عندما يفتقد الاحتجاج إلى ثقافة المواطنة

عندما يفتقد الاحتجاج إلى ثقافة المواطنة

غالبًا ما يلجأ المحتجون إلى إغلاق الطرق بالمتاريس (تصوير: فاروق باتيش/الأناضول)

منذ مدّة وأنا أتساءل: ما معنى أن يقطع مواطنون الطريق على أنفسهم للاحتجاج على السلطة؟

كيف يمكن للمحتجين أن يكسبوا تعاطف غيرهم، إن كانوا يسبِّبون في تعطيل مشاغل كثيرين؟

أتصوّر أنّ طريقة الاحتجاج بهذا الشكل، هي مبنية على تصوّر خاطئ، لأنّ المواطن البسيط هو من يدفع في الأخير ثمن هذه الطريقة الخاطئة في الاحتجاج، فقد يتعذّر عليه الوصول إلى موعدٍ هام، أو قد يفوّت على نفسه الوصول إلى المستشفى لمعالجة مرض طارئ ألمّ به، أو لوضع مولود جديد، وقد يفوّت طالب ما امتحانًا مصيريًا. والوحيد الذي يمكن له أن يصل في موعده للاجتماع فهو رئيس الحكومة أو الوزير أو الوالي.

اقرأ/ي أيضًا: احتجاجات في الجزائر..غليان المواطن وخطر الفوضى

صحيح أن الاحتجاج حقٌّ مواطناتي، خاصّة بعد أن تكون الأبواب قد أوصدت في وجه المواطنين، لكن أيضًا لابد من التفكير في طرق الاحتجاج وفي وسائلها، بما يضمن الفعالية وعدم تعطيل مصالح المواطنين.

الاحتجاجات التي تتكرّر أسبوعيًا في ولاية بجاية، بالخصوص، تكشف عن غياب الحيلة لدى المحتجّين، فأغلب تلك الاحتجاجات لا تخرج عن قطع الطرق الوطنية في وجه المواطنين أنفسهم، مما يعطِّل مشاغلهم، ويخلق حالة احتقانٍ وتذمّر عام.

فكيف يمكن للمحتجّين أن يكسبوا تعاطف غيرهم، إن كانوا يسبِّبون في تعطيل مشاغل كثيرين؟ ثمّ أليس الاحتجاج هو الذي يرقى إلى المطالبة بالحقوق العامّة وليست الفئوية الصغيرة؟ فإذا كانت كل خمسة بيوت تقذف بشبابها إلى الطرقات لقطعها، فهذا يعني أنّنا سنشهد تعطّلا مستمرًا لمشاغل المواطنين، وتكرار هذه الاحتجاجات سيتسبّب في بروز نظرة سلبية اتجاه طرق الاحتجاج والفائدة منها.

وما هو مؤكّد، فإنّ الحوادث التي يُمكن أن تقع بسبب قطع الطرقات، هي تحت المسؤولية القانونية والأخلاقية للمحتجين، لأنه كان عليهم أن يفكّروا في تبعات هذه الطريقة في الاحتجاج قبل الإقدام عليها؛ فولاية بجاية قد شهدت حوادث مرور بسبب لجوء المواطنين إلى الطرق الجبلية الصعبة لتجنب مواقع الاحتجاجات، وهذا أدّى في أكثر من حالة إلى وقوع قتلى. ناهيك عن وفيات لمرضى أرهقتهم ساعات الانتظار داخل السيّارة تحت حرارة الجو الخانقة، وماذا عن النساء الحوامل؟

يبدو أننا نحتاج إلى ثقافة الاحتجاج، وغياب هذه الثقافة هو الذي سهّل من انتشار هذه الأشكال، وهي بدورها تساهم في فقدان المواطنين الثقة في بعضهم البعض.

لقد حان الوقت ليفكّر المواطن في طرق جديدة لنقل مشاغله للسلطة، وتكون تلك الطرق مُبدعة وذكيّة تضمن الفعالية في إيصال المطالب، وفي الوقت نفسه لا تعطّل مشاغل المواطنين. فلا نبحث عن الحلول لمشاكلنا بخلق مشكلات جديدة.

من جهة أخرى، فالاحتجاجات ذات الطابع الضيّق، لا تؤتي أكلها، بل وتساهم في شخصنة المشكلات وتتفيهها. فهل يعقل أن نقطع الطريق من أجل المطالبة بإصلاح عمود كهربائي؟

إنّ حسّ المواطنة لا يتوقّف عند تلبية مطالبك الضيّقة، بل هو حسّ يدفعك إلى التفكير في حقوق الآخرين

إنّ حسّ المواطنة لا يتوقّف عند تلبية مطالبك الضيّقة، بل هو حسّ يدفعك إلى التفكير في حقوق الآخرين، حتى لا يغدو حقّك انتهاكًا لحقوق غيرك. المواطنة هي ثقافة قبل أن تكون مجرّد احتجاجات يومية لأجل المطالبة بالحقوق، في حين تنسى أنّ لك واجبًا اتجاه الآخرين.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الاحتجاجات في الجزائر.. السلطة تطمئن والشارع متخوف

تأجيل 3 مباريات كروية بالعاصمة بسبب دعوات للتظاهر