06-ديسمبر-2022
طفل يبيع الرغيف في الأحياء الجزائرية (فيسبوك/الترا جزائر)

طفل يبيع الرغيف في الأحياء الجزائرية (فيسبوك/الترا جزائر)

رغم الخطوات التي حققتها الجزائر في مجال التشريع لحماية الأطفال سواءً بسن قوانين وطنية أو المصادقة على اتفاقات دولية، إلا أن ظاهرة عمالة الأطفال تظلّ موجودة في المجتمع الجزائري بنسب تراها الجهات الرسمية محدودة جدًا، فيما يعتقد آخرون أن الظاهرة موجودة بحجم أكبر من الأرقام التي تقدمها السلطات.

الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان قدّرت عدد الأطفال الذي يعملون في الجزائر خلال شهر رمضان بـ600 ألف طفل سنة 2018

لم يمنع ارتفاع معدل تعليم الأطفال إلى نسب تزيد عن 90 بالمائة من استمرار  تسجيل حالات لعمالة الأطفال في عدة ولايات، وفي بعض الحالات في ظروف سيئة جدًا، حيث تصبح البراءة ضحية للاستغلال من قبل عصابات التسوّل والمتاجرة بالمخدرات، وغيرها من الأعمال الممنوعة قانونًا والمنبوذة مجتمعيًا.

نسب ضئيلة 

إلى هنا، قالت رئيسة الهيئة الوطنية لحماية وترقية الطفولة مريم شرفي قبل أيام في تصريح للإذاعة الجزائرية إن نسبة عمالة الأطفال في الجزائر بلغت أقل من 0.01 بالمئة، معتبرة أن هذا الرقم يؤكّد مساعي الحكومة وكل الفاعلين لحماية الطفولة.

وكانت شرفي قد صرحت شهر آذار/مارس الماضي لإذاعة سطيف الجهوية أن نسبة عمالة الأطفال في الجزائر لا تزيد عن 0.05 بالمائة، وأضافت أن الجزائر بلد رائد في مجال حماية الطفل على المستوى الإقليمي، ولا يمكن لأحد إنكار ذلك.

وحسب شرفي، فإن الأشواط التي قطعتها الجزائر في مجال حماية حقوق الطفل ناتجة عن سنها جملة من القوانين، حيث كانت من السباقين للمصادقة على كل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالطفولة، وعلى رأسها الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل  بتاريخ 19 كانون الأوّل/ديسمبر 1992، إلى جانب مصادقتها على بروتكولين اختياريين لهذه الاتفاقية سنة 2006 .

وجعلت هذه النسب الرسمية وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، يوسف شرفة يعتبر في تصريح له شهر حزيران/جوان الماضي أن عمالة الأطفال في الجزائر "شبه منعدمة"، مشيرًا إلى أن بلاده لم تسجل أيّة حالة تندرج ضمن أسوأ أشكال عمالة الأطفال.

أرقام حقيقية؟

غير أن الأرقام المقدمة من المسؤولين تلقى بعض التشكيك من مهتمين بالطفولة، بالنظر إلى أنها تقدم في الغالب نسبًا، ولا تعطي عدد الأطفال الذين يعملون، لأنه حتى ولو كانت النسبة منخفضة إلا أن ما يقابلها من أرقام يبقى مرتفعًا في بلد يتعدى سكانه 44 مليون نسمة.

وقبل 10 سنوات، أفاد تقرير للهيئة الجزائرية لتطوير الصحة وترقية البحث'' فورام''، بوجود 350 ألف طفل عامل في الجزائر، مبينًا أن هذا العدد يرتفع إلى الضعف في أوقات العطل ورمضان والصيف في بعض الجهات.

وفي 2018، قدر تقرير للرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان عدد الأطفال الذي يعملون في الجزائر خلال شهر رمضان بـ600 ألف طفل.

وفي السنوات الأخيرة لم تصدر جهات غير حكومية أرقامًا بشأن معدلات عمالة الأطفال في الجزائر، وذلك بسبب صعوبة تقديم إحصاءات دقيقة وذات مصداقية، بالنظر إلى أن معظم المهن التي يشتغل بها الأطفال يكون خارج المراقبة الحكومية.

وقال رئيس جمعية رعاية الشباب والطفولة الوادفل نبيل لـ"الترا جزائر" إن واقع عمالة الأطفال في بعض المناطق يختلف عن تلك الأرقام المقدمة من قبل جهات رسمية، بالنظر إلى أن الأطفال بالأحياء الشعبية والمناطق النائية لا يزالون مضطرين للعمل جراء العوز، فالأسواق الشعبية تظلّ إلى اليوم شاهدة على عمل الأطفال في العتالة والتجارة الموازية، وبالمناطق الريفية لازال الأطفال يشتغلون الزراعة والرعي.

وأوضح المتحدث ذاته أن التحاق الأطفال بسوق العمل رغم تجريم القانون لذلك سببه انخفاض القدرة الشرائية لكثير من العائلات، بسبب ارتفاع الأسعار وصعوبة تلبية الوالدين لحاجات العائلة.

وحسب المتحدث ذاته، وإن كان يمكن تفهم بعض الأعمال التي يقوم بها الأطفال لمساعدة عائلاتهم والتي لا تبعدهم الدراسة، إلا أن الخطر يبقى في وقوع بعض الأطفال ضحية عصابات تستغل الطفولة لتحقيق غاياتها الدنيئة من خلال تشغيلهم قسرًا في عمليات التسول أو الاتجار بالمخدرات، والبعض قد يكونون ضحايا استغلال جنسي.

مجهودات غير كافية

تقول مريم شرفي إن اهتمام الجزائر بحقوق الطفل يظهر من مختلف التشريعات التي صادقت عليها، ومنها ما تضمنه دستور سنة 2020 الذي ينص في المادة 71 منه على المصلحة العليا للطفل.

 كما وقعت الجزائر على اتفاقية حقوق الطفل المعتمدة من قبل الأمم المتحدة، والتي تحتوي على 45 مادة حاولت أن تجمع كل الحقوق التي يتمتع بها الطفل وتتضمن أربعة مبادئ تتمثل في المصلحة الفضلى للطفل وعدم التمييز، وحق الطفل في المشاركة وّإبداء الرأي في كل القضايا التي تهمه.                    

من جهته يوضح  الوادفل نبيل لـ"الترا جزائر" أن  القضاء على عمالة الأطفال في الجزائر لا يتعلق بضعف التشريعات وعدم إحاطتها الكافية بهذه الظاهرة، إنما الإشكال الحقيقي يتمثل في مدى تطبيق هذه النصوص القانونية، وحماية القصر من أي استغلال، وضمان الحصول على حقوقهم الطبيعية من تعليم وصحة ولعب في هذه الفترة العمرية من حياتهم.

استمرار تسجيل حالات لاستغلال البراءة يتطلب من الجميع العمل على القضاء على هذه الظاهرة

من المؤكد أن الجزائر تقدم تقارير دورية في مجال حماية الأطفال وباعتراف دولي تمثل في ممثلة مكتب منظمة الأمم المتحدة للطفولة بالجزائر صورية حسان التي نوهت في حزيران/جوان الماضي "بالتقدم و الإنجازات التي حققتها الجزائر في مجال حماية وترقية الطفولة من أجل ضمان حقهم في الاستفادة من تعليم نوعي والصحة والحماية الاجتماعية"، إلا أن استمرار تسجيل حالات لاستغلال البراءة حتى ولو كانت على نطاقات ضيقة يتطلب من الجميع العمل على القضاء على هذه الآفة لأن الأمر يتعلق بمن سيكون مستقبل البلاد لاحقًا.