عقوبة الإعدام في الجزائر.. جدل يعود مع كل جريمة تهز الرأي العام

عقوبة الإعدام في الجزائر.. جدل يعود مع كل جريمة تهز الرأي العام

بورتريه للشاب جمال بن سماعين ( فيسبوك/الترا جزائر)

 

أعادت حادثة القتل العمدي للشاب جمال بن اسماعيل بتيزي وزوشرق العاصمة، بتلك الطريقة البشعة المطالب الشعبية المتعلقة بضرورة تنفيذ عقوبة الإعدام في حق من كانوا وراء هذا الفعل الشنيع، بحجة أن الاقتصاص للضحية سيوقف ارتكاب هذه الجرائم الغريبة عن المجتمع الجزائري، وهي المطالب التي لم تحقق سابقا لما دعا ناشطون إلى الاقتصاص من قتلة وخاطفي الأطفال والنساء.

تمتنع المحاكم الجزائرية منذ تسعينات القرن الماضي عن تنفيذ أحكام الإعدام بالرغم من إصدار القضاة هذه العقوبة في حق المتهمين 

وتمتنع المحاكم الجزائرية منذ تسعينات القرن الماضي عن تنفيذ أحكام الإعدام بالرغم من إصدار القضاة هذه العقوبة في حق المتهمين الذين يدانون بجرائم تستحق الإعدام وفق قانون العقوبات، غير أن المناداة بتنفيذ هذا الحكم لا تتوقف، ليتجدد بذلك الجدل حول ضرورة تطبيق الإعدام من عدمه كلما حدثت جريمة قتل تهز الرأي العام في البلاد.

اقرأ/ي أيضًا: رسميًا.. الجزائر تصوّت على قرار أممي يمنع تنفيذ عقوبة الإعدام

العودة إلى الإعدام

أوقفت الجزائر تنفيذ عقوبة الإعدام سنة 1993، بعدما أعدمت أربعة إرهابيين متّهمين بتفجير مطار هواري بومدين بالعاصمة الجزائر، وذلك تحت مبرّرات مختلفة منها الضغوط الدولية التي كانت تواجهها، وحاولت السلطة وقتها اللجوء لهذا القرار لسدّ كل انتقاد يوجه لها، خاصة وأن المحاكمات كانت تتم بسرعة وفي حق العديد من الأشخاص، واستمر هذا القرار ساري المفعول حتى الألفية الجارية، خاصّة في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي كان من المؤيدين للتمسك بهذا التجميد، بالنظر إلى ولعه بالحصول على إشادة خارجية حتى ولو كانت ضد المطالب المجتمعية.

وظلت مطالب العودة إلى تطبيق الحكم بالإعدام لا تجد الاستجابة من السلطة، غير أن وزير العدل السابق بلقاسم زغماتي لمّح في إحدى تصريحاته إلى إمكانية العودة لها. وشجع هذا التلميح، خاصّة بعد حادثة القتل البشعة التي وقعت بولاية تيزي وزو الأسبوع الماضي، مجموعة من المحامين لتوجيه طلب للرئيس عبد المجيد تبون يدعونه فيه لرفع التجميد عن تنفيذ عقوبة الإعدام.

ورفع هذا الطلب المحامون تواتي لحسن، وبورنان حسنة، وبوترعة ابراهيم، وزواوي محمد، وعادل إسماعيل، وجبالي طارق، وبن جابر نبيلة الذين دعوا رئيس الجمهورية للتدخل بما يملك من صلاحيات دستورية، لأجل مراجعة مصادقة الجزائر على القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2007. المتضمن وقف تنفيذ عقوبة الإعدام.

وبرر المحامون طلبهم بما تشهده الساحة الوطنية من جرائم تمس بالأمن الوطني والسكينة العامة، بعد أن ثبتت عدم جدوى الإصلاح الجزائي في شقه المتعلق بتجميد عقوبة الإعدام، حيث أيدت هذه المطالب أحزاب سياسية، منها التجمع الوطني الديمقراطي الذي قال أمينه العام إن "حزبه يرافع لصالح عودة هذه العقوبة ضد مختطفي الأطفال والمتاجرين بالمخدرات وحارقي الغابات وكل شخص يحاول ضرب مقومات الأمة ويعمل ضد الدولة الجزائرية لصالح جهات أجنبية".

الردع العام

يتشبث المحامي عمار خبابة بموقفه المطالب بالعودة لتنفيذ حكم الإعدام  كون الظروف تغيرات حليا، عما كانت لما تم تجميد القانون في التسعينيات، والتي قد كانت مبررة وقتها، بالنظر إلى أن الجزائر عاشت وقتها ظروفا استثنائية تمثلت في حالة الطوارئ.

ويوضح خبابة لـ"الترا جزائر" أن الظروف تغيرت في الوقت الحالي، ووجب العودة لتطبيق الإعدام في جرائم القتل، لكنه يرفض أن يشمل هذا التطبيق الجرائم المالية والسياسية.

ويربط خبابة موقفه بخلفيتين، الأولى مجتمعية تتمثل في شبه إجماع وسط المجتمع بتطبيق الإعدام على كل من يرتكب جريمة القتل عمدا مع سبق الإصرار والترصد، والثانية دينية تتمثل في تطبيق القصاص في حق مرتكبي القتل العمدي، حتى وإن كان الإعدام يختلف عن القصاص في القانون الجزائري، إلا أن عامل الشاهد منه موجود، والمتمثل في تحقيق الردع العام.

وحسب خبابة، فإن المجرمين استسهلوا العقوبة وازدادوا جورًا بعدم تنفيذ أحكام الإعدام، لذلك لا بد من العودة لتطبيقها لردع من يقتلون الأطفال والنساء، معتبرًا الممانعين لعودة تنفيذ هذا الحكم متأثرين بنزعة عالمية تنادي بإلغاء عقوبة الإعدام، ولكنهم سيكونون أول المطالبين بتنفيذها لو استهدفت جرائم القتل محيطهم العائلي.

إلغاء كلي

يواصل رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان المحلة مصطفى فاروق قسنطيني نضاله من أجل أن تقدم الجزائر على إلغاء عقوبة الإعدام من قوانينها، رغم أنه يؤكد أنه يحترم الآراء المنادية بتطبيق هذه العقوبة والخلفيات التي ينطلقون منها.

وأوضح قسنطيني في حديثه مع "الترا جزائر"، أن قانون العقوبات الجزائري يتضمن 17 حالة يكون حكم مرتكبي الجرائم المتعلقة بها الإعدام، مضيفًا أنه من المطالبين بإلغائها واستبدالها بحكم المؤبّد، لأنه –بنظره- أشد قسوة من الإعدام في حقّ مرتكبي جرائم القتل والاختطاف والاغتصاب.

ويذهب قسنطيني في مطلبه إلى أكثر من ذلك، إذ يدعو المشرّع الجزائري إلى عدم تضمين عقوبة الإعدام في أي قانون مستقبلي قد يصدره، ورغم عدم تنفيذ حكم الإعدام منذ 1993، إلا أن المشرّع الجزائري واصل تضمين هذه العقوبة في قوانين صدرت بعد قرار التجميد.

ويبرر قسنطيني التشبث بموقفه رغم دعوات العودة لتطبيق الإعدام بنظرته للعدالة والدولة التي يراها "في مرتبة عالية لا تجعلها تقتل"، مضيفًا أن "الجزائر بلد له احترامه الدولي ويجب أن تحافظ عليه بعدم التراجع عما وقعت والتزمت به دوليًا لتجسد بحق مبدأ دولة القانون الذي نسعى إليه جميعًا".

يستمرّ الجدل في الجزائر حول هذه العقوبة كلما شهدت البلاد حوادث قتل مريعة تلفت أنظار الرأي العام

وإلى أن تنظر السلطات في ملف تنفيذ حكم الإعدام أو الإبقاء على تجميده أو إلغائه كليًا، يستمرّ الجدل في الجزائر حول هذه العقوبة كلما شهدت البلاد حوادث قتل مريعة تلفت أنظار الرأي العام.

 

اقرأ/ي أيضًا:

زغماتي: لا مانع قانوني وطني أو دولي يمنعنا من تطبيق عقوبة الإعدام

لزهاري: لا وجود لأيّة مادة قانونية تمنع حكم الإعدام في الجزائر