احتفالات ينّاير..  بين تحريم المداخلة والتشبث الشعبي

احتفالات ينّاير.. بين تحريم المداخلة والتشبث الشعبي

احتفالات رأس السنة الأمازيغية بقرية آث منداس بولاية تيزي وزو (تصوير: رياض قرامدي/أ.ف.ب)

سواءً توقّف البحث في الجذور التّاريخيّة للتّقويم الأمازيغيّ  الموافق للـ 12 من شهر كانون/جانفي من كلّ سنة، عند كونه تقويمًا فلاحيًّا صرفًا يجسّد عمق علاقة الإنسان الأمازيغيّ بالأرض، أو كونه تقويمًا قوميًّا يبدأ من حكم الملك الأمازيغي شيشناق للفضاء المصريّ قبل 2971 عامًا، فإنّنا بصدد مناسبة حافرة عميقًا في الوجدان الجزائريّ العام.

لهذا العمق تجلّيات شعبيّة وثقافيّة لا تقتصر على المناطق النّاطقة بالأمازيغيّة فقط

ولهذا العمق تجلّيات شعبيّة وثقافيّة لا تقتصر على المناطق النّاطقة بالأمازيغيّة فقط، بل تشمل أيضًا المناطق النّاطقة بالعربيّة، حتّى أنّ سكّان  بعض هذه الأخيرة يسمّونه "راس العام العربي"، تمييزًا له عن "راس العام النّصراني"، الذي يعني رأس السّنة الميلاديّة؛ في واحد من المقامات الاجتماعيّة الدّالة على انصهار الثّقافتين العربيّة والأمازيغيّة في مواجهة سياسات الطّمس الحضاريّ التّي باشرتها مؤسّسة الاحتلال الفرنسي لملامح الهوّيّة الثّقافيّة الجزائرية، قبل عودة التّشويش على هذا الانصهار مؤخّرًا لدواعٍ سياسيّة وأيديولوجيّة طارئة.

اقرأ/ي أيضًا: الجزائر تقر رأس السنة الأمازيغية عيدًا وطنيًا.. نهاية الجدل؟

رغم ذلك كلّه ظلّ ينّاير أو "ينّار" احتفالًا وطنيًّا في الجزائر، وقد ضُمّ مؤخّرًا يوم  12 كانون الثاني/جانفي، إلى جملة العطل مدفوعة الأجر. وراحت الطّقوس الخاصّة به تطفو في المواقع الإعلاميّة والافتراضيّة بصفتها إرثًا لاماديًّا مشتركًا.

هوّية واحدة بأطياف متعدّدة

تنقلنا الشّاعرة والمذيعة فاطمة بن شعلال، إلى روح تلك الطّقوس بالقول إنّها تذكر أنّها في طفولتها "كانت جدّتي ومن بعدها والدتي تحضّر لنا بمناسبة عشاء يناير، طبق الكسكس باللّحم والمرق الذّي يحتوي على سبعة عناصر من الحبوب والخضر، وكانوا يسمّونه (سكسو بو سبعه إيسوفار)، أي كسكسًا بسبعة عناصر، تيمّنًا بسنة فلاحية مباركة وافرة الخير".

إضافةً إلى هذا الطّبق، تواصل بن شعلال، كانت  الجدّة تعدّ لنا "السفنج"، أو "لخفاف"، أو "ثحبولين"، وتختلف التّسميات من منطقة إلى أخرى.

بعد تناول وجبة العشاء، كنا نجتمع حول طاولة تضمّ الشّاي الذّي نتناوله بـ "لسفنج" والفواكه التّي تكون عادةً  تمرًا وبرتقالًا و"بومخلوظ" أو ما نسمّيه اليوم "دراز"، وهو خليط مشكّل من المكسّرات والسّكّريات والتّين المجفّف.

كانت جدتي وأحيانًا جدّي؛ تقول فاطمة بن شعلال، تأخذ طبق "بومخلوظ" وتنثره فوق رأس أصغر أطفال الأسرة وهو جالس داخل جفنة/قصعة. والهدف من ذلك أن يعمّ الخير والحلاوة أيّام الطفل الصّغير. وبعدها يتمّ توزيع محتويات "بومخلوظ" على كلّ أفراد العائلة الحاضرين بالعدل والتّساوي في أكياس صغيرة، على حدّ تعبيرها.

هوّية في مهبّ التّشويش

تزيد الطّقوس التّي ذكرتها فاطمة بن شعلال أو تنقص، من جهة إلى أخرى؛ لكنّها تشترك تقريبًا في حضور الأطفال فيها، بما يؤشّر على مسعى شعبيّ عام إلى توريثها لهم ليكون الحفاظ عليها في عهدة الأجيال المتعاقبة.

غير أنّ تغلغل خطابات دينيّة وافدة من خارج البلاد في النّسيج الاجتماعيّ الجزائري، خلال العقود الأخيرة، وضع في البداية الاحتفال الذّي يخصّ "ينّاير" في خانة البدعة الدّينيّة؛ ثمّ نقلها إلى خانة الحرام، حيث تناقلت المواقع المختلفة، قبل أيّام، فتوى لعميد المذهب المدخلي في الجزائر الشّيخ محمّد علي فركوس، تعتبر الاحتفال برأس السّنة الأمازيغيّة داخلًا في الحرام "فهو عيد مرتبط بالأوثان"، مثلما أطلق عليه مؤخّرًا.

من جهته، يرى أستاذ الفلسفة بوزيد بومدين، أنّ الكَراهية والعنف الّلذين  تَدعو إليهما هذه الفتاوى أو ما أسماه "كَتائب الجَهل" في الفَضاء الأزرق، قد يُوجَّه لأغراض ليست نظيفة، "كما أنّ تبديع العادات والتّقاليد باسم الدّين، وهي ليست عبادة يدل على سوء إدراك للتّاريخ وطبيعة السّلوك الاجتماعي الّذي يحتاج للتّعبير رمزيًّا ولغويًّا وحركيًّا وطقسيًّا، ولا يمكن نَزع ذلك".

يضيف بومدين: "طبعًا قد يزول أو يتغيّر السّلوك (العَادة الاجتماعية) ولكن دومًا نكون مع  سُلوك جديدٍ، أمّا ما يأخذه من مَعانٍ دينيّة أو اجتماعيّة، فتلك مسألة لا تُقرّر بقرار أو بفَتوى ممّن يَسجن نفسه في مذهبيّة فقهيّة وآليّة قياس عَقيمة ولا يستطع الخروج من ذلك".

وورد في تدوينة فيسبوكيّة للنّاشط بكّي بن عامر، أنّ الجزائريّين في حاجة مستعجلة للتّطبيع فيما بينهم، موضّحًا "إشكال الهوّيّة سيدمّرنا إذا لم نتصالح مع التّاريخ والمستقبل".

 فيما كتبت الإعلاميّة فايزة مصطفى: "كلّ المحاولات لطمس ثقافة أيّ شعب باءت بفشل على مدى التّاريخ الإنساني"، مستطدرة "كلّ عام والأمازيغ من واحة سيوة المصريّة إلى جزر الكناري الإسبانيّة مرورًا بالصّحراء الأفريقيّة الكبرى هم رمز الصّمود والحرّيّة والتّعايش".

وذهب الصّحافيّ مصطفى فرحات إلى نبذ من يحرّم الاحتفال بالمناسبة ويراه داعية فتنة. يقول: "احتفالنا ليس تعبّدًا وخاليًا من أيّ مظاهر للشّرك التّي يحاول من ألف الاصطياد في المياه العكرة إلصاقها بنا. لقد طلعت علينا مؤخّرًا بعض الأصوات تنكر علينا الاحتفال بيناير وكأنّهم أوصياء علينا، ولكنّنا لم نسمع لهؤلاء الشيوخ فتوى بخصوص دخول الأجانب الى البقاع المقدّسة والتّطبيع مع اليهود". 

ويسأل مصطفى فرحات: "ما يضرّ هؤلاء عندما تجتمع الأسرة في المجتمع الأمازيغيّ حول عشاء بالكسكس ولحم الدّجاج وتبادل التّهاني بقدوم السّنة الأمازيغيّة؟ أين هي مظاهر الشّرك يا شيوخ الفتنة؟".

يبدو أنّ حاجة الجزائر إلى أمن قوميّ فقهيّ منسجم مع أمن قوميّ ثقافي باتت ملحّة أكثر من أيّ سياق سابق

ويبدو أنّ حاجة الجزائر إلى أمن قوميّ فقهيّ منسجم مع أمن قوميّ ثقافي، باتت ملحّة أكثر من أيّ سياق سابق، في ظلّ التّحدّيات الجديدة. وهذا ما يجب أن تضطلع به المنظومتان الدّينيّة والثقافيّة؛ بعيدًا عن المنطق الاستعراضيّ الذّي ظلّتا تعملان به.

 

اقرأ/ي أيضًا:

احتفالات رأس السنة الأمازيغية.. طقوس تاريخ معتّق

حصاد المغرب في 2017.. فورات شعبية وصحافة مقيدة وتدهور حقوقي