17-أغسطس-2019

الحراك الشعبي في الجزائر يتواصل منذ قرابة ستة أشهر (بلال كرامدي/ أ.ف.ب)

بعد قرابة نصف عام من انطلاق الحراك الشعبي في الجزائر، يبقى صوت الأحزاب المحسوبة على التيّار الإسلامي في البلاد، خافتًا حتى الآن، إذ يغيب ممثّلوها عن لجنة الحوار والوساطة، كما أن وجودهم في الحراك ضاع بين عدم الانجراف في النقاش السياسي، والتحفّظ على مواقف المؤسّسة العسكرية، فهل هذا التخبط يُخفي حقيقة عنوانها تراجع هذا التيار تمثيليًا في الشارع الجزائري؟ أم أن الأمر يتعلّق بلحظة عابرة يصعب فيها تحديد مدى امتداد أي جناح سياسي مهما كانت إيديولوجيته؟

خلصت دراسة داليا غانم، الصادرة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط، إلى تراجع دور الحركات الإسلامية في الجزائر

قبل أيّام قليلة من إطفاء الحراك الجزائري شمعة شهره السادس، في الـ 22 أوت/ أغسطس الجاري، فشل التيار الإسلامي في تحقيق التقدّم والوجود الميداني الذي حقّقه نظراؤه في دول أخرى مثل تونس ومصر والمغرب.

اقرأ/ي أيضًا: إسلامي على رأس البرلمان.. "صفقة سياسية" مع السلطة؟

تهميش الأحزاب الإسلامية

في مقابل ذلك، تطرّقت  دراسة صادرة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط، تحت عنوان "المداميك المُتقلِّبة للإسلام السياسي في الجزائر"، إلى تراجع دور الحركات الإسلامية في الجزائر، هذه الدراسة، أعدّتها داليا غانم التي أجرت سابقًاعدّة أبحاث عن الجزائر والتطرّف السياسي والحركات الإسلامية في شمال إفريقيا.

تقول غانم في دراستها، إنّ "الإسلاميين ليس لهم عمليًا دور في التعبئة التاريخية التي هزّت النظام الجزائري"، عقب حراك 22 فبراير/ شباط الماضي.

وتستدّل الباحثة بما تسمّيه "وهن" نفوذ السياسيين الإسلاميين في الجزائر، والذي أثبته بوضوح "عداء المواطنين العاديين لممثلي الإسلام السياسي المعتدل، فعلى سبيل المثال، أبعد المتظاهرون خلال الاحتجاجات الأخيرة عبد الله جاب الله، وهو قائد إسلامي مخضرم يرأس الآن حزب جبهة العدالة والتنمية الإسلامي".

تُشير الباحثة، إلى أنّ رئيس حركة مجتمع السلم أكبر حزب إسلامي في البلاد تعرّض للتهميش "حين جوبه بلامبالاة الرأي العام"، معتبرةً أن ذلك "يشي فقدان هاتين الشخصيتين القياديتين لشعبيتهما، بأن الأحزاب الإسلامية تفتقد بالفعل إلى المصداقية، والشرعية، والمساندة الشعبية".

سبب تراجع هذه الأحزاب بحسب الباحثة، يعود إلى "تركيزها على النظام بدلًا من المجتمع، فلم تعد هذه الأحزاب الإسلامية، من خلال صبّ اهتمامها على المحافظة على علاقاتها مع الدولة، تُولي أهميّة لاحتياجات الجزائريين العاديين ومصالحهم".

ترى داليا غانم، أن حركة مجتمع السلم تعد أكبر مثال لهذا الواقع، فهي تشير إلى أنه في الوقت الذي واصل فيه قادة هذه الأحزاب إدانة أساليب الدولة، انشغلوا بالحفاظ على مداخلهم إلى دهاليز السلطة وتأمين استفادتهم من المزايا والامتيازات التي تقدّمها الجهات الفاعلة، والتي يعتبرها العديد من الجزائريين مُشابهة للفساد الذي تُعرف به الدولة منذ أمد طويل، على حدّ قولها.

ووفق الدراسة ذاتها، فإن تظاهرات العام 2019 شكّلت فرصة ضائعة أخرى للإسلاميين، لأنهم "انتظروا انقلاب الطاولة على بوتفليقة للتعبير عن دعمهم للمتظاهرين، ولذا فشل رجال السياسة الإسلاميون في كسب ثقة الشعب".

ظاهرة جديدة

هناك أسباب كثيرة أدرجتها داليا غانم عن تراجع دور الإسلاميين، من بينها توسّع شعبية ما سمته الباحثة التيّار "الدعوي السلفي" القائم على إعادة التموضع على الساحة الدينية، بديلًا عن الجهادية، وعلى الساحة السياسية بديلًا عن السلفية السياسية، على حدّ تعبيرها.

في هذا السياق، تُشير الدراسة إلى أن الحكومة الجزائرية لم تتدخّل إلى حدّ كبير في شؤون الدعوة السلفية، إذ إن المقاربة العلمية التي تنتهجها الحركة تسمح للدولة بتحقيق العديد من الأهداف المهمّة، على غرار حشد الدعم لسياسة المصالحة، وإضعاف المعارضة الإسلامية الأساسية، ومواجهة الأشكال الأكثر عنفاً وتشدّدًا للإسلام السياسي، "بما في ذلك الإيديولوجيات السلفية-الجهادية"، وتعزيز سلطتها الخاصّة، وتوسيع قاعدة دعمها من خلال دمج البرجوازية الإسلامية الجديدة في البلاد، وإبقائها تحت السيطرة.

 

مغالطات حول الإسلاميين

في مقابل ذلك، هذه الدراسة لم ترُق لرئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري، و الذي اعتبر أن هذا الموضوع "لا يقوم على أي أساس علمي ولا أيّ مجهود استقصائي للاستماع للمعنيين، مليء بالكذب والمغالطات والاضطراب الفكري والأخطاء المعرفية والخلط الكرونولوجي".

واتهم مقري الباحثة، بأنّها "فبركت تراتبية الأحداث وأضافت معلومات خاطئة ووهمية، ووقعت في التعميم والاتهامات الباطلة التي لا تقوم على دليل فقط من أجل جعل أمانيها الأيديولوجية حقائق، و ربّما لتخدم قوى سياسية وأيديولوجية في الجزائر".

وإن كان لمقري الحقّ في الدفاع عن نفسه، ردًا على الانتقادات التي طالته، إلا أن الردّ الذي حمله بدا أنه لم يول اهتمامًا لموقف الجزائريين من هذه الدراسة وإمكانية مخالفتها لأرائهم، وإنّما اهتمّ فقط بأثر هذه الدراسة على نظرة الغرب للحركات الإسلامية في الجزائر، وكأن الرجل منكب فقط على تحسين صورته لدى الخارج.

في هذا السياق، يقول مقري ردًا على ما ورد في الدراسة: "هذا النوع من الكتاب المتسلّلين إلى مراكز الدراسات، يتحمّلون مسؤوليات كبيرة بمساهماتهم في جعل الغرب يخطئ دائما في فهم العالم العربي والإسلامي إذ تفاجئه الأحداث دومًا ثم يعمد إلى الإستدراك بسلسلة من الأخطاء باعتماد القوّة والابتزاز لا غير".

يبقى الحكم على دور الحركات الإسلامية ومستقبلها في الحراك الشعبي سابقًا لأوانه

مهما كانت نسبة مصداقية ما جاء في دراسة مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حول الحركات الإسلامية في الجزائر، يبقى إعطاء حكم نهائي حول مستقبلها وتوجّهاتها سابق لأوانه، لأن الواقع أظهر أن الشارع في الوقت الحالي رفع "البطاقة الحمراء" في وجه جميع الأحزاب السياسية سواءً كانت إسلامية أو ليبرالية، أو قومية، أو اشتراكية، إضافة إلى أنه لا يمكن غّض الطرف عن قرب الداعين إلى "الباديسية" في المسيرات من الأحزاب الإسلامية، التي تبقى تجربتها في الجزائر مختلفة كل الاختلاف عمّا وقع في الدول العربية قبل وقت قريب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

منتدى الحوار.. يمدّ يده إلى السلطة بشروط

فشل المعارضة في تحديد مرشّح توافقي يحرك الشارع الجزائري