29-ديسمبر-2022
 (رياض قرامدي/أ.ف.ب)

احتجاجات صحافيي التلفزيون الجزائري (رياض قرامدي/أ.ف.ب)

تنتهي سنة 2022، لكن يظل الإعلام الجزائري ينتظر الإفراج عن القوانين الناظمة للقطاع، وهي خطوات يراها كثيرون أنها لن تحل مشكلة حرية التعبير في الجزائر ومسألة الحريات عمومًا، تعززها مشاهد ملاحقة الصحافيين في قضايا لها علاقة بممارسة المهمة، أبرزها هذا العام كانت قضية الصحافي بلقاسم حوام.

شهدت السنة الجارية محاكمة عدة صحافيين في قضايا لها علاقة بالممارسة المهنية

الواضح أن مساحة الحرّيات تقلّصت كثيرًا خلال هذه السنة، رغم وعود الرئيس عبد المجيد تبون بـ"سقف غير محدود للحريات"، خصوصًا بعد إعادة النظر في المؤسّسات الإعلامية من حيث المضامين والمبنى والشكل، وبروز العشرات من المؤسسات الإلكترونية، رغم أن مناقشة مسودة القانون المنظمة للمهنة بدأت في البرلمان، وسيتم المصادقة عليها من نواب الشعب.

بالعودة إلى مشروع قوانين الإعلام في الجزائر، تبددت بعض الطموحات حول الإعلام الجزائري، خصوصًا أمام تردد الحكومة أو السلطة عموما في إطلاق القوانين، وإعادة تشكيلها في كذا من مرة عقب العديد من اجتماعات مجلس الوزراء برئاسة الرئيس تبون، يراها مهنيون في الجزائر بأنها: "حساسة في خضم عدم القدرة على التحكم في المعلومة العابرة للقارات، في إطار ما يسمى تكنولوجيا عالم الفضاء الافتراضي".

منسوب المهنية

كما باتت المعلومات أو الأخبار، توجه من جهة واحدة، أو تنشر في اتجاه واحد، مع إعادة تعويم الأخبار، و وترتيبها حسب " حارس البوابة" أو "حراس البوابة" في مختلف القطاعات، إذ شرح أستاذ الإعلام بجامعة وهران عبد الكريم عماري  لـ"الترا جزائر" أن الصراع الدائر في ساحة الإعلام في الجزائر ليس متعلق فقط بالإفراج عن القوانين التي تنظم المؤسّسات الإعلامية، ولكنه صراع بين المهنيين في حدّ ذاتهم، خصوصًا أمام فقدان الثقة في أن المهنية أو أخلاقيات المهنة هي من "ترفع من قدر الإعلامي" من جهة ومن منسوب توعية الرأي العام، من جهة أخرى.

وأضاف في هذا السياق، أن الجزائر خلال السنوات الأخيرة باتت تتعرض لهجمة معلومات لا يمكن تصديقها أو تكذيبها أو نفسها في آن واحد، وهنا وجب العودة إلى السؤال الجوهري: من يتحكم في المعلومة؟

ورغم أن موضوع سنة 2022 والإعلام، يعود بنا إلى ما فترة سابقة، يرى الأستاذ عماري أننا "نعيش اليوم في مد وجزر بين المعلومة والإعلام والحرّيات، فعندما تحررت القنوات في 2012 بفعل ثورات الربيع العربي، وفتحت قنوات خاصة، وبدأت آلة المعلومة تتحرك، جاء وقت الإغلاق في سنوات 2016 ثم 2017 إلى غاية 2019، وذلك بفعل عدم القدرة على التحكم على المعلومة خصوصًا السياسية منها، والأمنية المتعلقة بمنظومة سياسية كاملة".

وفي هذا المنحى، تعتبر السلطة والحريات في دائرة واحدة، والسياسة والإعلام وجهان لعملة واحد، بحد تعبيره، غير أن الداعي للانتباه هنا أن القوانين الإعلامية في الجزائر يتم إنزالها حسب المنظومة السياسية وليس العكس، إذ أشار إلى أن الثابت في قطاع الإعلام أنه متغير مستقل عن مختلف المتغيرات والتحولات في الساحة السياسية، لأنه ينبني على قيم وأخلاقيات لا يمكن المساس بها مادامت لا تؤثر على الصالح العام ووعي الجمهور أيضًا.

تنظيم المهنة

من ناحية أخرى، يطرح الناشطون الحقوقيون في الجزائر مسألة الإخفاق في الحريات عمومًا والإعلام خاصة، إذ لاحت حالة التضييق منذ الحراك الشعبي، واختلاط المهمة الإعلامية بين الدعاية والترويج والتشهير والقذف وتغليب الرأي الواحد وتقزيم الرأي الآخر أو طرح المواضيع من عدة زوايا، على حد تعبيره.

شهدت السنة الجارية محاكمة عدة صحافيين، في قضايا متعددة، لها علاقة بالممارسة المهنية، أبرزهم رابح كارش ومحمد مولوج، ومحمد بوراس وإحسان القاضي، وبلقاسم حوام، حيث رفعت منظمات حقوقية في أكثر من مناسبة، مطالب بفتح مجال الإعلام وضمان حرية الرأي والتعبير وعدم ملاحقة الصحافيين والنشطاء السياسيين والمدونين وإطلاق سراح معتقلي الرأي.

من جهته، أكد الحقوقي فريد سطمبولي، على أن المزيد من الضغوطات على الأحزاب والإعلام لا يؤدي بنا نحو تحرير الفضاء العام، أو إتاحة رقابة مقننة، إذ هناك ثغرات أخرى تسببت فيها التكنولوجيا، لافتًا في تصريح لـ" الترا جزائر" أنه من الأجدر أن يكون هناك نقاش واسع على هذه القوانين مع المهنيين في مختلف المؤسسات الإعلامية وإشراك الجامعة من أجل وضع يكون الأفضل لاستتباع حرية الصحافة التي بنيت على مدار أزيد من ثلاثة عقود.

في مقابل ذلك، يعتقد البعض أن فتح البرلمان لمناقشة مسودة القانون الخاص بالإعلام مناقشة تمهيدية، لن يغير في الأوضاع خصوصًا وأن المؤسسات الإعلامية وخاصة منها التابعة للقطاع الخاص، تعاني من عدة زوايا تنظيمية ومهنية واجتماعية وحقوقية.

منعطف السنة

ويبدو أن القانون سيكون أيضًا مؤشرًا مهما لتوزيع الإشهار العمومي الذي ظل يراوح مكانه خلال السنتين الأخيرتين، فضلًا عن ضرورة تحديد مستويات الممارسة الإعلامية منها ما تعلق بضرورة أن يحوز المهنيون وخاصة ملاك المؤسّسات الإعلامية شهادات جامعية، وهنا يطرح الباحث في الإعلام طالب الدكتوراه بجامعة الجزائر نبيل طالبي سؤالا يتعلق بمدى تناسق القوانين مع التكوين الجامعي، خصوصا وأن "الإعلام اليوم لا يمكن تسييره بقوانين دون التحلي بأخلاقيات مهنية عالية، تضمن للجمهور الخدمة العمومية وتعمل على توازن المجتمع".

وأضاف طالبي في تصريح لـ" الترا جزائر" من المهم أن نشهد قوانين تنظم المهنة ولكن من الجيد أيضًا أن تتاح الفرصة للباحثين والطلبة تجريب حظوظهم في مهنة الرأي والرأي الآخر، مشيرًا إلى أن الإعلام سيتوجه نحو عملية " تأطير محددة من الفاعل السياسي في البلاد"،وهو ما يجعل من الفضاء الافتراضي الملاذ الآمن للبعض، رغم " تجريم بعض المنشورات الفيسبوكية" على حد تعبيره.

وفي هذا الإطار، وجب الإشارة إلى أن البرلمان وجه دعوة لخبراء وأكاديميين وصحافيين للمشاركة في يوم دراسي بعنوان "ضوابط الخدمة العمومية ضمن التشريع الإعلامي في الجزائر"، وذلك قبل إحالة القوانين الثلاثة الجديدة الخاصة بقطاع الإعلام والصحافة في الجزائر للنقاش العام في البرلمان.

من جهتها، أحالت الحكومة في 12 ديسمبر/ كانون الأوّل الحالي، ثلاث مسودات قوانين تخص قطاع الصحافة، ستتم مناقشتها في البرلمان تتمثل في: القانون العضوي للإعلام، وهو قانون مركزي وقانون السمعي البصري وقانون ثالث يخصّ الصحافة المكتوبة والإلكترونية.

إسماعيل نشاد: قوانين الإعلام المعروضة للنقاش ستحمي القطاع عمومًا من فوضى الممارسة المهنية وفوضى المعلومات

هنان اعتبر الصحفي من الإذاعة الوطنية إسماعيل نشاد، أن القوانين المعروضة للنقاش ستحمي القطاع عمومًا من فوضى الممارسة المهنية وفوضى المعلومات التي باتت تعيش على وقع الإشاعات والتضليل وانعدام المصداقية، مشددًا على أن القطاع أصبح مشتتًا بفعل أسباب وتداعيات عقدين من الزمن،على حد قوله.