأمومة بشكل مختلف تمامًا عن ما نعرفه في السياقات الاجتماعية، فغالبًا ما لا يقبلها العقل.

في العائلات الجزائرية، تمارس الأخت خاصّة الكبرى، وحتى البنت الوحيدة بين الإخوة الذّكور وِصاية غير معلنة على إخوتها الأقلّ منها سنًّا

هي أمّ لكنها لم تنجِب، وغير سامية في الجزائر كثيرات مارسن هذا الدّور باحترافية كبيرة، لكن "بلا تعلّم مُسبق أو تكليف من أي طرف من أطراف البيئة الاجتماعية التي عشن بينها"، لم تتلق أبجدياته في البيت ولم تتعلمه في المدرسة ولا في الجامعة، ولا في مكان آخر، "دور التقيتُ به كقدر لا أعرف كيف قيّدني وربما لظروف ما"، كما توضح سامية وهي مبتهجة بممارسته؛ لتتساءل "أليس الأمّهات العظيمات ولدن من رحم الأزقة الضيّقة؟".