الإطاحة بأحد

الإطاحة بأحد "الباءات الثلاثة".. ما الذي تعنيه استقالة الطيب بلعيز؟

الطيب بلعيز، أول الراحلين من الباءات الثلاثة المرفوضة شعبيًا (رويترز)

لم تكن استقالة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة كافية لإخماد الحراك الشعبي، فقد استمرّ المحتجّون في المطالبة برحيل "الباءات الثلاثة"، وهم كل من رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح، والوزير الأوّل نور الدين بدوي، والطيّب بلعيز رئيس المجلس الدستوري الذي أعلن عن استقالته يوم أمس الثلاثاء 16 نيسان/أبريل 2019.

رأى البعض في استقالة الطيب بلعيز، أحد "الباءات الثلاثة"، انتهاجًا للطريق السياسية لحل الأزمة في الجزائر

وجاء في بيان للمجلس الدستوري أن رئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، أبلغ أعضاء المجلس أنه "قدم إلى رئيس الدولة استقالته من منصبه كرئيس للمجلس الدستوري"، وبعدها بساعات تمّ تعيين كمال فنيش خلفًا له، وهو ما قد يكون إشارة إلى انتهاج الطريق السياسية لحل الأزمة، رغم تشديدات السلطة سابقًا، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية بقيادة أحمد قايد صالح، على التمسك بالحل الدستوري.

اقرأ/ي أيضًا: "العصابة" أم الجيش.. من هو صاحب القرار في الجزائر الآن؟

المزج بين الدستوري والسياسي

في هذا السياق، يقول العقيد المتقاعد رمضان حملات، في حديث إلى "الترا جزائر"، إن الحل "يجب أن يكون مزيجًا بين السياسي والدستوري"، موضحًا: "الحل الدستوري كان بتطبيق المادة 102 من الدستور وقد تم ذلك فعلًا، وبقي المطلب الثاني وهو تطبيق المادتين السابعة والثمانة من الدستور، وهو ما تعهّدت به المؤسسة العسكرية في السابق، أما الحلّ السياسي فهو رحيل الحكومة الحالية، ونحن ننتظر أن تقدّم استقالتها في الساعات القادمة"، على حدّ قوله.

الحراك الشعبي
اقترح الحراك في الجمعة الثامنة حلولًا مزجت بين الدستوري والسياسي

سيناريو استقالة رئيس المجلس الدستوري أمس، كان مطروحًا منذ أيّام من طرف الحراك الشعبي ومن طرف محلّلين في منابر إعلامية، إذ تُعتبر هذه الخطوة حسبهم أولى مؤشّرات الاستجابة لمطالب الحراك الشعبي، وصولًا إلى استقالة الرئيس ووزراء الحكومة المحسوبة على نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ولكن ليس هنا مربط الفرس.

فمطالب الحراك الشعبي الداعية إلى إقالة أو استقالة رموز الحكم السابق وفق قاعدة "من كان سببًا في الأزمة، لا يجب أن يكون طرفًا في الحل"، لا تعني رفض الشارع للحلول الدستورية، ولكن تخوّفه من تزوير الانتخابات القادمة، إذ يعطي قانون الانتخاب في الجزائر، كافة الصلاحيات للحكومة المغضوب عليها شعبيًا، لتنظيم الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ويمنح قانون الانتخاب الجزائري أيضًا، صلاحيات تعيين رئيس اللجنة المستقلة لمراقبة الانتخابات لرئيس الدولة الحالي، وهو الأمر الذي يطعن في مصداقية الانتخابات الرئاسية التي ستعرفها الجزائر في الرابع من تموز/يوليو المقبل، إذ ستكون هذه التعيينات بناءً على الولاء للسلطة ورموزها.

هنا يعلق عامر رخيلة، العضو السابق في المجلس الدستوري، في حديث لـ"الترا جزائر"، على استقالة رئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، بقوله إن هذا القرار "هو حل سياسي لا يمسّ بالدستور، وبالتالي المرور إلى انتخابات رئاسية في وقتها المحدّد". 

وأضاف رخيلة: "هذا القرار يقطع الطريق أمام بعض الأشخاص الذين يتحدّثون باسم الحراك ويريدون التموقع في السلطة، من خلال مطالبتهم بالمرحلة الانتقالية، وتكوين هيئة مستقلة من الحراك بعد أن يقدّم رئيس الدولة وحكومته الاستقالة، وهو ما يضمن وصولهم إلى السلطة دون انتخابات "، على حدّ قوله.

مناورات بين الجيش والحكومة

ومباشرة بعد استقالة "الباء الأولى"، ألقى أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع كلمة حاول فيها أن يقترب من مطالب المسيرات الشعبية، بتبني التغييرات التي حدثت اليوم. فإلى جانب ضغط الشارع، تُمارس المؤسّسة العسكرية ضغطًا هي الأخرى من خلال إصدار بيانات تحذّر فيها مسؤولين سابقين في أجهزة الدولة من التدّخل في الأزمة، ومن الوقوف ضدّ إرادة الشعب أو استعمال العنف، الذي استعمل بالفعل في الجمعة الثامنة.

خطاب المؤسّسة العسكرية الأخير حمل رسالتين: 

الأولى: أن المؤسّسة العسكرية حاولت أن تنفي وقوفها وراء الانزلاقات الأمنية الأخيرة في العاصمة، وأن قمع المسيرات كان بأمر من الحكومة الحالية التي عيّنت في مرحلة الرئيس السابق، وهو ما تجسد في خطابها "أطرافًا معادية للشعب لم يُعجبها الطابع السلمي للمسيرات"، و"حريصون ألا تراق قطرة دم واحدة".

الثانية: التهديد بفتح ملفّات الفساد، واستعمالها كورقة ضغط للتعجيل برحيل الحكومة الحالية إذا استمر الوضع على حاله، وهو ما حمله خطاب القايد صالح في قوله: "الوضع لا يحتمل المزيد من التأجيل، لأن الوقت يداهمنا"، وقوله: "نتظر من القضاء الإسراع في النظر في قضايا الفساد".

وفي حال رسمت الخطوط الأساسي لهذا السيناريو الذي يطالب به الحراك، والداعي لاستقالة الحكومة وبعدها رئيس الدولة المؤقت، فيدفع ذلك بالبلاد إلى الدخول في حالة فراغ دستوري، وفي هذه الحالة يجتمع المجلس الأعلى للأمن لتعيين شخصية توافقية لها قبول شعبي على رأس السلطة، وهذه الشخصية تعيّن حكومة جديدة لقيادة المرحلة القادمة فيما بعد.

التفافات بدوي وبن صالح

لكن في مقابل ذلك، يبدو أن الحكومة الحالية بقيادة رئيس الدولة عبد القادر بن صالح، تحاول كسب المزيد من الوقت وصولًا إلى تنظيم انتخابات تحت إشرافها، وهو ما يرفضه الشارع الجزائري، الذي يعتقد أنه في هذه الحالة ستكون الأمور محسومة لصالح بقايا النظام السابق، خاصّة وأن قانون الانتخابات يمنحهم كل صلاحيات المراقبة والإشراف على الانتخابات الرئاسية القادمة.

يعتقد أنه في حال أشرفت حكومة بدوي على الانتخابات الرئاسية القادمة، فستكون الأمور محسومة لصالح بقايا نظام بوتفليقة

رغبة الحكومة الحالية في إطالة عمر الأزمة وصولًا إلى تنظيم انتخابات رئاسية، تجسّدت في محاولات قمع المسيرات في العاصمة طيلة أيّام الأسبوع، والابقاء على يوم الجمعة فقط، كما حاولت تقليص عدد المتظاهرين بمحاصرة العاصمة ونصب حواجز تفتيش خانقة، واختراق الحركات بمركبات الشرطة المزوّدة بخراطيم المياه، وصولًا إلى إطلاق الغاز المسيل للدموع بشكل عشوائي واستعمال الرصاص المطاطي لأول مرة منذ انطلاق المسيرات الشعبية قبل شهرين من الآن.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المتحولون في الجزائر.. سياسيون وإعلاميون ركبوا موجة الحراك

غضب واسع من تعرية 4 ناشطات في مخفر شرطة.. والأمن: "إجراء وقائي"!