استيراد السيارات المستعملة.. بين التبرير الاقتصادي والدواعي السياسية

استيراد السيارات المستعملة.. بين التبرير الاقتصادي والدواعي السياسية

يتخوّف خبراء من تبعات قرار استيراد السيّارات المستعملة (الصورة: Frace 3)

دعا الوزير الأوّل نور الدين بدوي، إلى تجسيد قرارٍ يسمحُ للمواطنين باستيراد السيّارات المستعملة لأقلّ من ثلاث سنوات، على أن ينطلق العمل بهذا القرار بداية من شهر كانون الأوّل/جانفي المقبل، بحسب بيان للوزارة الأولى خلال اجتماع للحكومة.

استيراد السيارات المستعملة للمقيمين يكون اعتمادًا على مواردهم الخاصّة

وأوضح البيان، أنّ استيراد السيارات المستعملة للمقيمين، يكون اعتمادًا على مواردهم الخاصّة، مع تسديد الحقوق والرسوم المتعلّقة بذلك، وفي انتظار صدور الإجراءات التنظيمية والقانونية لمشروع القانون الذي يحدّد شروط ورسوم عملية الاستيراد. وسبق وأن كشف وزير التجارة سعيد جلاب، أن استيراد السيارات لن يكون خارج الأطر القانونية، وأيّ مواطن يرغب في الاستيراد عليه بالدفع عبر الوكالة البنكية الموجودة في الجزائر، وأضاف الوزير أن فريق عمل متكوّن من إطارات وزارة المالية والتجارة، بصدد وضع شروط تقنيّة بموصفات دولية تفاديًا لتكرار أخطاء سابقة.

اقرأ/ي أيضًا: تركيب السيارات في الجزائر.. 5 سنوات من "النفخ"

مبرّرات اقتصادية

من جانب آخر، يهدف مشروع القانون، إلى ضبط سوق السيارات الذي يعرف ارتفاعًا مستمرًّا في الأسعار، رغم حجم التسهيلات والامتيازات الممنوحة من طرف الدولة، في مجال الاستثمار في قطاع صناعة السيّارات.

تسعى الحكومة الجزائرية، من خلال قرار استيراد السيارات المستعملة، إلى خفض فاتورة استيراد القطع الموجّهة إلى تركيب السيارات، التي بلغت 2.4 مليار دولار سنة 2018، وتغطية عجز مصانع تركيب السيارات في الجزائر عن تحقيق نسبة الاندماج المتّفق عليها، وهي 40 في المائة، وفق دفتر الشروط، حيث لم تتعدّ النسبة عتبة 10 في المئة حتى الآن، ويعود السبب بحسب مختصّين في المجال، إلى فشل الحكومة في بعث سوق المناولة في صناعة السيّارات، والاعتماد على استيراد الأجزاء المركّبة.

تعليقًا على قرار الحكومة، أكّد رئيس جمعية حماية المستهلك زبدي مصطفي، في حديث إلى "الترا جزائر"، أنّ موقف الجمعية ليس ظرفيًا، فقد سبق وأن دعت إلى رفع الحظر على استيراد السيّارات المستعملة لأكثر من ثلاث سنوات، موضحًا أن القدرة الشرائية للمواطن، مع انخفاض قيمة الدينار أمام اليورو، لن تسمح له باقتناء سيارة مستعملة بسهولة، كما يدعو المتحدّث، إلى "استيراد سيارات أقلّ من خمسة سنوات، فهي أولًا تستوفي الشروط التقنية، إضافة إلى السعر المعقول".

وختم زبدي قائلًا: "نبقى في انتظار تفاصيل أكثر حول نسبة الرسوم الجمركية وكيفية الدفع، لكي نحكم عن جديّة هذا الإجراء، وهل يهدف فعلًا إلى كسر المضاربة في سوق السيارات".

قرارٌ شعبوي؟

في مقابل ذلك يتخوّف كثيرون من تبعات قرار الحكومة الجديد، ويعتبرون أتّه لن يسهم في خفض أسعارها في الأسواق. يكتب النائب السابق عن تكتّل "الجزائر الخضراء" يوسف خبابة، على صفحته في موقع فيسبوك، أنّ العودة لاستيراد السيارة القديمة هو شرعنةٌ للسوق الموازية، وإنهاكٌ للعملة الوطنية وحرمانٌ للمواطن من حصوله على العملة الصعبة بأسعار البنك، معتبرًا أن القرار سيفتح السوق الوطنية أمام عملية تزوير أعمار السيّارات ووثائقها، و"كلّ من يعتقد أنّ اقتناء سيّارة بهذه الطريقة تكلّفه سعرًا أقلّ فهو واهم".

يربط بعض المتابعين، قرار السماح باستيراد السيارات المستعملة بالأحداث السياسية التي تشهدها البلاد، حيث أثار المقترح، ردود فعل متباينة على منصّات التواصل الاجتماعي، بين رافضٍ ومتحفّظ ومرحّب بالقرار. هنا، يُعلّق الإعلامي والكاتب ناصر باكرية في تدوينة له "أن القرارات الشعبوية لن تنقذ نظامًا انتهت صلاحيته". وتابع قائلًا " إنّنا لسنا في حاجة إلى خردة بل في حاجة إلى الحرّية".

يعتبر متابعون، أنّ الحكومة أصدرت قرارات اجتماعية في الظاهر، سياسية في العمق؛ هدفها شراء السلم الاجتماعي، ودفع المواطنين للالتفاف حول خياراتها السياسية، خاصّة فيما يتعلّق بالذهاب إلى انتخابات رئاسية.

الأسعار ستبقى مرتفعة

وبخصوص تكلفة السيّارات المستوردة (أقل من 3 سنوات)، أكّد معمّر، أحد بائعي السيارات في السوق الموازية، في حديث إلى "الترا جزائر"، أن سعر السيّارات ستبقى مرتفعة، نظرًا لمعطيات عديدة، منها انخفاض قيمة الدينار مقابل قيمة اليورو، وارتفاع الحقوق والرسوم الجمركية والضرائبية، إضافة إلى اعتماد الدفع عبر البنك، الأمر الذي سيدفع بالمواطن إلى اقتناء العملة الصعبة في السوق السوداء.

ويُحتمل أيضًا بحسب المتحدّث، ارتفاع قيمة العملة الصعبة، نظير ارتفاع الطلب، وتكاليف الخصومات البنكية. كما أشار البعض أن التعامـل البنكي يوجب التعامل مع مؤسّسات تعمل في مجال بيع السيارات المستعملة، بينما الفرص والسيارات الأقلّ سعرًا تكون في التعامل مع الأشخاص، أو ما يُسمّى بالشخص الطبيعي وليس الشخص المعنوي.

الحكومة الجزائرية تسعى إلى تركيب وصناعة السيّارات السياحية ذات التكلفة الصغيرة والمتوسّطة

أمّا في تقدير أستاذ العلوم الاقتصادية عمر هارون، فإنّ الحكومة الجزائرية تُريد تركيب وصناعة السيّارات السياحية ذات التكلفة الصغيرة والمتوسّطة، وتفتح باب الاستيراد لمن يرغبون في جلب سيّارات فارهة، وهو ما يمكّنها من تقليص فاتورة الاستيراد، وفي الوقت نفسه الاستفادة من عوائد الخزينة العمومية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تقرير البنك العالمي..احتياطي الصّرف في الجزائر يتآكل

الأزمة الجزائرية وأولوية الحلّ الاقتصادي على السياسي!