الأخبار الكاذبة.. سيف على رقبة الحراك الشعبي!

الأخبار الكاذبة.. سيف على رقبة الحراك الشعبي!

لم يسلم الحراك الشعبي من الأخبار الكاذبة (رويترز)

لم يكن الحراك الشعبي في منأى عن فخاخ الأخبار الكاذبة التي غزت الفضاءات الإعلامية الجديدة منها والكلاسيكية، والتي أدخلت الجزائريين في حالة قلق وارتباك كبيرين في الكثير من اللحظات الحرجة للحراك الشعبي. 

لم يكن الحراك الشعبي في منأى عن فخاخ الأخبار الكاذبة، التي تم ترويج كثيرٌ منها  عبر مؤسسات إعلامية كبيرة ولها ثقلها!

"الفايك نيوز" رافق الحراك الشعبي لإسقاط النظام منذ أول يوم إلى غاية تحقيق أولى مطالب الحراك بتنحي عبدالعزيز بوتفليقة. والمثير في الحالة الجزائرية أن الأخبار الكاذبة لم تكن فقط وليدة مواقع التواصل الاجتماعي كما هو مألوف في الكثير من المجتمعات، بل كانت في الكثير من الأحيان مؤسسات إعلامية كبيرة ولها ثقلها، هي التي تقف وراء نشر الأخبار الكاذبة في أوقات محسوبة وبدقة!

اقرأ/ي أيضًا: تعتيم إعلامي على حراك الشعب الجزائري.. الرد في الشارع وفيسبوك

يقضي الجزائريون ما بين الجمعتين على وقع سيل من الأخبار الكاذبة التي تفوق الأخبار الصحيحة في سرعة انتشارها، بل ربما في تأثيرها على مجريات الحراك. 

وكثير مما يستهلكه الجزائريون من مضامين إخبارية في الفترة الأخيرة، ظهر أنها أخبار مزيفة. وانطلقت كثير من النقاشات العامة بناءً على هذه الأخبار غير الصحيحة أو على صور مفبركة، مثل صور الوزير الأول الحالي نور الدين بدوي رفقة إعلامية مشهورة في التلفزيون العمومي. 

ورغم تأكيد مختصين في التصوير والمونتاج على أنها صور مفبركة، إلا أن الخبر الكاذب يصمد أكثر ولا يمكن إيقافه بمحاولات النفي والدحض، تمامًا مثل الجدل الذي صاحب تعيين الوزيرة الجديدة للثقافة مريم مرداسي، بسبب صور فاضحة منسوبة لها اتضح أنها ليس هي التي تظهر في الصور، لكن صفحات على فيسبوك لا تزال  تصر على أنها هي، رغم نفيها ونفي مقربين منها.

حرب البيانات المفبركة.. وقودها الختم الرئاسي

كان الأسبوع الأخير قبل استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عامرًا بالأحداث، فـ"العصابة"، كما أسمتها الجماهير الغاضبة؛ اشتد عليها خناق قيادة الأركان، وسيل من البيانات المنسوبة للرئاسة يُجهل مصدرها، تغمر مواقع التواصل الاجتماعي. 

وكان البيان الرئاسي بختم الأمانة العامة الذي ينهي مهام قائد الأركان نائب وزير الدفاع أحمد قايد صالح، الأكثر جدلًا، وبيان آخر يتحدث عن "انقلاب عسكري"، وكلاهما اتضحا فيما بعد أنهما مفبركان. وبعدها ظهر بيان منسوب لأحد مستشاري الرئيس، وهو محمد بوغازي، يندد بـ"انقلاب الجيش على الشرعية"، ليكذب المعني بسرعة البيان المنسوب إليه عبر وسائل الإعلام.


البيان المفبرك المنسوب لمستشار بوتفليقة، محمد علي بوغازي

في هذا الشأن، يقول شريف دريس، أستاذ العلوم السياسية بالمدرسة العليا للصحافة، لـ"الترا جزائر" إن "حرب البيانات التي شهدناها مؤخرًا على المنصات الإلكترونية أو القنوات التلفازية، هو أمر طبيعي يحدث عندما نكون في حالة أزمة، والتي من خصائصها تسارع الأحدث وتناقل الأخبار بسرعة ودون تمحيص، خاصة أن ما حدث في الجزائر هو صراع العصب داخل هرم السلطة، وكل طرف يحاول التأثير على الرأي العام ويحاول أن يظهر بأنه هو من يملك آلية اتخاذ القرار السياسي".

أما بخصوص مصدر هذه البيانات، فيقول: "من الصعب القول أنها صادرة عن جناح ما في السلطة أو عن طريق الذباب الإلكتروني التابع له، فربما تكون من طرف هواة  يبحثون عن إحداث فرقعة. وعلى كل حال هي ليس ظاهرة جزائرية  فقط".

القنوات التلفزيونية.. مصانع الأخبار المزيفة

وإن كان من الطبيعي أن تكون المنصات الاجتماعية فضاءً لانتشار الأخبار الكاذبة باعتبارها فضاءً اتصاليًا مفتوحًا للجميع؛ فإن تورط قنوات تلفزيونية في صناعة الأخبار الكاذبة بشكل فج، هو سابقة لم تشهدها الجزائر من قبل.

يوم قبل استقالة الرئيس، وفي خضم معركة تكسير العظام بين الرئاسة وقيادة الأركان، بثت العديد من القنوات خبرًا يفيد بأن بوتفليقة دخل في غيوبة ووضع على أجهزة التنفس الصناعي. لكن بعد 24 ساعة، نفس القنوات بثت صور بوتفليقة وهو يمسك برسالة استقالته ويسلمها لرئيس المجلس الدستوري!

بثت قناة الشروق التي انحازت بشكل صريح لموقف قيادة الأركان،  ليلة 31 آذار/مارس، في شريطها العاجل، أن قوات الدرك الوطني نزلت للساحات والشوارع، قبل أن يتبين أنه خبر كاذب لا أساس له من الصحة. 

نفس الأمر تكرر مع قناة دزاير نيوز، المملوكة لرجل الأعمال المسجون علي حداد، والتي نقلت يوم الجمعة، السادس من نيسان/أبريل 2019، في خبر عاجل، أن وزير العدل السابق طيب لوح اعتقل ليلة الجمعة على الحدود الغربية وهو يحاول الفرار نحو المغرب، ليأتي الرد من المعني بعد ساعات، ويظهر في اجتماع لقيادة حزب جبهة التحرير الوطني.

ووفقًا لشريف دريس، حول تورط القنوات في الترويج لأخبار كاذبة، فإن "المشكلة الأساسية مرتبطة بالسلطة التي أظهرت عدم قدرتها في ضبط المحتوى الإعلامي، خاصة الخبر السياسي"، موضحًا: "هذه القنوات تموقعت سياسيًا، فعوض تقديم خدمة إعلامية، تحولت إلى آداة للدعاية، وهي مجرد آدوات في يد السلطة السياسية".

ويختصر أستاذ العلوم السياسية التحول الذي طرأ على محتوى القنوات في ظل الحراك الشعبي، بقوله: "الأجندة السياسية هي التي استحوذت على الأجندة الإعلامية ووجهتها بالكيفية التي تخدم مصالحها".

من جانبهم، وجه كتاب وصحفيون انتقادات لاذعة لأداء وسائل الإعلام المتورطة في نشر أخبار كاذبة. فالكاتبة الصحفية زهور شنوف، دعت عبر صفحتها بفيسبوك إلى التصدي للأخبار الكاذبة، قائلةً: "حاربوا الأخبار الكاذبة. رجاءً من الزملاء توقفوا على نشر أخبار غير موثوقة، ومن مصادر دقيقة. الناس نفسيتها تعبت".

فيما كان الكاتب عبد العزيز بوباكير أكثر قسوة في انتقاده لوسائل الإعلام، لمّا قال: "بعض أصحاب المؤسسات الإعلامية والصحافيين، يمارسون أقدم مهنة في التاريخ: العهر".

"يتناحو قاع" تشمل أيضًا وسائل الإعلام

يدرك الجزائريون أن وسائل الإعلام، خاصة القنوات التلفزيونية، هي أحد أقوى أذرع النظام، التي لطالما دافعت عن توجهات السلطة، وكانت وسيلة قمع وترهيب لكل الأصوات المعارضة للسلطة، كما لم ينس الجزائريون مواقف هذه القنوات من مسيرة 22 شباط/فبراير، لذا يميل الجزائري إلى تصديق الأخبار المنتشرة على الإنترنت أكثر من تلك التي تبثها القنوات التلفزيونية.

ويفسر عمار يزلي، الباحث في علم الاجتماع بجامعة وهران، هذا الميل نحو تصديق الأخبار المنتشرة عبر المنصات الإلكترونية، إلى "البحث عن إجابات لم تقدمها له وسائل الاتصال الرسمية أو العمومية أو القنوات الفضائية أو الصحف المحترفة التي يرى فيها المستهلك مخفية للحقيقة فيصدق أي شيء يجده على فيسبوك أو يوتيوب".

فيما يرى شريف دريس أن رفض الجزائريين لبعض وسائل الإعلام، مرده إلى "قربها من النظام السياسي وتحولها لأدوات في صراع الأجنحة"، مضيفًا: "الجزائريون يدركون أنها  كانت سببًا في الوضع الذي آلت إليه الجزائر، بانحرافها عن مهمتها في تقديم خدمة عمومية".

ما العمل؟

حذر الباحث عمار يزلي، في تدوينة على فيسبوك، من خطر ابتلاع المستخدمين لكل المضامين المنتشرة عبر المنصات الاجتماعية، خاصة في الظرف الحالي: "لا ينبغي أن نصدق كل ما يرد إلينا أو نقرأه أو نراه أو نسمعه، إذ لابد من التمحيص وعدم التسرع في نشره من جديد، لأن هذا هو الأخطر: إعادة التوزيع للموزع أصلًا وهو كاذب".

اللافت أن معظم الأخبار الكاذبة ذائعة الصيت في الآونة الأخيرة، لم تكن صنيعة مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما مؤسسات إعلامية كبرى

في المقابل يعتقد شريف دريس، في حديثه لـ"الترا جزائر"، أن تأثير الأخبار الكاذبة على الحراك محدود، موضحًا: "الجزائريون تمكنوا من التحكم في هذه الأدوات والتفرقة بين الخبر الكاذب والخبر الصادق".

 

اقرأ/ي أيضًا:

الحراك يرفض بقايا بوتفليقة.. هل يترقب الجيش تفويضًا شعبيًا؟!

حوار | الهادي بوذيب: العقل الجزائري تشكّل في سياق المقاومة ورفض الإذلال